في سيدي بوسعيد، بتونس، ليس قصر النجمة الزهراء مسكنًا وحسب؛ فهو جسرٌ بين الثقافات واحتفاءٌ بالفنّ الشرقي. فقد بناه بين 1911 و1922 البارون رودولف ديرلانجي، المستشرق الفرنسي البريطاني ومؤلّف «الموسيقى العربية»، وهذه الجوهرة المعمارية تروي حكاية شغفٍ وفنٍّ والتزامٍ بغنى المنطقة الثقافي.
من كان رودولف ديرلانجي؟
عالمٌ وراعي فنونٍ وفنّان: جمع رودولف ديرلانجي، صاحب النجمة الزهراء، أدوارًا كثيرة في آنٍ واحد. فبتأليفه «الموسيقى العربية» وضع مرجعًا ثقافيًّا. وفي رأس قرطاج وجد المكان الأمثل ليغذّي شغفه بالثقافة العربية.
كيف رأت النجمة الزهراء النور؟
شُيّدت النجمة الزهراء بين 1911 و1922، وهي حلم ديرلانجي الشرقيّ وقد صار حقيقة. فهذا القصر المستور في سيدي بوسعيد كان ملتقى الفنّانين. وهو لا يشهد على جرأة ديرلانجي الخلّاقة وحدها، وإنّما على عشقه العميق للعمارة والفنّ.
مسار ديرلانجي: بين الإرث والتأثير
وُلد رودولف فرنسوا ديرلانجي سنة 1872، مستشرقًا فرنسيًّا بريطانيًّا من أصولٍ ألمانية أمريكية. فحمل الجنسية البريطانية بعد استقراره في إنجلترا. أما أسرته، ذات النفوذ في المال والثقافة، فقد تركت له إرثًا وازنًا: فقد كان جدّه وأبوه من أعمدة عالم المصارف، ونبغ إخوته في العلم والمصرفية والموسيقى.
النجمة الزهراء: جسرٌ بين ثقافتين
كثيرًا ما يُعدّ البارون ديرلانجي رمزًا للاندماج الثقافي. فعلى هشاشة صحّته، اختار تونس للشفاء. وقد جذبه إليها كذلك حبّه للرسم والفنّ؛ فقد أتقن مهاراته الفنّية في باريس، ثمّ أخذه غنى تونس الثقافي. أما قصره، النجمة الزهراء، فتحيّةٌ نابضة إلى العمارة الأندلسية، تُجسّد التزامه بالثقافة المحلّية.
«النجمة الزهراء»: تحفةٌ معمارية، وتحفةٌ في التكتّم
لا تنفرد النجمة الزهراء بعمارتها وحدها، وإنّما بتكتّمها أيضًا. فهذا المكان المستور في سفح تلّة يعكس رهافة صاحبه، ويندرج في انسجامٍ تامّ مع قواعد العمران الإسلامي. وإلى القصر يُدخل من بابٍ أندلسيّ، عبر ممرٍّ مزهر.
داخل القصر: مزيجٌ من الجمال والعراقة
يقدّم الرواق الأوسط في قاعة الشرف مشهدًا من الجمال؛ فقد صُفّت فيه العقود المستديرة والأعمدة المزدوجة في مهابة. ويشهد الجصّ المنقوش والرخام الرفيع على ذوقٍ يميل إلى الأبّهة، مستوحًى من قصور البايات. وفي آخر الرواق، يفضي بابٌ منزلق إلى صحنٍ أنيقٍ محفوفٍ بالأعمدة، يُستعمل للفعاليات الثقافية والموسيقية.
فضاءات النجمة الزهراء الفريدة
و«قاعة الموسيقى»، الموزّعة على ثلاثة فضاءات، تحفةٌ من تحف العراقة التونسية. أما مكتبة القصر، التي يُدخل إليها من بابٍ من خشب الأشجار المثمرة المنقوش، فتضمّ مجموعةً غنيّة من الكتب والمخطوطات. وتطلّ الغرفة الذهبية الكبرى، المقسومة قسمين، على شرفةٍ وعلى الحديقة الفارسية — وهي براعةٌ في ذاتها، تخلق جوًّا رهيفًا.
النجمة الزهراء: متحفٌ حيّ
وفي الحرب العالمية الثانية، ذاقت النجمة الزهراء الاحتلال والنهب. فبعد وفاة ابن رودولف ديرلانجي، باعت أرملته القصر إلى الدولة التونسية. وهو اليوم محفوظٌ متحفًا، يضمّ لوحات ديرلانجي وكنوزًا تاريخية.
النجمة الزهراء اليوم: مركزٌ ثقافيّ نابض
يحتضن القصر منذ 1992 مركز الموسيقى العربية والمتوسّطية. فهو قاعة حفلاتٍ، وفيه معروضةٌ مجموعة من الآلات الموسيقية. ويضمّ كذلك المكتبة الصوتية الوطنية التونسية، الموقوفة على حفظ التراث الموسيقي التونسي، وورشةً لصناعة الآلات الوترية للترميم والبحث.
معالم زمنية
| الفترة | الحدث |
|---|---|
| 1872 | مولد رودولف فرنسوا ديرلانجي، المستشرق الفرنسي البريطاني |
| من 1911 إلى 1922 | بناء قصر النجمة الزهراء في سيدي بوسعيد |
| الحرب العالمية الثانية | احتلال القصر ونهبه |
| بعد وفاة ابن رودولف ديرلانجي | تبيع أرملته القصر إلى الدولة التونسية التي تحفظه متحفًا |
| 1992 | يصير القصر مقرّ مركز الموسيقى العربية والمتوسّطية |
النجمة الزهراء، كنزٌ ثقافيّ لا يُقدَّر بثمن
ليست النجمة الزهراء قصرًا وحسب؛ فهي رمزٌ حيّ لتاريخ تونس وثقافتها وفنّها. وتروي جدرانها، المشبعة بالتاريخ، حكايات ابتكارٍ معماريّ وإلهامٍ فنّيّ وتبادلٍ ثقافيّ. فهذا المكان، الذي آوى يومًا رؤية رودولف ديرلانجي، ما يزال يفتن ويُلهم. وهي ليست شاهدًا على الماضي فحسب، بل فاعلٌ نشط في حفظ الثقافة التونسية ونشرها. فمن يزر هذا القصر لا يكتشف معلمًا تاريخيًّا وحده، وإنّما يلامس روح تونس نفسها، بلدٍ غنيٍّ بتراثه، ماضٍ إلى المستقبل بعزم.