رحلات

المرسى: فنّ العيش التونسي بين البحر والتقاليد

على بُعد كيلومترات قليلة من تونس العاصمة، تبسط المرسى كورنيشها قبالة البحر الأبيض المتوسط كدعوة إلى التمهّل. تمتدّ هذه المدينة الساحلية من تونس الكبرى، التي تعدّ نحو 95000 نسمة، بين هضبة سيدي بوسعيد وجُرف رأس قمرت، في إطار استثنائي. وهي تجسّد فنّ العيش التونسي: مثلجات تُتذوَّق على الكورنيش، ومقاهٍ نابضة بالحياة، ومطاعم راقية، ومطاعم بيتزا ودّية، ومراكز تجارية عصرية، وفنادق فاخرة. ووريثةً لماضٍ يعود إلى قرطاج، تمزج بين الذاكرة البونية والقصور الحفصية، ترمز في نظر كثير من التونسيين إلى الدولتشي فيتا (حلاوة العيش) والأناقة والرقيّ.

مدينة تعيش على إيقاعها الخاص

تبدو المرسى منفصلةً عن صخب تونس الكبرى. فهي تتطوّر وفق إيقاعها الخاص، وقد صاغها سكّانها المتعدّدو الأصول. شامخةً وأبيّة، ترمز لدى كثيرين إلى رقّة العيش المتوسطية، أناقةٍ بلا تباهٍ.

يذكّر جوّها الحنيني بأجواء المنتجعات الشاطئية المتوسطية مثل كان ونيس وسان تروبيه. فهذه الوجهات تتقاسم الشمس السخية نفسها، والإطلالات نفسها على البحر، والحدائق نفسها حيث تتجاور أشجار النخيل والورود والجهنمية في تناغم. وتمتدّ المدينة من جهة سيدي بوسعيد، التي تروي لها السلطانة في مقال آخر الإرث الثقافي للنجمة الزهراء.

تراث تاريخي لافت

من قرطاج إلى البايات: تاريخ يمتدّ آلاف السنين

يعود تاريخ المرسى الغنيّ إلى الحقبة البونية. فقد كانت نواتها الأولى تنتمي آنذاك إلى حيّ ميغارا، ضاحية مدينة قرطاج البونية — التي تستكشف لها السلطانة في مقال آخر أبرز المواقع الأثرية القديمة في تونس. بل إن غوستاف فلوبير يجعلها مسرحًا لوليمة أقامها حملقار برقا، في روايته الشهيرة سالامبو.

يدلّ اسم «مرسى»، أو «مرس»، على ميناء أو مرسًى للسفن. وقد استُخدم الخليج أحيانًا مرسًى — لا سيما سنة 1856، لإنزال القوات التونسية المُرسَلة إلى القرم. غير أنه لا دليل يؤكّد وجود ميناء قديم في هذا الموقع.

الحقبة الحفصية وقصورها

في مطلع القرن السادس عشر، اختار السلطان الحفصي أبو عبد الله محمد المتوكّل المرسى مقرًّا صيفيًا. فأمر ببناء ثلاثة قصور داخل حديقة تقع في قلب المدينة. وفي ما بعد، صارت العبدلية — أحد هذه القصور الثلاثة — مقرًّا لقناصل إنجلترا، قبل أن تغدو دار الضيافة للأوروبيين.

وبعد أن حُوّل إلى مدرسة ابتدائية إثر الحرب العالمية الثانية، يشكّل هذا المبنى الشاهد الوحيد على العمارة المدنية لأواخر العصر الوسيط الحفصي. ويذكّر طرازه بقصور قصر الحمراء في غرناطة.

المرسى اليوم: بين التقليد والحداثة

ملتقى للعشّاق والذوّاقة

تجذب المدينة الأزواج بشكل خاص، كما يشهد على ذلك العدد المرتفع للأعراس التي تُقام في بلدية المرسى. ويجد الذوّاقة فيها أيضًا مبتغاهم: إذ يتزاحم الناس لتذوّق البمبلوني (bambalouni) والفريكاسي (fricassé) والشيبس التقليدية قرب مقهى السفساف الشهير. كما تشتهر المرسى بالبامية، التي تُسمّى هنا «المرساوية».

أجواء تتبدّل بتبدّل الفصول

في الشتاء، تحت المطر والغيوم الرمادية، يغزو شيء من الكآبة نفوس المتنزّهين. أما الصيف، فيبدّل الأجواء تبديلًا تامًّا: إذ تغدو المدينة أكثر حيوية وألوانًا. فيتجوّل الزوّار عندئذٍ، عند حلول المساء، بين الدكاكين، يقودهم نسيم عليل مُعطَّر برائحة الياسمين.

مكان تنزّه مرغوب

لقد اتّخذت نخبة اجتماعية معيّنة منها مقرًّا لها منذ عقود. غير أن ذلك لا يمنع سكّان تونس الكبرى من كل المشارب من جعلها مكان تنزّههم المفضّل. وتظلّ المرسى تسحر بجاذبيتها الفريدة، شأنها شأن لآلئ أخرى من الساحل التونسي مثل مدينة المهدية التاريخية.

شهادات الماضي

مرّ بالمرسى عبر التاريخ كثير من الشخصيات واحتفظوا عنها بذكرى رائعة. فالدبلوماسي والرحّالة حسن الوزّان، المعروف بليون الإفريقي، وقع حرفيًا تحت سحرها. وكان هذا التاجر الكبير والرحّالة يصفها بأنها «مدينة قديمة صغيرة تقع على شاطئ البحر حيث كان ميناء قرطاج»، «يسكنها صيّادون ومزارعون وقصّارون للأقمشة»، حيث «اعتاد الملك أن يقضي فيها الصيف».

أسئلة شائعة

أين تقع المرسى؟
المرسى مدينة ساحلية من تونس الكبرى، على بُعد كيلومترات قليلة من العاصمة. تمتدّ هذه البلدية التي تعدّ نحو 95000 نسمة بين هضبة سيدي بوسعيد وجُرف رأس قمرت.
ماذا يعني اسم «مرسى»؟
«مرسى»، أو «مرس»، يدلّ على ميناء أو مرسًى للسفن. وقد استُخدم الخليج أحيانًا مرسًى — لا سيما سنة 1856، لإنزال القوات التونسية المُرسَلة إلى القرم — غير أنه لا دليل يؤكّد وجود ميناء قديم في هذا الموقع.
ما هو قصر العبدلية؟
العبدلية هي أحد القصور الثلاثة التي بناها في المرسى السلطان الحفصي المتوكّل في مطلع القرن السادس عشر. كانت مقرًّا لقناصل إنجلترا ثم دارًا لضيافة الأوروبيين، وحُوّلت في ما بعد إلى مدرسة ابتدائية، وهي تشكّل الشاهد الوحيد على العمارة المدنية لأواخر العصر الوسيط الحفصي، بطراز يذكّر بقصر الحمراء في غرناطة.
ما هي الأطباق المميّزة التي تُتذوَّق في المرسى؟
يُتذوَّق فيها البمبلوني والفريكاسي والشيبس التقليدية قرب مقهى السفساف الشهير، دون نسيان المثلجات التي تُتذوَّق على الكورنيش. كما تشتهر المدينة بالبامية، التي تُلقَّب بـ«المرساوية».
لماذا تُقارَن المرسى بالساحل اللازوردي الفرنسي؟
يذكّر جوّها الحنيني بأجواء المنتجعات الشاطئية المتوسطية مثل كان ونيس وسان تروبيه: الشمس السخية نفسها، والإطلالات نفسها على البحر، وحدائق النخيل والورود والجهنمية نفسها. وهكذا ترمز المدينة، في نظر كثير من التونسيين، إلى الدولتشي فيتا والأناقة والرقيّ.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب