من فسيفساء باردو إلى خزف قلالة، تملك تونس واحدة من أغنى المجموعات المتحفية في حوض البحر الأبيض المتوسّط. فكنوزها البونية والرومانية والإسلامية وفنونها الشعبية موزّعةٌ على كامل التراب الوطني، من تونس العاصمة إلى جربة. وقد أعاد بعض المؤسّسات فتح أبوابه بعد أشغالٍ طويلة، أما بعضها الآخر فما يزال مغلقًا للترميم. وهذه جولةٌ فيما يُزار اليوم من هذا الإرث، جهةً جهة.
تونس العاصمة وجهتها: فسيفساء وخزف وتقاليد
يوجد أروع متحف فسيفساء في العالم بتونس العاصمة، داخل قصر باردو البايليّ القديم. وقد رُمّم المتحف ووُسّع بالكامل سنة 2012، ثم أغلق أبوابه من جويلية 2021 إلى سبتمبر 2023، أي عامين من الأشغال وسّعت قاعاتٍ عدّة وفتحت قسمًا جديدًا للمخطوطات الإسلامية. أما منذ إعادة افتتاحه في 14 سبتمبر 2023، فتُستعرض من جديد، واحدةً واحدة، روائعُ لا تُحصى صنعها فسيفسائيّو تونس، أشهرُ فسيفسائيّي العالم الروماني، ضمن مجموعةٍ فريدة من الآثار الرومانية.
وفي تونس العاصمة أيضًا، يواصل متحف الخزف سيدي قاسم الجليزي، القائم في الزاوية القديمة المنسوبة إلى شيخ الخزّافين في القرن الخامس عشر، نقلَ هذه حرف الفنّ التونسية المهدَّدة اليوم. أما متحف الفنون والتقاليد الشعبية، المهيّأ في قصر دار بن عبد الله، فما يزال مغلقًا للترميم منذ 2009، دون أن يُعلَن إلى اليوم موعدٌ لإعادة فتحه.
قرطاج وسيدي بوسعيد: بين العصر القديم والموسيقى
وفي قرطاج، يحتفظ المتحف الوطني على تلّة بيرصا بقطعٍ استثنائية: ناووسٌ منحوت، وتمثالٌ صغير للإله بعل… غير أنّه مغلقٌ منذ 2018 من أجل إعادة تأهيلٍ واسعة للأكروبوليس، يُستهدَف الفراغ منها سنة 2026. أما من كان له ميلٌ آخر فأمامه متحف علوم البحار بقرطاج في سلامبو، وهو مفتوحٌ طوال السنة عدا يوم الاثنين، أو متحف الآلات الموسيقية بقصر النجمة الزهراء بسيدي بوسعيد، ومجموعته التي تضمّ أكثر من 400 آلة، والتي يجري ترميمها منذ 2022، أُثريت سنة 2026 بجهازٍ انغماسيّ للواقع الممتدّ باسم «Ennejma Ezzahra XR».
الشمال الغربي: على آثار النوميديّين
وفي جهات الشمال الغربي، يعرض متحف شمتو، في سينوغرافيا حديثة، معلوماتٍ وافرة عن النوميديّين، تلك الحضارة القديمة الأصلية التي أنجبت أيضًا يوغرطة، أسد نوميديا، والتي نمت في احتكاكها بقرطاج؛ إذ عُثر في الموقع على بقايا معبدٍ مُهدًى إلى الملك النوميدي ماسينيسا. وقد أُغلق المتحف سنواتٍ لدواعٍ أمنية في الجهة، ثم أعاد فتح أبوابه للجمهور في ديسمبر 2019. أما متحف الفنون والتقاليد الشعبية بمدينة الكاف فيشغل بناءً دينيًّا بديعًا من القرن الثامن عشر، هو زاوية الطريقة الرحمانية القديمة، ويبقى منجمًا للمعلومات عن تقاليد الفروسية وأزياء الشمال الغربي وحُليّه، وعن نمط العيش تحت خيام البدو.
القيروان والساحل: فنونٌ إسلامية وفسيفساء
وفي القيروان، يعرض متحف رقّادة قطعًا وسيطة نفيسة: خزفٌ ذو بريقٍ معدني، ومخطوطاتٌ منها المصحف الأزرق الشهير المؤرَّخ بالقرن العاشر… أما سوسة فتملك متحفًا أثريًّا من الطراز الأوّل، قائمًا في القصبة، بفسيفساء رومانية استثنائية تعود إلى ما بين القرن الثاني والقرن الرابع. ويُضاف إلى ذلك متحف الجم وإعادة بناء فيلا رومانية بالجم، حيث ينشر منتزهٌ أثريّ واسع اليوم «فيلا أفريكا»، وهي إعادة بناءٍ بالحجم الطبيعي لإقامةٍ قديمة فخمة تناهز 3 000 م² كُشف عنها في تسعينيات القرن الماضي. ثم تكتمل لوحة الساحل بمتاحف الفنون والتقاليد الشعبية بسوسة والمنستير والمهدية.
صفاقس وجربة: دور الأعيان وحياة الجزيرة
وفي صفاقس، تحتضن القصبة القديمة متحفًا مخصّصًا للعمارة التاريخية للمدينة. أما قصر دار جلّولي، وهو دارٌ رصينة مهيبة من القرن السابع عشر، فيعرض التحف الجميلة التي كانت ترافق حياة الأسر الميسورة. وفي جربة، يُعنى متحف التراث التقليدي بحومة السوق بمختلف وجوه الحياة في الجزيرة — من أزياءٍ وخزفٍ وفلاحةٍ وصيد — بينما يعرض متحف قلالة مشاهد من الحياة التقليدية والخزف الأمازيغي الذي صنع شهرة الجهة منذ العصور القديمة.