رحلات

تستور: جولة مصحوبة في قلب مدينة أندلسية

تستور مدينة أندلسية أُسّست نحو سنة 1609 على يد المورسكيين المطرودين من إسبانيا، وتقع على بُعد 77 كيلومترًا جنوب غرب تونس، على ضفاف وادي مجردة وفوق أنقاض قرية تاشيلة الرومانية. تحتفظ بتراث إسبانيّ-موريسكيّ نادر: أزقّة، ومنازل ذات صحن داخليّ، وجامع كبير مئذنته مزيّنة بنجوم داوود وساعة عقاربها معكوسة. وهي مدينة المالوف، وتُعدّ اليوم من أقدم حواضر تونس.

تستور: جوهرة أندلسية في قلب تونس

تنتصب تستور على بُعد 77 كيلومترًا جنوب غرب تونس. وهذه البلدية التي يبلغ عدد سكّانها 12 732 نسمة، والتابعة لولاية باجة، هي مركز معتمدية يسكنها 23 500 نسمة. وقد بُنيت في مطلع القرن السابع عشر نحو سنة 1609، وتقوم على ضفاف وادي مجردة في موضع تاشيلة، القرية الرومانية القديمة.

بعد وصول المورسكيين إلى تونس نحو سنة 1580، صارت تستور واحدة من أكبر حواضرهم. فجامعها الكبير الذي شُيّد نحو سنة 1631، وأزقّتها المتعرّجة، ومنازلها العتيقة، تجعلها من أقدم مدن تونس.

الجذور التاريخية للمدينة

تراث يُعاد اكتشافه

تبرز تستور بوصفها إحدى الوجهات المفضّلة للسياحة التونسية. وقد كشفت رحلة بعنوان «المدن الأندلسية» للمشاركين عن الأحياء التي أسّسها الأندلسيون: مجاز الباب، وسلوقية، وتبرسق، وتستور.

تنظّم هذا الحدث الجمعية التونسية للدراسات والبحوث الحضرية (ATERU). وتضمّ هذه الجمعية باحثين وطلبة دكتوراه وأكاديميين ومختصّين في التعمير وجغرافيّين ومعماريّين ومؤرّخين مرموقين. وهم يعملون على التعريف بكنوز تراثنا.

يقود الزيارات رملة الحسايتي وعبد الحليم القندي. بل إنّ هذا الأخير أعاد تشغيل ساعة جامع تستور. ومقابل مبلغ زهيد قدره 30 دينارًا، يمكن لكلّ زائر أن يغوص في الماضي المجيد لهذه المدينة، مدينة المالوف وجبن الريكوتا.

النزوح الأندلسيّ نحو تونس

بعد الاسترداد (الريكونكيستا)، طرد الملوك الكاثوليك الأندلسيين من إسبانيا. فوجد هؤلاء المورسكيون ملجأً في شمال إفريقيا. واستقرّ الإسبان من أهل الديانة اليهودية في المغرب، بينما تفرّق الأندلسيون المسلمون بين المغرب والجزائر وتونس. وحملوا معهم عاداتهم وتقاليدهم، فأثروا الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في بلدان الاستقبال.

يبدأ تاريخ هذه الهجرة قبل سقوط غرناطة سنة 1492، وإن كان قد اشتدّ بعد هذا التاريخ. ويمتدّ على قرنين حتّى الطرد الكامل للمورسكيين الأندلسيين من شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 1610.

استقبال السلطات التركية

استقبلت السلطات التركية التي كانت تحكم تونس آنذاك هؤلاء السكّان بأذرع مفتوحة. ورأى عثمان داي ومن بعده يوسف داي في هذه الفئة سكّانًا نشطين ومتعلّمين. فشجّعا استقرارهم في العاصمة وفي مناطق الشمال التونسيّ.

ومن بين هؤلاء المورسكيين، يبرز التغارنة. فقد جاؤوا من قشتالة وأراغون، واختاروا منطقة تقع على بُعد 76 كيلومترًا غرب تونس. وهذه المنطقة الخصبة على نحو خاصّ تمتدّ على الضفّة اليمنى لوادي مجردة وتقع على الطريق الرابط بين تونس والجزائر.

وإذ تقوم تستور على أنقاض قرية تاشيلة الرومانية، فإنّها لا تفتقر إلى الماء. وسرعان ما تصير سهلًا واسعًا مزروعًا تحفّه أشجار الزيتون.

السحر الأندلسيّ الأصيل

تقاليد وعمارة محفوظة

تشهد الأرشيفات وأسماء العائلات بأنّ التستوريين ظلّوا نحو قرن ونصف قرن يتكلّمون الإسبانية. وحافظوا على بعض التقاليد كممارسة مصارعة الثيران.

إنّ أزقّتها الخلّابة، ومنازلها العتيقة، وأحياء الرهيبة والحارة والتغارين، تجعلها من أقدم مدن تونس. وما تزال تحتفظ بطابعها الأندلسيّ في مساكنها. فالقرميد المصفوف بإتقان يغطّي السقوف، بينما تضمّ المنازل إسطبلات ومخازن للغلال.

وتفتح الغرف التقليدية على صحن داخليّ مركزيّ تزيّنه شجرة مهيبة. أمّا الساحة المركزية فتبهر بجمالها وبتخطيطها المربّع الإسبانيّ المميّز.

شهادة معمارية فريدة

في سنة 1893، نشر رينيه كانيا وهنري سالادان «Le voyage en Tunisie». وهذان العالمان اللذان كلّفتهما الوزارة الفرنسية بمهمّة أثرية يصفان الجامع: «تنتصب المئذنة أمام نوافذنا. وتتزيّن بكساء من قِرميد الخزف المتعدّد الألوان يغلب عليه الأبيض والأخضر والأسود. وفوق البرج المربّع يعلو سقف مدبّب من القرميد، يعلوه سهم حادّ. ويستند هذا السهم إلى ثلاث كرات متراكبة وينتهي بهلال.»

الجامع الكبير: رمز معماريّ

البناء والموقع

شيّد محمد تارغارينو الجامع الكبير بتستور سنة 1630. ويقع في قلب المدينة، عند ملتقى الشوارع الكبرى. وقد صار رمز المدينة، وله صحنان: الأكبر في الشمال، والثاني أصغر حجمًا في الشمال الشرقيّ وبه بيت الوضوء.

ويقدّم الجامع تركيبًا غير مسبوق بين التقاليد المحلّية والتقنيات الإسبانية-الموريسكية. ويكشف طابع البناء الرصين عن تأثير فنّ المدجَّن. وقد جرت أعمال توسعة في القرن الثامن عشر.

تنظيم معماريّ لافت

ينبسط البناء على مخطّط مستطيل. وتُفتح قاعة الصلاة الواسعة نسبيًّا بستّة مداخل. وتنتظم في سبعة أساكيب وتسع بلاطات عمودية على جدار القبلة، تحدّها عقود تستند إلى أعمدة.

وتتميّز البلاطة الوسطى الموافقة لمحور المحراب بقبّتين محمولتين على حنايا ركنية، على التقليد العثمانيّ.

عمارة آسرة وحِرفة أندلسية

المئذنة الاستثنائية

في وسط الصحن الكبير تتربّع مزولة رخامية موقّعة باسم أحمد الحرّار ومؤرّخة بسنة 1761. ويحتضن الركن الشماليّ الشرقيّ المئذنة المؤلَّفة من برجين متراكبين.

يتّخذ البرج السفليّ مخطّطًا مربّعًا، مبنيًّا على الطريقة الطليطلية بموادّ مختلطة. فالربط بالآجرّ يصحبه حشو بالدبش. أمّا الجزء العلويّ، ذو المخطّط المثمّن، فيتوّجه فانوس بسقف هرميّ من الخشب. وتخترقه نوافذ توأمية، بينما تزيّنه أكسية ثرية من الخزف وقرص ساعة.

وتذكّر هيئة المئذنة بأجراس الكنائس الأراغونية وأجراس جنوب إسبانيا. أمّا الصحن الثاني، ذو الرواق المعمَّد الوحيد المسقوف، فيخلّ بانتظام المخطّط من جهة الشمال الشرقيّ.

زخرفة أندلسية راقية

يستلهم المعجم الزخرفيّ من الفنّ الأندلسيّ. فالزخرفة الهندسية، وهي الأكثر شيوعًا، تقدّم أشكالًا متنوّعة: معيّنات وأشكالًا سداسية ودوائر ونجومًا ومستطيلات. أمّا العناصر النباتية المحوّرة فتتّخذ هيئة أزهار رمحية، ووريدات، وأوراق مشعّة حول عنصر مركزيّ، وسعف النخيل وأغصان التين.

وتزيّن هذه الزخارف القباب، والحنية السفلى للمحراب، وألواح الجصّ. وتكمّل علاماتُ البنّائين هذه المجموعة الزخرفية.

خصائص فريدة

تتزيّن المئذنة بنجوم داوود، وهي شائعة في المساجد التونسية وأبواب المنازل والزوايا. وهذا يوحي بأنّ الجالية اليهودية الأندلسية اندمجت اندماجًا تامًّا وأسهمت في بناء المئذنة.

وتحت إحدى النوافذ يتوسّط قرصُ ساعة، وهي خصوصية نادرة في مآذن تلك الحقبة. فالعقارب تدور في الاتّجاه المعاكس والأرقام تتّجه نحو المركز.

إشعاع ثقافيّ ونهضة

مدينة المالوف

تحتضن تستور منذ سنة 1967 المهرجان الدوليّ للمالوف والموسيقى العربية التقليدية. وقد عرفت المدينة حياة دينية حافلة مع علماء أجلّاء مثل علي القندي (المتوفّى سنة 1708) وإبراهيم الرياحي (المتوفّى سنة 1850).

ويثري تراثَها نسخُ المخطوطات وانتشارُ الطرق الصوفية كالطريقة العيساوية. وهذه الطريقة تجمع في الزوايا بين المالوف والناعورة.

تجدّد معاصر

مدينة المالوف، وجبن الريكوتا، وأشجار الرمّان، والمشمش، والزيتون، تستعيد تستور شيئًا فشيئًا مكانتها القديمة. وتتعزّز وجهتها الفلاحية منذ سنة 1982 بفضل سدّ سيدي سالم.

واليوم، يتيح سباق طوله 16 كيلومترًا على وقع الموسيقى يحمل اسم «Jogg'art» إعادةَ اكتشاف المدينة في حلّة جديدة. وتكشف هذه المبادرة تمامًا عمّا تحتاج إليه هذه الحاضرة التاريخية: أن يُعاد اكتشافها، وأن تُردّ إليها مكانتها التي تستحقّها.

مستقبل يُبنى

تستحقّ تستور أن تُبنى فيها متاحف ودور سينما ومسارح وطرق وبنى تحتية حديثة. وعلى الشباب أن يؤدّوا فيها دورًا مهمًّا. فمن واجب كلّ تونسيّ أن يصون ويُثمّن هذا التراث الاستثنائيّ.

تنتظر هذه اللؤلؤة الأندلسية في الشمال التونسيّ نهضتها. فلديها كلّ المقوّمات لتصير وجهة سياحية كبرى، تجمع بين تاريخ ألفيّ وحداثة.

تستور في معالم: تواريخ مفتاحية

التاريخالحدث
1492سقوط غرناطة: بداية النزوح الأندلسيّ نحو شمال إفريقيا، الذي يشتدّ بعد هذا التاريخ.
نحو 1580وصول المورسكيين إلى تونس؛ وتصير تستور واحدة من أكبر حواضرهم.
نحو 1609تأسيس تستور، المبنيّة على أنقاض قرية تاشيلة الرومانية.
1610الطرد الكامل للمورسكيين الأندلسيين من شبه الجزيرة الإيبيرية.
1630محمد تارغارينو يشيّد الجامع الكبير بتستور.
1708وفاة علي القندي، عالم المدينة الدينيّ.
1761مزولة رخامية موقّعة باسم أحمد الحرّار، مركّبة في الصحن الكبير للجامع.
1850وفاة إبراهيم الرياحي، عالم دينيّ آخر من تستور.
1893رينيه كانيا وهنري سالادان ينشران «Le voyage en Tunisie» ويصفان فيه مئذنة الجامع.
1967انطلاق المهرجان الدوليّ للمالوف والموسيقى العربية التقليدية.
1982تعزُّز الوجهة الفلاحية لتستور بفضل سدّ سيدي سالم.

أسئلة شائعة

أين تقع تستور؟
تقع تستور على بُعد 77 كيلومترًا جنوب غرب تونس، على ضفاف وادي مجردة، في ولاية باجة.
متى أُسّست تستور ومن أسّسها؟
بُنيت تستور نحو سنة 1609 على يد المورسكيين — ومنهم التغارنة القادمون من قشتالة وأراغون — المطرودين من إسبانيا بعد الاسترداد.
من بنى الجامع الكبير بتستور ومتى؟
شيّد محمد تارغارينو الجامع الكبير بتستور سنة 1630. ويضمّ صحنين وقاعة صلاة تنتظم في سبعة أساكيب وتسع بلاطات.
لماذا تتميّز مئذنة الجامع الكبير؟
تتألّف من برجين متراكبين مزيّنين بنجوم داوود، وساعتها فريدة: فالعقارب تدور في الاتّجاه المعاكس والأرقام تتّجه نحو المركز.
أيّ مهرجان ثقافيّ تحتضنه تستور؟
منذ سنة 1967، تحتضن تستور المهرجان الدوليّ للمالوف والموسيقى العربية التقليدية.
رحلات

الخطّ: حين تصير الكلمات جميلة

الخطّ، واسمه في اليونانية من «كالوس» أي الجميل و«غرافين» أي الكتابة، هو «فنّ إحسان تصوير حروف الكتابة».

8 أبريل 2026

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب