لوحة الذوق

المطبخ التونسي: رحلة ذوق بنكهات متعدّدة

المطبخ التونسي يأسر القلوب! فمن قال تونس قال حتمًا البحر الأبيض المتوسط والياسمين، والبحر الهادئ وحقول القمح الذهبية… وكلّ هذه السمات المميّزة لأرض حنبعل تجدها بطبيعة الحال في أطباق التونسيين، الذين يملكون واحدًا من أغنى الموروثات الغذائية وأكثرها تنوّعًا في العالم.

من أين يستمدّ المطبخ التونسي غناه؟

الأمر بسيط: ما من ذوّاقة، من البلد أو من غيره، إلّا ويفلت منه «هممممم، ما ألذّ هذا!» منذ اللقمة الأولى من طبق كفتاجي أو لبلابي أو شكشوكة… قبل أن يغمس شوكته من جديد على الفور. فعشرات الأطباق المدوّنة هي بمثابة مهرجانات من الحواسّ والألوان، تأثّرت بمختلف الحضارات التي استقرّت على هذه الأرض على مرّ الألفيات — وقد تركت كلّها بصمتها في مطبخ البلاد.

سواء تعلّق الأمر بالحضارة القفصية أو الأمازيغية أو البونية أو الرومانية أو الوندالية أو البيزنطية أو العربية أو الأندلسية أو التركية أو الأوروبية، فقد جاءت كلّ واحدة منها بمكوّن أو بتقنية أو بمعرفة سرعان ما أدمجها معظم التونسيين في مطبخهم. فوُلد من ذلك تمازجٌ حقيقيّ بين هذه الحضارات، تجلّى على المستوى الجيني والثقافي والغذائي على السواء. ومن ثمّ كان المطبخ التونسي شرقيًّا وإفريقيًّا وأوروبيًّا في آن واحد، متباينًا من جهة إلى أخرى. على أنّه يظلّ غنيًّا بالخضر والتوابل والأعشاب العطرية، وكذلك بالحبوب وزيت الزيتون، ويتميّز بخصائصه الغذائية.

لماذا يحتلّ زيت الزيتون مكانة مركزية؟

ومع أنّ كثيرًا من التونسيين المتقدّمين في السنّ عبروا فترات من التوتّر الشديد، فإنّهم يثيرون الدهشة بيقظة أذهانهم وبصحّتهم الجيّدة وبابتسامتهم في كلّ الظروف — ومنهم من يشغل اليوم مناصب عليا. فقد أجاب أحدهم، حين سُئل عن سرّ لياقته: «صغيرًا، في مزرعة العائلة، كنت في كلّ مناسبة أغمس قطعة خبز كبيرة في دلو مملوء بزيت الزيتون وألتهمها دفعة واحدة. هذا هو مفتاح العافية.» وزيت الزيتون، المعروف بفوائده الصحّية، مكوّن بارز، بل مركزي، في المائدة التونسية.

تعود زراعة الزيتون في التربة التونسية إلى القرن الثامن قبل الميلاد. فبفضل هذه الشجرة، التي يمكن أن تعمّر طويلًا جدًّا (يُقال إنّ أقدم زيتونة في البلاد، بالشراف في الشمال، يبلغ عمرها 2500 سنة)، تمكّن جنوب البلاد من النموّ. وكان الفينيقيون والإغريق والرومان يستعملون هذه الثمرة الثمينة منذ ذلك العهد، وكان زيتها يدخل في تحضيرات غذائية أو تجميلية أو طبّية. ومنذئذ أكّد «ذهبها الأخضر» هذه السمعة. ففي موسم 2025-2026، توشك تونس أن تصبح ثاني منتج عالمي لزيت الزيتون، مباشرة خلف إسبانيا وأمام اليونان وإيطاليا، بمحصول يُقدَّر بين 380 000 و400 000 طنّ.

والجوائز الدولية تواكب هذه الدينامية. ففي 2017، كان زيتان تونسيان، «Olivko» و«Triomphe de Tuccabor»، قد أحرزا ميداليات ذهبية في نيويورك ولندن. ومنذ ذلك الحين تضاعفت الأوسمة: 211 ميدالية في 33 مسابقة دولية سنة 2023، و26 ميدالية — منها العدد نفسه ذهبًا — في المسابقة الدولية والأوروبية لزيت الزيتون البكر الممتاز بجنيف سنة 2024، ثمّ 46 ميدالية ذهبية في مسابقة الأهرام الدولية بالقاهرة سنة 2025. ولمواصلة زيارة التراث الغذائي التونسي، يعود استكشافنا للمائدة التونسية الصيفية وطرق توارثها إلى هذه الحركات الموروثة عن الجدّات.

الكفتاجي والمدفونة: من أين تأتي الأطباق الرمزية؟

لنأخذ حالة الكفتاجي، الطبق الشعبي بامتياز. يظنّه كثيرون تونسيًّا. غير أنّ الأمر ليس كذلك: يُرجَّح أنّه في الأصل طبقٌ تركيّ. ويُقال إنّ كلمة كفتاجي تأتي من التركية «Kofteci»، أي بائع الكفتة («kofta» بالتركية)، أو بصورة أعمّ من يقلي. فقد وصل الطبق إلى تونس عبر العائلات البايية، التي كانت تحضّره حينها دون بطاطا — وكان أشبه بما نسمّيه اليوم «التستيرة».

ثمّ صار الكفتاجي في ما بعد اختصاصًا قيروانيًا. وبعد أن أُعيدت صياغته مرّات عدّة، بات يُحضَّر اليوم بطرق متعدّدة: أحيانًا بالفلفل والبيض فحسب، وأحيانًا بالقرع أو اليقطين أو البطاطا. وثمّة أطباق أخرى تركية الأصل كذلك، مثل اللبلابي والشربة والبقلاوة والحلوى الشامية. أمّا المدفونة فطبق تونسي يهودي الأصل كان يُسمّى قديمًا «التفينة»، وهي تسمية تدلّ على طبق يُطهى طويلًا على نار هادئة في إناء مغلق، وقد تشمل وصفات مختلفة مثل البكيلة وهريسة القمح ومرقة الفاصولياء الحمراء «الدفينة» أو النيكيتوش بالبيض. ويُرجَّح أنّ يهود إيطاليا الذين مرّوا بتونس خلال القرن الماضي هم من نقلوا الوصفة إلى يهود تونس. وما زالت هذه التبادلات متواصلة اليوم، على غرار صعود الكيمتشي الكوري في الأطباق التونسية.

الحبوب والأسماك، ركيزتا المائدة التونسية

يفسح المطبخ التونسي مكانة واسعة للحبوب، المطهوّة بشتّى الطرق: «كسكسي البرزقان» بالكاف، و«الفتات» بباجة، و«كعك الورقة» بزغوان، و«كسكسي مايو» بالحمامات، و«الكسكسي الحلو بالقديد» بنابل، أو أيضًا «البازين» بصفاقس. ومنذ زمن بعيد كان إنتاج الحبوب موجّهًا إلى كلّ الفئات الاجتماعية، في حين ظلّ إنتاج الغلال والخضر حكرًا على فئة أيسر حالًا. غير أنّ الجميع كانوا يحبّون الخبز البربري، وهو مكوّن حيوي للمائدة التونسية: مختمِرًا أو في شكل قرص من الشعير والقمح والحبوب، كان يحظى بتقدير كبير.

منذ العصور القديمة، كانت الأسماك، إن لم تُطبخ في الماء أو في مرق، تُطهى عمومًا في صلصة أو تُقلى في زيت الزيتون. أمّا الحفظ فكان يجري بالتجفيف أو بالنقع في الخلّ والملح، بل بالغاروم، وهو تابل كان يُستعمل في روما وفي اليونان القديمة: لحم أو أمعاء سمك تُخمَّر طويلًا في كمّية كبيرة من الملح تفاديًا لأيّ تعفّن. وتجد هذه التقنيات الموروثة صداها في طرق حفظ الأغذية التي ما زالت مستعملة اليوم.

الهريسة والشاي والقهوة: ثوابت الحياة اليومية

الهريسة أكثر التوابل استعمالًا في المطبخ التونسي. فالتونسيون يضعونها في معظم المقبّلات ويتبّلون بها أطباقًا مطبوخة كثيرة. ومذاقها الحارّ يعطّر الأطعمة على نحو مستساغ، وقد ثبت علميًا أنّ الهريسة، شأنها شأن كلّ صلصة أساسها الفلفل الحارّ، مفيدة للصحّة — وهو ما قد يفسّر جزئيًا طول أعمار سكّان حوض البحر الأبيض المتوسط.

الشاي جزء لا يتجزّأ من الثقافة التونسية: يُشرب في أيّ مكان وفي أيّ وقت. وهو منشّط، يُعطَّر بالنعناع ويُرافَق بحبّ الصنوبر السوري أو باللوز المحمّص، وأحيانًا بالفول السوداني — ونجد وراء هذا الشغف فوائد النعناع. ويشرب التونسيون أيضًا شايًا أسود معطَّرًا بأوراق الجيرانيوم. أمّا القهوة التقليدية فهي القهوة التركية، وكثيرًا ما تُعطَّر ببضع قطرات من ماء الزهر. دون أن ننسى العصائر الكثيرة (البرتقال والفراولة…) والليمونادة التي تلقى إقبالًا كبيرًا في الصيف، بين المثلّجات الإيطالية والمثلّجات على الطريقة التركية.

الكحول في تونس: البوخة والثيبارين

يعود تاريخ الكحول في تونس إلى غابر الأزمان: فقد عرف استهلاكه ازدهارًا معيّنًا في قرطاج البونية، حين نظّر رجال مثل ماغون لتخمير الشعير. أمّا البوخة، المحبّبة كثيرًا لدى هواتها، فهي عرق تين يُقطَّر منذ أواخر القرن التاسع عشر بمبادرة من يهودي تونسي، أبراهام بوكوبسا، في ورشاته الحرفية بالسكرة. واسمها يعني «بخار الكحول» في اللهجة اليهودية البربرية؛ ويُحصل عليها بتقطير طبيعي للتين، الآتي أساسًا من تونس ومن تركيا.

والبوخة، وهي كوشير، يمكن أن تكون أساسًا لكوكتيلات كثيرة، أو أن تعطّر سلطات الغلال، أو أن تُشرب هاضمًا بعد الطعام أو فاتحًا للشهية قبله؛ وقد استُهلكت أيضًا في ليبيا. دون أن ننسى الثيبارين، المحضَّرة من الكحول والسكّر والنباتات العطرية، والتي كثيرًا ما تُقدَّم على أنّها ليكور تمر دون أن يظهر ذلك على البطاقة. وهذا المشروب الهاضم يُنتجه في الأصل الآباء البيض بثيبار، في تونس.

مطبخ تحت الضغط: وطأة غلاء المعيشة

منذ سنوات عدّة، يعاني المطبخ التونسي من غلاء المعيشة: فقد صار اللحم والسمك ترفًا لدى أُسر كثيرة تلجأ إلى الدجاج — الذي طالته بدوره الزيادة في الأسعار. ولم ينفرج هذا الضغط: فحسب المعهد الوطني للإحصاء (INS)، كانت نسبة التضخّم الغذائي ما تزال تبلغ 8,2 % على مدى سنة في ماي 2026، مدفوعةً بلحم الضأن (+21,8 %) والدواجن (+15,6 %) ولحم البقر (+14,1 %) والسمك الطازج (+11,9 %). أمّا الباييا، ذلك الطبق الإسباني الشهير من الأرزّ باللحم وثمار البحر، والفلّاحيّ بامتياز في أصله، فقد صارت طبقًا برجوازيًا حكرًا على الأُسر الأيسر حالًا. وخلاصة القول إنّ المطبخ التونسي يظلّ على صورة الشعب التونسي: فسيفساء حقيقية من الأذواق والحساسيات والألوان، تصمد رغم الضغوط الاقتصادية.

أسئلة شائعة

ما هي الأطباق الرمزية في المطبخ التونسي؟
يُعدّ الكفتاجي واللبلابي والشكشوكة والكسكسي والمدفونة من أكثر الأطباق تقديرًا، ويعكس كلّ منها التأثيرات البربرية أو التركية أو الأندلسية أو اليهودية التونسية التي صاغت هذا المطبخ على مرّ القرون.
لماذا يحتلّ زيت الزيتون مكانة بهذه المركزية؟
زيت الزيتون التونسي، المستعمل منذ القرن الثامن قبل الميلاد، معروف بفوائده الصحّية وبجودته: ففي موسم 2025-2026، توشك تونس أن تصبح ثاني منتج عالمي، مباشرة خلف إسبانيا.
من أين يأتي الكفتاجي؟
خلافًا لفكرة شائعة، ليس الكفتاجي تونسيًا في أصله: فاسمه يأتي من التركية «Kofteci»، وقد وصل الطبق إلى تونس عبر العائلات البايية قبل أن يصير اختصاصًا قيروانيًا.
ما المشروبات الكحولية التونسية بامتياز؟
البوخة، عرق التين المقطَّر منذ أواخر القرن التاسع عشر، والثيبارين، المشروب الهاضم القائم على التمر الذي ينتجه الآباء البيض بثيبار، هما المشروبان الروحيان الرمزيان في البلاد.
هل يؤثّر غلاء المعيشة في المطبخ التونسي؟
نعم: صار اللحم والسمك والدواجن أصعب منالًا لدى أُسر كثيرة، وهو ضغط يؤكّده التضخّم الغذائي الذي ظلّ مرتفعًا في 2026 (+21,8 % للحم الضأن، و+11,9 % للسمك الطازج على مدى سنة، حسب INS).

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب