لوحة الذوق

المطبخ التونسي الصيفي: المائدة ونقل عاداتها

في سنة 1967 صدر بتونس العاصمة كتاب لم يكن موجَّهًا للطباخات الماهرات. المطبخ التونسي لأمّ الصنافة، بتوقيع محمد الكوكي، كان يخاطب أساسًا العرائس الجدد، اللواتي يدخلن بيتًا ويتعيّن عليهنّ، بين عشية وضحاها، معرفة كيفية إطعام أسرة.

يُعتبر هذا الكتاب اليوم إنجيل المطبخ التونسي. وجمهوره الأول يقول كل شيء: فنقل المعرفة الطهوية كان لزمن طويل شأنًا نسائيًا، وشأن ضرورة ملحّة. كانت المرأة تتعلّم لأنها مضطرّة، من اللواتي يعرفن مسبقًا.

بعد ستين سنة، تبقى الحركة نفسها لكن القناة تغيّرت. أصبحت حفيدات هؤلاء العرائس يبحثن اليوم عن وصفة المشوية أو العجّة على شاشة، بين فيديو وآخر، على تيك توك أو إنستغرام. هذا التحوّل ليس بريئًا. إنه يطرح سؤالًا حول ما نحتفظ به وما نفقده حين تغادر معرفة ما مطبخ جدّة لتستقرّ في الشاشة العمودية لهاتف.

مطبخ وُلد من الحرارة

يفرض الصيف التونسي إكراهاته قبل أن يوحي بمتعه. فالطبخ يكون باكرًا، ولوقت قصير على النار، مع تفضيل ما يُؤكل فاترًا أو باردًا. وتلخّص سلطة المشوية هذا المنطق. تُشوى الطماطم والفلفل والفليفلة الحارة والبصل ثم تُفرم، وتُتبَّل بالثوم والكزبرة والكمّون والزيت. لا شيء معقّد، لكنه عمل حقيقي: يجب الشيّ والتقشير والدق. والطبق نموذجي في الوطن القبلي، تلك الشبه جزيرة في الشمال الشرقي، وكثيرًا ما يُربَط أصله بالإرث العربي الأندلسي، بأولئك اللاجئين من غرناطة الذين وصلوا بعد سنة 1492 وتركوا بصمة دائمة في مطبخ المنطقة. تناول مشوية على شرفة يعني، دون أن ندرك ذلك دائمًا، مواصلة حكاية هجرة عمرها خمسة قرون.

إلى جانبها، تحتل البريك بالبيض مكانة خاصة. ورقة ملسوقة، رقيقة وهشّة، تُطوى مثلثًا حول بيضة، وأحيانًا تونة وكبر وبقدونس، ثم تُقلى بسرعة. والتحدي معروف لدى الجميع: إخراج البريك دون كسر الصفار. إنه طبق مهارة بقدر ما هو طبق مذاق، ينجح أو يفشل بحركة اليد، ويصعب نقله بالقراءة وحدها. أما العجّة، فتقوم على نفس الأساس المتوسطي، طماطم وفلفل وفليفلة حارة وثوم، مع بيض مسلوق مباشرة في الصلصة. طبق العشاء، وطبق نهاية الأسبوع، اقتصادي وسريع التحضير.

تشترك هذه الوصفات في نقطة نادرًا ما تُصاغ: فهي تفترض وجود شخص خلف الموقد. فبينما تمتلئ الشرفة، ويستقر الضيوف، ويذهب الأطفال ويجيئون، هناك من يشوي الخضر ويراقب القلي. وغالبًا ما تكون امرأة. وهذا صحيح أيضًا في موائد الساحل المشتركة، تلك التي يحكي عنها فن العيش التونسي بين البحر والتقاليد في المرسى، حيث يستند الكرم الظاهر إلى ساعات من التحضير.

العمل خلف المائدة

صورة مائدة الصيف، الكريمة والمشتركة، تخفي واقعًا أقل خفّة. فالصيف لا يخفّف العبء المنزلي، بل يثقّله. تمتلئ البيوت، وتتضاعف الوجبات، وتتوالى الزيارات. واستقبال الضيوف يفترض الشراء والتحضير والتقديم والترتيب، عدة مرات في اليوم، طوال أسابيع. وهذا العمل غير مرئي إلى حد بعيد لأنه متوقَّع. فالطبق يُلاحَظ؛ أما الساعات التي استغرقها إعداده فتُلاحَظ أقل.

هذا البعد ليس قراءة نضالية مُسقطة على المطبخ. إنه محفور في تاريخ كتاب الكوكي نفسه، الذي كُتب لتهيئة النساء لهذه المسؤولية. وما تغيّر ليس توزيع المهام بقدر ما هو الوعي بها. فالكثير من التونسيات ما زلن يتحملن جلّ العمل الطهوي الصيفي، حتى عندما يكنّ يعملن أيضًا. ومائدة النقل هي أيضًا مائدة الكدح، ولا تقوم إحداهما دون الأخرى.

من الجدة إلى الشاشة: ما الذي تغيّره الرقمنة

وهنا يدخل الرقمي على الخط، بوعوده وحدوده. فجزء من الشابات لم يعد لديهنّ، أو لم يعد كافيًا، الوصول إلى المعرفة الشفوية لجداتهن: البعد الجغرافي، الحياة الحضرية، رحيل الجدات، انقطاع النقل. ويسدّ الفيديو هذا الفراغ. فيه نجد مهارة اليد في صنع البريك، وجرعة الهريسة، واللحظة المناسبة لإضافة البيض إلى العجّة. والمكسب حقيقي. فالحركة التي تُرى تُتعلَّم أفضل من حركة توصَف. ويعيد العرض المصوَّر ما كان النص المكتوب، مهما كان دقيقًا، يعجز عن نقله. وبهذا المعنى، فإن الشاشة تُطيل التقليد الشفوي والبصري للمطبخ أكثر مما تخونه.

لكن شيئًا ما يتزحزح. فوصفة الجدة كانت متموضعة: أسرة، منطقة، يد، واختلافات معتمدة بوضوح. أما الوصفة على الإنترنت فتميل نحو نسخة وسطى، مُعايَرة لإرضاء أكبر عدد، ومنفصلة أحيانًا عن أرضها. يختفي الكمّون من مشوية، وتُوحَّد خطوة، وتذوب خاصية الوطن القبلي في «وصفة تونسية» عامة. نتعلّم الطبق، ونفقد أحيانًا أصله. وهي نفس الحركة التي تجعل المطابخ تسافر في الاتجاه المعاكس، حين يستقر الكيمتشي الكوري في الأطباق التونسية: فالطبق ينتقل بسرعة، وأصله ينتقل ببطء أكبر.

النقل الرقمي يحافظ على المهارة؛ لكنه يُضعف المعرفة بأصلها.

وثمة أيضًا مسألة السلطة. فبجانب امرأة أكبر سنًا، كنّا نصحّح، ونتذوّق، ونعيد المحاولة تحت نظرها. أما أمام الشاشة، فتختفي الرقابة: لا شيء يميّز الطباخة المتمكّنة عن تلك التي تكرّر فقط. المعرفة تنتشر على نطاق أوسع، لكن دون التحقق الذي كان جزءًا من التعلّم في السابق.

تراث أصبح رهانًا

لا يُختزل المطبخ التونسي الصيفي في نطاق الأسر وحدها. بل أصبح أيضًا موضوع اعتراف دولي. فقد سُجِّل الكسكسي في التراث الثقافي غير المادي لليونسكو سنة 2020، بعد ترشّح مشترك بين تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. وتبعتها الهريسة التونسية سنة 2022. وتقول هذه التسجيلات شيئًا بسيطًا: يمكن لطبق أن يكون ملكًا مشتركًا، تتقاسمه أمم كثيرًا ما تتخاصم فيما بينها. فالكسكسي يوحّد على الورق ما تفرّقه الجيوسياسة المغاربية يوميًا.

وهذه الذاكرة متعددة، ولا تقتصر على الأغلبية. فالبوخة، وهي عرق التين الذي تقطّره دار بوكوبسا منذ سنة 1880، تنتمي إلى تراث الجالية اليهودية التونسية. ويمكن استحضارها لا كمشروب، ليس له مكان يُذكر في يوميات قرّاء أغلبهم مسلمون، بل كأثر لتونس تعددية، حيث طبخت جماعات عديدة جنبًا إلى جنب. فمائدة تونس بُنيت من هذه الطبقات المتراكمة، الأندلسية واليهودية والعربية والأمازيغية، وإغفال ذلك يُفقر الحكاية — فمكان ذاكرة مثل مائدة يوغرطة يدين بوجوده لهذه الطبقات المتراكمة.

معالم تراثية

التاريخالمعلَم
1967الطبعة الأولى من كتاب «المطبخ التونسي لأمّ الصنافة» لمحمد الكوكي، كُتب للعرائس الجدد.
2020تسجيل الكسكسي لدى اليونسكو (ترشّح مشترك بين تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا).
2022تسجيل الهريسة التونسية لدى اليونسكو.

ما الذي تحتفظ به المائدة

يبقى أن نعرف ما تقوله هذه المائدة، في العمق، عن الذاكرة ونقلها. فهي تقول أولًا إن لا شيء ثابت. انتشر مطبخ الكوكي عبر الكتاب حين لم يعد الشفوي كافيًا؛ وهو ينتشر اليوم عبر الفيديو حين لم يعد الكتاب بدوره كافيًا. تتغيّر الوسيلة في كل جيل، وفي كل مرة نقلق من الفقدان. والفقدان حقيقي، لكنه ليس كليًا أبدًا: فالطبق يبقى صامدًا، مُفقَرًا أحيانًا، ومُثرًى أحيانًا بجمهور أوسع.

وتقول أيضًا إن للنقل ثمنًا، وإنه يثقل خصوصًا على النساء. فالاحتفاء بالمائدة العائلية دون تسمية العمل الذي يقيمها هو تكرار للصمت الأزلي. الجدة التي تصوّر مشويتها لحفيداتها تقوم بأمرين في آن واحد: تنقل معرفة، وتنجز، مرة أخرى، عملًا لا يحسبه أحد.

فما تبحث عنه الحفيدات على شاشاتهنّ ليس إذن وصفة فقط. إنه رابط تراخى وتحاولن إعادة ربطه بطريقة أخرى. لم يكن المطبخ التونسي الصيفي يومًا مجرد مسألة برودة أو مذاق. إنه، منذ كتاب 1967 إلى فيديوهات اليوم، طريقة لقول من نحن وممّن ورثنا. تغيّرت القناة، ويبقى السؤال ذاته.

أسئلة شائعة

ما هو الكتاب المرجعي للمطبخ التونسي؟
«المطبخ التونسي لأمّ الصنافة»، لمحمد الكوكي، الصادر بتونس سنة 1967. كان يخاطب أساسًا العرائس الجدد اللواتي يتعيّن عليهنّ إطعام أسرة بين عشية وضحاها، ويُعتبر اليوم إنجيل المطبخ التونسي.
ماذا تحتوي سلطة المشوية؟
طماطم وفلفل وفليفلة حارة وبصل، تُشوى ثم تُفرم، وتُتبَّل بالثوم والكزبرة والكمّون وزيت الزيتون. الطبق نموذجي في الوطن القبلي، شبه الجزيرة في الشمال الشرقي، وكثيرًا ما يُربَط أصله بالإرث العربي الأندلسي للاجئي غرناطة الذين وصلوا بعد سنة 1492.
لماذا يُطبَخ بهذه الطريقة في تونس صيفًا؟
لأن الحرارة تفرض إكراهاتها: نطبخ باكرًا، ولوقت قصير على النار، ونفضّل ما يُؤكل فاترًا أو باردًا. وتستجيب المشوية والبريك بالبيض والعجّة لهذا المنطق: أطباق سريعة واقتصادية ومتوسطية.
ما هي الأطباق التونسية المسجَّلة في تراث اليونسكو؟
سُجِّل الكسكسي في التراث الثقافي غير المادي لليونسكو سنة 2020، بعد ترشّح مشترك بين تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. وتبعتها الهريسة التونسية سنة 2022.
هل يُعدّ تعلّم وصفة عبر الفيديو خسارة؟
ليس فقط. فالفيديو يعيد إظهار مهارة اليد التي كان النص يعجز عن نقلها جيدًا، ويسدّ فراغ معرفة شفوية انقطعت أحيانًا. لكنه يميل نحو نسخة وسطى، منفصلة عن أرضها، ويلغي رقابة امرأة أكبر سنًا: فهو يحافظ على المهارة ويُضعف المعرفة بأصلها.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب