مَن ياسمين عزايز؟ ندعو إلى اكتشافها معنا! فالوجه مألوفٌ بلا شكّ، أما موهبتها فماذا يُقال فيها؟ العالم كلّه يتخاطفها في هذه اللحظة نفسها!
تجمع ياسمين عزايز، عازفة الكمان البارعة التي تكوّنت في مدرسة يهودي مينوهين للموسيقى (Yehudi Menuhin) ثمّ في معهد نيو إنغلاند للموسيقى (New England Conservatory of Music) ببوسطن، بين الموسيقى الكلاسيكية والارتجال الحرّ. وقد عادت لتستقرّ في تونس العاصمة، فتُدرّس في أكاديمية ياسمين عزايز، وتُكثر من الحفلات لصالح قضايا إنسانية وقضايا الحيوان.
مَن ياسمين عزايز؟
صورةُ ياسمين: حضورٌ نابض
لياسمين عزايز حضورٌ نابض. فهي تنقل، رغمًا عنها، شغفًا آتيًا من بُعدٍ آخر. وليس في كلّ يومٍ يُلتقى بأصحاب النبوغ. أما في بلدنا الحلو فأندرُ من ذلك أن يُصادَف نابغةٌ ذو تواضعٍ لا يفارقه. أنيقةٌ رهيفة، يلفّها حضورٌ يبلغ من بساطته حدّ السموّ. ومن رأى الاستقامة في نظرتها والصدق في ابتسامتها، لمح شيئًا ممّا هي عليه حقًّا. فكلّ إنسانٍ حاصلُ تجاربه وخلاصة انفعالاته، وكلٌّ منّا في صيرورةٍ دائمة — وهذا اليوم اكتشافٌ لمن تكون ياسمين عزايز.
كيف بدأ مسارها الموسيقيّ؟
مسارٌ أكاديميّ مثاليّ لموهبةٍ فريدة! فقد بدأ كلّ شيء في سنّ الرابعة، حين اشترت لها أمّها كمانًا صغيرًا جدًّا. وكانت الأسرة تسكن شقّةً صغيرة في لندن، لا متّسع فيها لآلةٍ أكبر. فكانت تذهب إلى المدرسة كسائر الأطفال، وتتلقّى دروس الموسيقى مرّتين في الأسبوع. وكانت معلّمتها هيلين برونر (Helen Brunner)، التي تعلّمها الكمان على طريقة سوزوكي، أوّل من تنبّه إلى ما فيها من طاقة. فحدّثت أمّ ياسمين، وشرحت لها أنّ في عازفة الكمان الناشئة ما يجعلها عازفةً كبيرة، إن دُفعت إلى العمل على موهبتها كلّ يوم. فوجد كلام المعلّمة أذنًا صاغية؛ إذ فعلت أمّ ياسمين كلّ شيء لتُنبت لابنتها جناحين تنشرهما يومًا. وكانت شديدة الصرامة مع طفلتها التي تقول لنا اليوم: «لن أوفي أمّي شكرها على صرامتها معي. كنت، كسائر الأطفال، أريد أن أعود من المدرسة فألهو. غير أنّ أمّي كانت تُلزمني بالتمرّن على الكمان. ولولاها ما صرتُ من أنا اليوم.»
مدرسة يهودي مينوهين للموسيقى: أولى الخطوات نحو الكِبَر
في سنّ الثامنة، اجتازت ياسمين عزايز اختبارًا للالتحاق بمدرسة يهودي مينوهين للموسيقى، حيث جاء 500 طفل يجرّبون حظّهم، فلم يُقبل منهم إلا 5، وياسمين بينهم. ولم تكن تدري بعد أنّها حقّقت للتوّ أوّل إنجازاتها. وهي مؤسّسةٌ متخصّصة في تعليم الموسيقى، تقع في سُرّي (Surrey) بإنجلترا — وفي كوبهام (Cobham) على وجه التحديد، لمن يهمّه الأمر — أسّسها عام 1963 واحدٌ من أكبر عازفي الكمان في القرن الماضي: يهودي مينوهين. وتتكفّل بـ60 تلميذًا تتراوح أعمارهم بين الثامنة والثامنة عشرة، يعزفون جميعًا على آلةٍ واحدة على الأقلّ بمستوًى عالٍ استثنائيًّا. فتُدرَّس فيها موادّ نظرية، غير أنّ التشديد ينصبّ قبل كلّ شيء على تنمية الملَكات في الموسيقى الكلاسيكية. وهي محطّةٌ حاسمة في مسار ياسمين. «كانت تجربةً لا تُصدَّق، تتذكّر بامتنان. عملنا مع أفضل الموسيقيّين، جاؤوا من العالم كلّه ليُدرّسونا: فلاديمير أشكينازي، وروستروبوفيتش… وأخذتُ دروس إتقان مع زاخار برون (Zakhar Bron)!». وكانت داخليّةً منقطعة عن العالم، يوقف فيها الطلبة وقتهم كلّه على العمل. فقد كانوا محاطين دائمًا بمرشديهم وأساتذتهم، حتى إنّ أحدهم إذا استعصى عليه شيء أو واجه صعوبةً ما، وجد دائمًا من كبار الطلبة من يشرح له أو يعلّمه أو يصحّح له… وفي هذه المدرسة يُعلَّم الأطفال إتقان فنّهم، لا هذا وحسب، بل أن يحسنوا النموّ أيضًا. فيُغرَس فيهم حسّ الصرامة، والتطلّب، والاستقلال، وحسن التنظيم، والانضباط اللازم لبلوغ كلّ مشروعٍ غاياته.
آفاقٌ جديدة في معهد نيو إنغلاند للموسيقى
وفي سنّ الثامنة عشرة، اجتازت ياسمين مناظرة الدخول إلى معهد نيو إنغلاند للموسيقى ببوسطن، وهو معهدٌ ذائع الصيت، فكان ذلك كشفًا لها. فهي التي لم تعرف غير الموسيقى الكلاسيكية، تكتشف أنّ في الوسع تلقّي دروسٍ في التأليف والارتجال. فينفتح أمامها طريقٌ جديد، تسلكه بلا تردّد. وتجد ياسمين نفسها في عنصرها، فتروي لنا: «كنت أرتجل دائمًا، وأؤلّف دائمًا. غير أنّي لم أكن أعلم أنّ ذلك يصلح مهنة. فأنا نفسي كان تصوّري للكمان كلاسيكيًّا جدًّا. وأكثر الناس يرونه آلةً متزمّتة، موجّهة إلى نخبة. وأردتُ أن أغيّر هذه الصورة وأجعلها أقرب إلى المعاصرة. وأردتُ كذلك أن أمزج مؤثّراتي الموسيقية: ما أحببتُه، وما استمعتُ إليه منذ الأزل، وما يشبهني أكثر. فتلقّيتُ دروسًا في الجاز وفي موسيقى العالم. وكنت أسأل نفسي: كيف أمزج كلّ ما تعلّمته في حياتي وأنقله موسيقى، وتآليف، وإعادة تركيبٍ لمقطوعاتٍ من التراث التونسيّ؟ فغيّرتُ مساري، وأكاد أقول إنّي غيّرتُ مهنتي. فقد كان بين الموسيقى الأوركسترالية والارتجال والتأليف بونٌ كبير.»
| المحطّة | معلمٌ من المسار |
|---|---|
| سنّ الرابعة | أوّل كمان تُهديه إيّاها أمّها؛ وبداياتٌ على طريقة سوزوكي مع هيلين برونر |
| سنّ الثامنة | قبولٌ في مدرسة يهودي مينوهين للموسيقى (كوبهام، سُرّي، إنجلترا)، من بين 500 مترشّح |
| سنّ الثامنة عشرة | قبولٌ في معهد نيو إنغلاند للموسيقى ببوسطن؛ واكتشاف التأليف والارتجال |
| العودة إلى تونس | تأسيس أكاديمية ياسمين عزايز؛ ودروسٌ يوم الأحد في الفضاء الثقافيّ «لو مونديال» |
كيف فتحت ياسمين عزايز الولايات المتّحدة؟
ياسمين عزايز تصعد إلى قمم المجد في الولايات المتّحدة! فقد واصلت دراستها في بوسطن، وأحيت حفلاتٍ كثيرة في نيويورك. وأتاحت لها إقامتها الأمريكية أن تنطلق وأن تُغني حواسّها. فبدّلت أسلوبها الموسيقيّ، وتلقّت دروسًا جديدة، وهي تواصل في الوقت نفسه دراستها في الموسيقى الكلاسيكية. وكانت ياسمين جائعةً إلى الموسيقى، وبين يديها كلّ ما يُشبع هذا الجوع. فقد أرادت أن تعرف كلّ شيء. وأرادت أن تتعلّم كلّ شيء وأن تصير موسيقيّةً مكتملة. حتى إنّ سعيها الدائم إلى التفوّق حمل الأستاذ وعازف القيثارة الشهير جو موريس (Joe Morris) على أن يقول عنها في مقال: «إنّها بارعةٌ كلاسيكية، وأعظم عازفة كمانٍ في الارتجال الحرّ سمعتها في حياتي.» وقبل عامين، عادت إلى تونس مدينتها الأصلية، لتواصل مسيرتها وتنقل فنّها. فأنشأت أكاديمية ياسمين عزايز، وأعطت دروس الكمان في الفضاء الثقافيّ «لو مونديال»، حيث تُدرّس كلّ أحد عازفي كمانٍ شبابًا لا تقلّ أعمارهم عن الرابعة عشرة.
«إنّها بارعةٌ كلاسيكية، وأعظم عازفة كمانٍ في الارتجال الحرّ سمعتها في حياتي.» جو موريس، أستاذ وعازف قيثارة
العودة إلى الأصالة: رسالة ياسمين التربوية
ياسمين عزايز أستاذةٌ عطوفٌ على تلاميذها. تُعلّمهم الموسيقيّة وحضور الخشبة، وتُعلّمهم أن يتحرّروا. فمن يتابع دروسها لا يفعل ذلك لتعلّم الكمان وحده؛ إذ يتقدّمون معها ويرتقون بتنمية ما فيهم من طاقة. وتُعلّمهم ياسمين طريقةً جديدة في التفكير، وطريقةً جديدة في الخلق، وفي التخلّص من الأعراف التي تحبسهم في قواعد تُفرض عليهم. وتقول لنا في تفاؤل: سيصير تلاميذي يومًا مساعديّ، فنقدر على إعطاء عددٍ أكبر من الدروس. فياسمين اليوم لا تُدرّس إلا أيّام الأحد. من التاسعة صباحًا إلى الثامنة مساءً. وتُعطي دروسًا فردية، مدّة كلٍّ منها 45 دقيقة. أما بقيّة أيّام الأسبوع، حين لا تكون مسافرة، فتكتب وتؤلّف. وعملها دقيق، وكتابتها غزيرة. تُقلّب التوزيعات في رأسها مرّةً بعد مرّة. فتلتحق الآلات بالخطّ الأساسيّ، وتأخذ موسيقاها شكلها وتُحلّق. وتتعاون مع عازف إيقاعٍ تونسيّ وعازف طبولٍ في الجاز. وهي، بوصفها مواطنة عالم حقّة، تحبّ التمازج. وأينما ذهبت، بقي اكتشاف الآخر ممكنًا. ومن ثمّ تُحيي حفلاتها في أوروبا وفي أمريكا الشمالية والجنوبية. فالعالم كلّه يهتزّ على أنغام نابغتنا الوطنية.
ما التزامات ياسمين عزايز الإنسانية؟
تتميّز ياسمين عزايز بالتزاماتها الإنسانية. فمنذ عودتها، تُكثر من الأعمال الإنسانية، وتنظّم حفلاتٍ لصالح قضايا نبيلة. وتقول لنا: «أنا مجرّد موسيقيّة تحاول أن تنقل موسيقى جيّدة إلى الناس، وأن تمنح الجمهور سعادة. أحاول أن أنقل كلّ واحدٍ إلى بُعدٍ يجمع الجميع فيه انفعالٌ واحد، عبر موسيقاي. فكيف أستطيع إذن أن أُعين على تحسين الأمور وعلى تغيير بعض الأوضاع؟ أحاول أن أستعمل ما أُحسنه، وأن أغيّر ما يبدو لي ظالمًا من الأوضاع.» وهكذا، لمّا علمت أنّ قريةً في عين دراهم لا تصل إليها مياه الشرب، نظّمت ياسمين حفلًا ذهبت مداخيله إلى إيصال الماء الصالح للشرب إليها. فحُفرت لوحةٌ تذكارية باسم الفنّانة وعملها. وهي لا تكتفي بالتبرّع، بل تتابع أيضًا سير المشاريع التي تشغلها. فعادت إلى المكان تتفقّد النتيجة، وأحيت حفلًا لأهل القرية. وتحاول ياسمين أن تُعلم بكلّ السبل أنّها تريد أن تساعد وأنّها تقدر على المساعدة. ويحبّها جمهورٌ يتابعها ويسندها.
ولمّا التفتت إليها جمعية «دارنا»، لبّت ياسمين النداء. فهذه الجمعية تُنشئ بيوتًا لأطفال الإعاقة الذين لا يجدون أسرًا تتبنّاهم. وياسمين اليوم راعيتها.
شغفٌ برفق الحيوان
لياسمين التزاماتٌ تجاه البشر، غير أنّها تُعنى كذلك بمصير الحيوانات السائبة. فتشارك في عملٍ تقوده بلدية المرسى، قوامه تعقيم الحيوانات السائبة بدل قتلها. وقد أثار العمل الحديث عنه، وثمّة كلامٌ عن توسيعه ليشمل التراب التونسيّ كلّه. «بدأ كلّ شيء عندي حين عدتُ إلى تونس. كنت أسمع في الليل صوت الرصاص. وفي الغد، حين أخرج إلى الشارع، كانت الجثث ترقد بلا حياة على مرأى من الجميع. فأيّ مستقبلٍ نَعِد به أطفالنا ونحن نُريهم أنّ من الطبيعيّ قتل الحيوانات وترك أجسادها تتعفّن في الشارع؟ فتوجّهتُ حينها إلى طبيبٍ بيطريّ، الدكتور وليد بن مصطفى، وقلتُ له إنّي مستعدّة لإحياء حفلاتٍ تُعين على شراء الأدوية اللازمة لتلقيح الحيوانات السائبة وتعقيمها. وهذا ما فعلناه. فنظّمتُ حفلًا جرى على أحسن ما يكون. وقُدّمت كذلك تبرّعاتٌ كثيرة.»
وتُتابَع أخبارها كلّها على موقعها، أو على صفحتها على فيسبوك.