أنوثة

هدى الشريف، امرأةٌ تونسية، امرأةٌ ذات قيمة

هدى الشريف، أنتِ امرأةٌ ذات مسارٍ مثاليّ، وأنتِ مع ذلك شديدة التحفّظ. مختصّةٌ في التواصل، ووسيطة، ومستشارة سابقة لدى رئيس مجلس نوّاب الشعب، وقد قبلتِ المشاركة في سلسلة حوارات تُجرى لمجلة السلطانة. فشكرًا جزيلًا.

1- هدى الشريف، حدّثينا أكثر عن نفسكِ.

هدى الشريف: أودّ بدايةً أن أوضّح أنّ كلّ ما سأعبّر عنه في هذا الحوار من مواقف أو آراء لا يمثّل إلا شخصي.

من أنا؟ أنا أمٌّ بكلّ ما في الكلمة من معنى. فكلّ الأدوار التي يشغلها المرء في حياته مؤقّتة، أما دور الأمّ فباقٍ إلى الأبد. ثم إنّني مواطنةٌ، أو أطمح إلى أن أكون مواطنةً، بكلّ ما في الكلمة من معنى. فأنا أحبّ احترام الآخر ومن حولي، وأُجلّه. وأنا معلّمةٌ بكلّ ما في الكلمة من معنى، وإن لم أعد أمارس التعليم. فأنا أومن إيمانًا عميقًا بأنّ التعليم ليس مهنة. إنّه حالٌ ذهنية لا تُترك بترك المهنة. وأنا وسيطةٌ بكلّ ما في الكلمة من معنى. وأومن بأنّ هذه التقنية الجديدة في فضّ النزاعات خلاصنا الوحيد، في عالمٍ انغلق على نفسه فنسي أهمّية الحوار والتواصل.

وأنا كذلك حالمةٌ عاشت سنواتٍ طويلة بعيدًا عن بلدها، متنقّلةً بين طوكيو ودبي ولندن والدار البيضاء، ثم قرّرت العودة. فوجدت نفسها يوم 14 جانفي 2011 أمام وزارة الداخلية تصرخ «ارحل» (dégage) بأشدّ حماسةٍ ويقينٍ عرفتهما في حياتي. وكنّا كأنّنا في حال وجد.

في ذلك اليوم ظننت أنّنا سنحوّل تونس إلى «سنغافورة إفريقيا».. وما زلت أعتقد أنّ ذلك كان ممكنًا. فقرّرت حينها الانخراط في السياسة، وخضت مغامرة حزب آفاق تونس الذي أنا من مؤسّسيه. وهو مشروعٌ سياسيّ جميل حقًّا، كنت أطمح من خلاله إلى تبديل صورة السياسيّ المريض المُحتال، إلى سياسيٍّ مفعمٍ بإرادة الخير لبلده. سياسيٌّ في خدمة الشعب، لا العكس.

وقد مررت مرورًا قصيرًا في الهيئات العليا لآفاق ثم للحزب الجمهوري، ذلك الحزب الكبير من الوسط الذي أردناه جامعًا لكلّ القوى السياسية التقدّمية في تونس آنذاك. فأتاح لي ذلك أن أعيش الالتزام السياسي، وأن أرى كم يصعب ممارسته، وأن أخلص إلى أنّ السياسة ليست لكلّ الناس. بل أتاح لي أيضًا أن ألاحظ أنّ السياسيين يُضطرّون أحيانًا إلى التخلّي عن مُثُلهم كي يبقوا داخل مؤسّساتهم.

عالمٌ كامل اخترت أن أغادره في مساء صيفٍ من سنة 2013. فاستقلت من رئاسة هيئة الحكماء ومن كلّ هيئات الحزب الجمهوري الذي كان يتفتّت للأسف. لأسبابٍ شتّى. وذلك في تونس التي كانت تعيش صدمة اغتيالٍ سياسيّ مزدوج: المرحوم بلعيد في فيفري، والمرحوم البراهمي في جويلية. وهكذا طُويت صفحةٌ أستطيع أن أكتب فيها كتابًا بأكمله.

يقول تشرشل في واحدةٍ من مقولاته الشهيرة:

أما أنا فقد غادرت السياسة لأناضل من أجل قناعاتي.

وفي رسالة استقالتي، أوضحت أنّني أغادر العمل الحزبي. لا العمل السياسي الذي يمسّ في الحقيقة كلّ جوانب الحياة. فنحن لا ننتبه إلى ذلك. غير أنّنا نمارس السياسة طوال النهار: بأفكارنا، وبنقاشاتنا، وبآرائنا، وبقراراتنا، وبإنجازاتنا...

قرّرت، بعد خروجي من الحزب، أن أعين النساء على استعادة مزيدٍ من الثقة بأنفسهنّ. وأن يطلبن أكثر من دور العابرة الصامتة في الأحزاب وفي غيرها من المؤسّسات التي لا تمنحهنّ المكانة التي يستحققنها.

وفي أصل هذه الفكرة ملاحظةٌ تكاد تصدق على كلّ الأحزاب السياسية. وعلى كلّ النقابات ومجالس الإدارة ومختلف أجهزة القرار عندنا. بل، على نحوٍ مدهش، في العالم المتقدّم أيضًا. فالنساء يملن إلى ترك المكان والكلام للرجال. وهو ما يصفه كتاب «تقدّمي» (Lean-in) للأمريكية شيريل ساندبرغ. ومن ثمَّ فالظاهرة كونية.

كان المطلوب أن نتحدّث معهنّ. وأن ندفع تقديرهنّ لذواتهنّ، وأن نجعلهنّ واعيات بتلك المعتقدات البسيطة المغروسة في أعماقهنّ منذ الولادة. فهذه القولبة الثقافية عسيرة الفكّ، لا عند الرجال وحدهم، بل للأسف عند بعض النساء أيضًا. ومحاطةً بنساءٍ مقتنعات ومقنِعات، ناضلت لتشجيع الكفاءات النسائية على كسر السقف الزجاجي، وعلى إخراج الكلام عن المرأة من المجالات التي تُنسب إليها تقليديًّا كالعائلة والطفولة. فالنساء في كلّ مكان، وينجحن في كلّ مكان أيضًا، فلماذا لا يُتحدَّث عن ذلك.

«كونكتينغ غروب» (Connecting Group)، الذي تأسّس في السنة نفسها، كان هدفه جمع نساءٍ من ملامح مختلفة ومن مجالات شتّى، لإيصالهنّ إلى امتلاك أدوات الحوكمة الرشيدة. وذلك بتعزيز قدراتهنّ وظهورهنّ، وبعمل مناصرةٍ يضمن تموقعهنّ في مناصب المسؤولية العليا. وقد عملنا كثيرًا. صحيحٌ أنّنا كنّا شديدات التحفّظ. غير أنّني أستطيع القول إنّنا بلغنا، بإمكاناتٍ قليلة، نتائج كبيرة. وأنا فخورةٌ بهذه التجربة التي علّمتني الكثير عن دور المجتمع المدني.

أما مروري بالبرلمان في ديوان الرئيس محمد الناصر فقد كان درسًا ممتازًا في السياسة. فمجالسةُ رجل دولةٍ كبير مثل محمد الناصر كلّ يوم، ورؤيتُه يمارس السياسة على الطريقة البورقيبية التي تجمع القوّة إلى الرفق، امتيازٌ حقيقيّ. وكان المجلس في ذاته درسًا كبيرًا لي. فقد وجدت في فضاءٍ ضيّق جدًّا تونس مصغّرة: بسياسيّيها على اختلاف إيديولوجياتهم، ومجتمعها المدني، وإدارتها، وإعلامها، وهيئاتها الدولية. كان كلّ شيء هناك في المكان نفسه.

المَعْلَمالمحطّة
14 جانفي 2011أمام وزارة الداخلية، تقرّر الانخراط في السياسة.
بعد 2011من مؤسّسي حزب آفاق تونس، ثم عضوٌ في الهيئات العليا للحزب الجمهوري.
صيف 2013استقالةٌ من رئاسة هيئة الحكماء ومن كلّ هيئات الحزب الجمهوري.
2013تأسيس «كونكتينغ غروب»، للحوكمة الرشيدة ولقيادة النساء.

2- هدى الشريف، ما الذي تودّين تغييره من حولكِ؟

هدى الشريف: لو كانت لي أمنيةٌ اليوم، لكانت إعادة بناء الثقة العامّة في السلطات السياسية وفي الإعلام. فعندي انطباعٌ أنّنا لم نُحسن الصنع، لا لنقصٍ في حسن النيّة، وإنما لنقصٍ في المرجعيات الديمقراطية في تاريخنا. فنحن لم نعش التجربة الديمقراطية من قبل. وإنما عشنا تجربة تأسيس مؤسّسات دولة. ونحن اليوم مسؤولون عن صون ما بُني، وعن بناء نموذجٍ ديمقراطيّ تتّبعه الأجيال القادمة وتحسّنه. أما ما يجري اليوم فمقلقٌ حقًّا على المستقبل، غير أنّه ليس خاصًّا بتونس. فالعالم كلّه يعيش أزمة حوكمة.

ومع كوفيد-19، أدركنا إلى أيّ حدٍّ تتقاسم الشعوب، على اختلافها، المخاوف نفسها والتحدّيات نفسها. فأدركنا في نهاية المطاف أنّنا نتقاسم فضاءً مشتركًا واسعًا، وأنّ العولمة جعلت بعضنا يعتمد على بعض رغم المسافات. كما أنّ الفوارق بين الشعوب بدأت تتلاشى من غير أن تحتاج هذه الشعوب إلى أن تخطو خطوةً خارج أبوابها. وفي الوقت نفسه، أدركنا كذلك أنّ القيادة تعيش أزمةً على المستوى العالمي. كما أنّنا أدركنا أنّ اختلالات المنظومات التربوية القائمة ليست خاصّةً بتونس.

وفي الواقع، لو ملكت وسائل تغيير شيءٍ من حولي، لبدأت بالتربية، التي هي في رأيي عصب كلّ الحروب: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فكلّ شيء ثمرة التربية التي نتلقّاها. بلا استثناء. كلّ الخير وكلّ الشرّ الذي نعيشه.

وإذا تأمّلنا أصل كلّ ما يصيبنا من مصائب، صغيرها وأقلّ صغرًا، تبيّن لنا أنّها ترجع إلى تدهورٍ مقلق في منظومتنا التربوية

إعادةُ التفكير في التربية ينبغي أن تكون من أشدّ أولويات سلطاتنا السياسية إلحاحًا اليوم.

وهو محقٌّ تمامًا. فالتربية تترك أثرها في المجتمعات في الاتّجاهين معًا.

أودّ حقًّا أن أرى تربيةً تضع التلميذ في قلب منظومةٍ تربوية مبتكرة، تغرس فيه احترام المعرفة وتحترم إيقاعه في التعلّم. وأودّ أن أرى تربيةً تحبّذ التعلّم بالفنّ والثقافة، وتلحّ على قيمة الحوار والتعاطف. تربيةً تستشرف مخاطر عصرٍ لم يعد يتحكّم في سيل المعلومات الذي يبدو أنّه يغزو مجتمعاتنا كتسونامي هائل، ويتلقّاه أطفالنا من غير أدنى حمايةٍ تُخرجهم منه بلا أضرار.

نحتاج إلى ثورةٍ في التربية. فكلّ شيء يحتاج إلى إعادة صنع. ففي القرن الحادي والعشرين، لا يمكن ببساطة أن نفكّر كما كان يفكّر آباؤنا أو أجدادنا في مطلع القرن العشرين. ولا يمكن الإبقاء على قالبٍ وعلى برامج بعيدةٍ كلّ البعد عن متطلّبات مجتمعاتنا اليوم وخصوصياتها.

يملّ التلاميذ، ويتمرّدون، ويتركون المدرسة بالآلاف كلّ سنة. وليس ذلك بسبب أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وحدها، وإنما كذلك — وقبل كلّ شيء — لأنّ المدرسة صارت مكانًا كئيبًا، يُلقَّن فيه ولا يُربَّى، وتُسلَّم فيه المعارف من غير أن يُغذّى في الطفل حبُّ المعرفة.

والأمر الثاني الذي أودّ إرساءه لو ملكت وسائل ذلك هو التطبيق الصارم للقانون. فالقانون، شأنه شأن التربية، أساسيٌّ لكلّ ازدهار؛ إذ يوفّر السلم والتماسك الاجتماعي. ولا يمكن العيش معًا من غير قواعد نحترمها لضمان حدٍّ أدنى من تنظيم حياتنا ولتحقيق عافية الجميع. فالقانون وحده يضمن عيشًا مشتركًا يحكمه احترام الآخر واحترام المحيط. والنموذج الإسكندنافي خير مثالٍ على ذلك. وليس من فراغٍ أنّهم من أكثر شعوب العالم فرحًا. فقد فهموا جيّدًا أنّ القوانين لم تُوضع للإضرار بالحقوق ولا لتقليص الحرّيات. وإنما هي هناك لفرض احترام تلك الحقوق والحرّيات، بل لصونها وتعزيزها.

3- هدى الشريف، لنتحدّث قليلًا عن المواضيع التي تُغضب: المساواة، والمناصفة، والإنصاف. ماذا تمثّل هذه الكلمات وهذه المواضيع في نظرِكِ؟

هدى الشريف: «لو كنت أعيش في عالمٍ تسوده النساء لدافعت عن حقوق الرجال...» منشورٌ وضعته أيام الحجر الصحّي، فكلّفني رسائل استياءٍ صغيرة كثيرة من بعض الصديقات. ومع ذلك، هذا حقًّا ما فكّرت فيه دائمًا وسأظلّ أفكّر فيه.

في تلك اللحظة، كنت شديدة السخط على التمييز الذي ورد في المرسوم 209 الشهير. فقمت بحملتي الصغيرة ضدّ هذا المرسوم؛ وأعترف أنّني لم أنم ليلتها من هول ما صدمني وزلزلني فيه. وأوضحت في الوقت نفسه أنّني أبعد ما أكون عن النسوية المتشدّدة، وأنّني إن اخترت الدفاع عن القضية النسوية فلأنّنا نعيش في عالمٍ تسوده هيمنة الرجال، هيمنةٌ لا يمليها الرجل بل يمليها للأسف مجتمعٌ بأكمله.

مجتمعٌ مقولَبٌ منذ فجر التاريخ على أن يجعل من المرأة كائنًا وُلد لمهمّةٍ مرسومة سلفًا. مهمّةٌ لم تخترها هي يومًا. في عالمٍ غريب، رهينةِ انقسامٍ أبديّ بين رجلٍ وامرأة. انقسامٍ يبدو أنّه يخفّ في الظاهر في البلدان التي تُسمّى متقدّمة. غير أنّه يبقى في الحقيقة راسخًا في الفكر الجمعي، وإن تبدّلت حدّته وأشكاله من ثقافةٍ إلى أخرى..

موضوعٌ ذو صلة: واجبُ أن تكون المرأة نسوية

كان التمييز الذي كاد هذا المرسوم يرسيه، في نظري، ظالمًا بل شاذًّا، لأسبابٍ عدّة. فهو أوّلًا غير دستوريّ، ويضع مبدأ تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء كلَّه موضع تساؤل. وهو من جهةٍ أخرى يغذّي الصور النمطية والأفكار المسبقة التي نحاربها منذ زمنٍ طويل. فالمساواة بين النساء والرجال تفترض أن يُعامَلوا معاملةً متساوية. من غير أيّ تفريقٍ على أساس النوع. وذلك هو جوهر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وعندي أنّها مسألة اتّساق. فإذا أردنا ألّا يكون هناك تمييزٌ عند الانتداب، ولا تفريقٌ في الأجر ولا في التدرّج المهنيّ، وأن تُحترم المناصفة حقًّا في مجالس الإدارة وفي أعلى الوظائف، فلا بدّ من مساواةٍ تُطبَّق في كلّ المستويات. حتى في حضانة الأطفال. والعقليات يجب أن تتغيّر في هذا الباب قطعًا. فنحن جميعًا، نساءً ورجالًا، بشرٌ قادرون على حبٍّ كبير لذرّيتنا. فلنكفّ إذن عن هذه المعتقدات المفروضة من الخارج.

وجملة القول، كما قلت آنفًا، إنّ كلّ شيء يمرّ بالتربية. ولهذا السبب ينبغي أن تُعدّ وزارة التربية وزارةً سيادية. فهناك يتقرّر مستقبل أمّةٍ بأكمله.

ولا بدّ أن أعترف بأنّنا نمرّ بفترةٍ تتهدّد فيها الحقوق، ومنها حقوق النساء. غير أنّ ذلك طبيعيّ تمامًا وسط كلّ هذا الاضطراب السياسي. وعلينا ببساطة أن نتحلّى بكثيرٍ من اليقظة. وحقوق النساء تشمل كلّ الترسانة التشريعية المتّصلة بحقوقهنّ المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والمهنية. ويدخل فيها أيضًا حقّهنّ في التصرّف في أجسادهنّ.

فحين نتكلّم عن حقوق النساء، نجد أنفسنا أمام ترسانةٍ كاملة يصعب تفكيكها بين ليلةٍ وضحاها. أما ما ينبغي النظر فيه حقًّا فهو إعمال هذه الحقوق. ففي مناصب القرار مثلًا، ما زلنا بعيدين جدًّا عن المساواة رغم كلّ الجهود. فبحسب تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تشغل النساء 35.8 % من مجموع الخطط الوظيفية في الوظيفة العمومية بتونس (كاتب عامّ لوزارة/ مدير عامّ/ مدير/ كاهية مدير/ رئيس مصلحة) سنة 2016. غير أنّ حضور المرأة يتفاوت تفاوتًا واضحًا بحسب مستوى المسؤولية، ويتراجع كلّما ارتفع المنصب: 40,2 % في رؤساء المصالح، و16,1 % في خطط الكاتب العامّ. ومن ثمَّ فأمامنا عملٌ كثير.

4- حدّثينا عن الشخص الذي تُعجبين به أكثر من غيره، أو عن الحدث الذي أثّر فيكِ؟

هدى الشريف: أكثر من ترك أثرًا في حياتي كان أبي. فهو من علّمني معنى الاحترام، وأهمّية أن يعيش المرء كريمًا ومتواضعًا في آن. وهو رجل قانون، ربّاني أوّلًا على الاحترام الصارم للقانون. وكان يفرض عليّ احترام كلّ من أتعامل معه، من غير نظرٍ إلى رتبته ولا إلى مكانته الاجتماعية. فعنده أنّ كلّ شيء يجب أن يُصنع على أصوله. ولم يكن يحتمل أن يُنجَز الأمر إلى نصفه. أما أمّي، وجدّتي أكثر منها، فقد كانتا لي دائمًا نموذج المرأة الحديثة المنفتحة المثقّفة، البالغة اللطف والكرم.

غير أنّ المرأة التي تركت أعمق الأثر في الطفلة التي كنتها كانت سيّدة الإذاعة المرحومة علية بابو، المعروفة أكثر باسم سعيدة علية، وقد علّمتني كثيرًا. لمست روحي حتى تركت فيّ جزءًا منها.. عمّ راشد، ومنى، وجليلة، وعايدة. وذلك الاستوديو، الاستوديو 3 في ما كان يُسمّى آنذاك الإذاعة والتلفزة التونسية (ERTT)، و«جنّة الأطفال»، هما طفولتي كلّها.

طفولةٌ مليئة بالمعرفة، وبالفضول، وبالحكايات الجميلة، وبالموسيقى الجميلة، وبأغاني الصغار، وأيضًا بأسماءٍ كبيرة: فيروز، والشيخ إمام، ووديع الصافي، وصباح فخري، والرياحي، والجويني، والمالوف... كنت هناك وأنا في الثالثة، وبقيت إلى الرابعة عشرة. بقيت إلى النهاية.. النهاية الحزينة لـ‘جنّةٍ’ حقيقية.. فكنّا نحفظ كلّ شيء عن ظهر قلب ونغنّي على الطبقة الصحيحة. نعم. فمع أسماءٍ كبيرة مثل سي ونّاس كريّم، وسي محمود الثامري، وعلي الغربي، ما كان في وسعنا أن نغنّي نشازًا.. كنت أُعدّ "بريد الحصة"، وأخصّص وقتًا من أسبوعي لقراءة كلّ الرسائل التي تصلنا من مستمعينا الصغار.. وأردّ عليهم عبر الأثير، وأقدّم الإهداءات.. "نشيد الحصة".

سنواتٌ لا تُنسى... كنّا نسجّل بعد ظهر أيام الجمعة، وأحيانًا أيام السبت.. ما كنت أملّ ذلك أبدًا.. كنت أنتظر تلك الأيام بفارغ الصبر، ولم أكن أظنّ أنّ ذلك قد يتوقّف يومًا، أو ينتهي يومًا، أو يختفي. كان عندي إحساسٌ أنّه أبديّ.. غير أنّ شيئًا ليس أبديًّا.. الله يرحمهم وينعّمهم..

العب و امرح و اضحك و افرح

لا بدّ أنّ أبناء جيلي يتذكّرون هذه اللازمة.

5- هدى الشريف، جالستِ وجوهًا كبيرة في هذا البلد، فماذا تعلّمتِ منها؟

هدى الشريف: هذا صحيح. فقد جالست فعلًا وجوهًا كبيرة في هذا البلد، ولا سيّما من العالم السياسي، بحكم انخراطي في فترةٍ قصيرة أعدّها شديدة الثراء.

واليوم أستطيع أن أفهم أغلب المناورات السياسية التي أراها وأسمعها؛ إذ أتيحت لي فرصة معرفة أغلب الفاعلين.

ولا بدّ من معرفة أنّ السياسيّ إنسانٌ قبل كلّ شيء. بمنظومة قيمٍ كاملة توجّه خياراته ومصالحه.

وما أحتفظ به من مروري السياسي أنّنا أضعنا فرصًا جميلة كثيرة على هذا البلد. فالعداوات التي سبقت 2011 تبعتنا بعد 2011. وهي التي قادتنا إلى ما نعيشه اليوم.

أما الوجه الذي أكننت له إعجابًا كبيرًا وربطتني به صداقةٌ جميلة في تلك الفترة، فهو المرحومة الكبيرة مية الجريبي. ناضلت ضدّ النظام السابق، وواصلت النضال من أجل تونس جديدة بعد 14 جانفي.

مناضلةٌ استثنائية، وقائدةٌ استثنائية، وصديقةٌ استثنائية.. روحٌ جميلة قلّما عرفت مثلها! كنت أُعجب ببلاغتها، وبذكائها، وبقوّتها الخفيّة. فـشجاعتها وتفاؤلها كانا يتجاوزان كلّ الحدود، ويملآنني أملًا حين تسوء الأمور. ومن المؤسف أنّ الأفضل يرحلون سريعًا!

وإذا عدت إلى الأزمة السياسية التي تعيشها تونس اليوم، قلت إنّها متّصلة اتّصالًا جوهريًّا بأزمة قيم. عدمُ احترام أبجديات الممارسة الديمقراطية. وكذلك عدم احترام القوانين والإجراءات. فذلك يفتح الباب أمام انتهازيةٍ كبيرة، ويضعنا أمام مشهدٍ مذهل من المساومة السياسية. فوضى تاريخية قد تُفسح المجال للأكثر مقاومةً لا للأكثر كفاءة..

6- ماذا تحتفظين به من مساركِ؟ وماذا تودّين أن يُحتفظ به عنكِ؟

هدى الشريف: أحتفظ بالكثير. فقد اعتبرت دائمًا أنّ كلّ سنةٍ بعد 14 جانفي تعادل عشر سنوات من الخبرة. ولا أدري من أين أبدأ. وهنا أفضّل ألّا أتحدّث إلا عن الإيجابيّ، فقد تعلّمت كثيرًا من الأشخاص الذين التقيتهم. سواء في المشهد السياسي أو الإعلامي أو في المجتمع المدني. فقد رأيت شجاعةً كثيرة، ومثابرة، وتضامنًا، وحبًّا صادقًا لهذا البلد.

وما أريد أن يُحتفظ به عنّي أنّني بذلت أقصى ما عندي لخدمة بلدي. بكثيرٍ من الصدق والدقّة. دفاعًا عن تكافؤ الفرص. وما زلت أفعل ذلك بقدر ما أستطيع، كلّما سنحت الفرصة. فإن كنت قد تركت السياسة يومًا، فلأنّ لي قناعاتٍ تعارض بعض الناس، غير أنّني متمسّكةٌ بها وأردت أن أناضل من أجلها بعيدًا عن المؤسّسة السياسية، حتى أتحمّل مسؤولية خياراتي الفكرية. وما زلت من جهةٍ أخرى أتابع المسار الشجاع لكلّ أصدقائي وصديقاتي الذين اختاروا مسيرةً سياسية، وأحترم مثابرتهم وسط هذه الاضطرابات غير المسبوقة في تاريخ تونس.

7- هدى الشريف، ما شعارُكِ في الحياة؟ وأيّ نصيحةٍ تودّين إسداءها لمن حولكِ؟ وأيّ رسالةٍ تودّين إسماعها؟

هدى الشريف: شعاري في الحياة، كما يعرف أغلب المقرّبين منّي، كان منذ الأزل الاتّساق بين ما أفكّر فيه وما أقوله وما أفعله. وقد ترسّخ ذلك بوضوح مع تقدّم السنّ، شأن كلّ عيبٍ أو صفة، وأنا فخورةٌ به على وجه الخصوص رغم كلّ شيء.

ولو كانت لي نصيحةٌ أُسديها، وتصلح في كلّ ميادين الحياة، لقلت: ألّا يُترك القلب يقرّر عن صاحبه. فذلك يعني ترك العواطف تعلو وتتحكّم في القرارات وفي طريقة التصرّف. وكذلك أن يكون المرء عادلًا، وألّا يسعى إلى إرضاء أحد؛ فذلك يحرمه من الفرح الأقصى: أن يكون نفسه.

ولو كانت لي رسالةٌ أنشرها، لكانت التالية:

كلّنا فريدون، ولكلٍّ منّا عيوبه وصفاته. فلنحبّ بعضنا باختلافاتنا، ولنغتنِ باختلافاتنا. فالحياة قصيرةٌ جدًّا، وكلّ شيءٍ زائل.

أسئلة شائعة

من هي هدى الشريف؟
هدى الشريف مختصّةٌ في التواصل، ووسيطة، ومستشارة سابقة لدى رئيس مجلس نوّاب الشعب، في ديوان رئيس البرلمان محمد الناصر. وهي من مؤسّسي حزب آفاق تونس، ثم التحقت بالهيئات العليا للحزب الجمهوري، قبل أن تؤسّس «كونكتينغ غروب» لمرافقة النساء نحو مناصب المسؤولية العليا.
ما «كونكتينغ غروب» الذي أسّسته هدى الشريف؟
تأسّس سنة 2013، وهي سنة مغادرتها الحزب الجمهوري. ويجمع نساءً من ملامح ومجالات مختلفة لمرافقتهنّ نحو امتلاك أدوات الحوكمة الرشيدة، ولتعزيز كفاءاتهنّ وظهورهنّ، ولتيسير تموقعهنّ في مناصب المسؤولية العليا.
لماذا تركت هدى الشريف العمل الحزبي؟
استقالت في صيف 2013 من رئاسة هيئة الحكماء ومن كلّ هيئات الحزب الجمهوري، وكان يومها في أزمة. وقد أوضحت في رسالة استقالتها أنّها تغادر العمل الحزبي، لا العمل السياسي بمعناه الواسع.
ما الأولويات التي تحدّدها هدى الشريف لتونس؟
تذكر في المقام الأوّل التربية، وتعدّها عصب كلّ الحروب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتدعو إلى إعادة بناء المنظومة التربوية. كما أنّها تلحّ على التطبيق الصارم للقانون، ضمانًا للسلم والتماسك الاجتماعي في نظرها.
ما موقف هدى الشريف من المساواة بين النساء والرجال؟
عارضت المرسوم 209، وتراه غير دستوريّ، وتدافع عن مساواةٍ تُطبَّق في كلّ المستويات، حتى في حضانة الأطفال. وتذكّر بأنّ حضور النساء في مناصب القرار بتونس يتراجع كلّما ارتفع مستوى المسؤولية، بحسب تقريرٍ لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يخصّ سنة 2016.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب