أنوثة

منية الزلفاني: حوارٌ مع صاحبة مفهوم LYNSHA

أنشأت منية الزلفاني، الباحثة في أمراض السرطان التي صارت مدرِّبة سوفرولوجيا، مفهوم «LynSha»: أسفارٌ وورشات عافية مستوحاة من الطبّ الشمولي ومن «الحياة البطيئة». وفي هذا الحوار مع السلطانة، تعود إلى مسارها بين البحث الطبّي والسوفرولوجيا والأمومة، وإلى ميلاد «LynSha» — واسمه من اسمَي طفليها، شادي ولين — وإلى التحدّيات والقراءات واللقاءات التي نحتت طريقها.

منية الزلفاني، قبلتِ الإجابة عن أسئلة السلطانة، ونحن نشكركِ على ذلك.

وقبل أن يبدأ الحوار، هذه بعض المعالم عن مسارها وعن مفهوم «LynSha»:

المَعلمالتفصيل
المجال المهنيالبحث الطبّي في أمراض السرطان (تجارب سريرية، وبحثٌ أساسي، وتدريسٌ جامعي)
التكوين الأولمدرسة مهندسين، اختصاص الإحصاء الحيوي، ثمّ دكتوراه في الصحّة العمومية (فرنسا والولايات المتّحدة)
تكوينات إضافيةمدرِّبة سوفرولوجيا، ثمّ مدرِّبة مهنية معتمَدة
المفهوم المُنشأ«LynSha» — اسمٌ مركّب من اسمَي طفليها، شادي ولين
الأنشطة المقترحةتشي غونغ، وشياتسو، ويوغا، وسوفرولوجيا، وعلاجٌ بالفنّ، وعلاجٌ بالموسيقى، وورشات تفكير
جناح الأطفالورشات عافية، ويوغا، وسوفرولوجيا، ومطالعة، وأنشطة إبداعية، بالتوازي مع أنشطة الكبار
الصدورالسلطانة عدد 52

حدّثينا عن نفسكِ، وعن مسارِكِ، وعمّا تصنعينه، وعن عالمكِ؛ وقولي لنا ما أهمّ شيء في حياتكِ المهنية؟

منية الزلفاني: العالم الذي صنعته لنفسي فسيفساءُ وجوهٍ متعدّدة، تشبهني في نهاية المطاف. فأنا أوّلًا أمٌّ لطفلين، شادي ولين. وقد نشأتُ ودرستُ بعض دراستي في تونس، وأعمل في البحث الطبّي. والحقّ أنّي لم أهبط في هذا المجال مصادفةً. فقد فقدتُ أمّي وأنا صغيرة بسبب السرطان، ورأيتُ من الألم ما سحقني، فصرتُ أطلب أن أكون في الميدان الطبّي من غير أن أكون من السلك الطبّي.

في زماني، يوم نلتُ الباكالوريا، لم تكن هذه المهن منتشرة بما يكفي. فكان عليّ أن أختار بين اهتمامَيّ: الرياضيات والطبّ. ومن ثمّ فضّلتُ المرحلة التحضيرية للالتحاق بمدرسة مهندسين. وهناك اكتشفتُ اختصاص الإحصاء الحيوي، الذي يتيح الجمع بين الرياضيات والطبّ. وكان اختصاصًا قليل الطلب جدًّا؛ فقد كنّا في دفعتي خمسةً لا غير! أما بقيّة الطلبة فكانوا يؤثرون الاختصاصات المؤدّية إلى مهنٍ «مضمونة» في البنوك أو الشركات الكبرى. ثمّ حضّرتُ دكتوراه في الصحّة العمومية بفرنسا والولايات المتّحدة لأتخصّص في الميدان الطبّي.

ومنذ ذلك الحين أعمل في البحث الطبّي في أمراض السرطان. فأعين على تطوير علاجاتٍ جديدة عبر إرساء تجارب سريرية تتيح دراسة دواءٍ وطرحه في السوق. ولي حظُّ مهنةٍ بقبّعاتٍ متعدّدة؛ إذ في عملي محاور أخرى. فثمّة محور البحث الأساسي، حيث أُرسي منهجياتٍ جديدة وأدرسها وأنشرها في سياقاتٍ خاصّة بمرض السرطان، ومحورُ التدريس الجامعي، حيث أُلقي دروسًا في مستوياتٍ مختلفة من الماجستير.

في عملي أرى أشخاصًا وعائلاتٍ ينهارون أمام المرض. ولحسن الحظّ نتقدّم، والمعركة مستمرّة. غير أنّ مواجهة المرض كلّ يوم، ولو من وراء الشاشة وملفّات المرضى، ليست بالأمر الهيّن. فقد كنتُ أريد أن أرافق أكثر، وأن أرافق على نحوٍ آخر. ومستوحاةً من ثقافة الطبّ الشمولي، ومن المثل الشهير الوقاية خيرٌ من العلاج، تابعتُ، بموازاة دراستي ومهنتي، تكوينًا في السوفرولوجيا يقوم على مرافقة الناس بتقنياتها. وهي لا تحلّ محلّ العلاج الطبّي. على أنّها تستند إلى تقنيات التنفّس والاسترخاء وتنشيط الجسد والذهن، لتحقيق عافيةٍ بدنية وذهنية.

وتقدّم نفسها مرافقةً مفيدة لمواجهة اضطراباتٍ كثيرة: الإرهاق، والضغط، واضطرابات النوم، والألم، والقلق، وطنين الأذن، وصعوبات التركيز، والاختلالات الجنسية… فنجدها من ثمّ في ميادين عدّة، كتهيئة الحوامل للولادة، والتهيئة الذهنية لرياضيّ، أو لأجيرٍ داخل مؤسسة. وقد أغناني هذا التكوين على الصعيد الشخصي، وخصوصًا بوصفي أمًّا.

واستطعتُ كذلك أن أرسي تطوّعًا برنامج عافيةٍ كاملًا قائمًا على السوفرولوجيا في أقسامٍ مختلفة من المدرسة الابتدائية لابنتي، وأن أرافق التلاميذ ليبدأوا يومهم بداية طيّبة. ثمّ تابعتُ تكوين مدرِّبة مهنية معتمَدة، أتاح لي مرافقة أشخاصٍ لاستعادة الاسترخاء والسكينة والتخلّي، ولتحسين قدراتهم التنفّسية…

تشتغل السوفرولوجيا والتدريب على محور الحاضر والمستقبل، وعلى عملٍ استشرافي. فنحن نملك كلّ مفاتيح سعادتنا ونجاحنا. ويكفي أن نأخذ وقتنا كاملًا لنبحث عنها في داخلنا. ويعلّمني هذا الميدان كلّ يوم من جديد أنّ تغيير العالم يبدأ بمسارٍ شخصيّ جدًّا هو تغيير النفس. إذ يبدأ كلّ تغيير بفعلٍ، مهما كان حجمه. ولنتذكّر أنّ قطع الكيلومترات يبدأ بخطوةٍ أولى.

وختامًا لمساري المهني، فإنّ أهمّ ما يعنيني، وما يلهمني ويدفعني، إعانةُ الإنسان ومرافقته بطرائق جديدة مبتكرة. أما مقاربتي فأخذُ الفرد كلًّا لا يتجزّأ: جسدًا وروحًا، بمحاذاتهما والعناية بهما منذ صغر السنّ.

حدّثينا عن المشاريع المختلفة التي تشتغلين عليها الآن، واشرحي لنا ميلاد هذه المفاهيم. لماذا شعرتِ بالحاجة إلى السير في هذا الاتّجاه؟

منية الزلفاني: نعيش في مجتمعٍ قاعدتُه «بسرعة، ثمّ أسرع»، في حياةٍ لا تكفّ عن الركض! فنعتاد فكرة السرعة هذه، ونجدها في كلّ مكان. ولنأخذ مثال مطاعم الوجبات السريعة التي تدفع إلى الأكل عجلًا، وواقفًا أحيانًا. وقد بيّنت دراساتٌ حديثة أنّ أكثر من 80 % من الناس يتنفّسون تنفّسًا سطحيًّا يكاد ينحصر في أعلى الصدر.

ويعكس هذا التنفّس مستوًى مرتفعًا من الضغط أو التوتّر. غير أنّ «الفاضح في الفضيحة أنّنا نعتادها». فمن هذه الملاحظة وُلد مفهوم «LynSha»: ماذا لو جرّبنا «الحياة البطيئة» في مجتمعٍ يتسارع فيه كلّ شيء؟ ووُلد كذلك لأنّه لا هديّة للمرء أفضل من أن يأخذ وقته؛ فالجسم البشري ببساطة يكره أن يُستعجل. إذ يردّ بالضغط، وباضطراباتٍ هضمية وقلبية، وبتوتّرٍ عضلي، بل بكيلوغرامات زائدة. فلنتعلّم إذن أن نأخذ وقتنا!

ومستوحاةً من الطبّ الشمولي والطبّ اللطيف، وهما نمطُ عيشٍ آسر أساسُه الوقاية من الأمراض، والانتباه إلى سبب المرض، وقبل كلّ شيء العناية بالجسد والروح، طوّرتُ «LynSha» فلسفةً حقيقية قوامها العيش بوعيٍ كامل، وتذوّق الهنا والآن، للتمتّع بـ«التنفّس البطيء»، و«الطعام البطيء»، و«التفكير البطيء»، و«الحياة البطيئة» ببساطة!

يتوجّه «LynSha» إلى كلّ من يريد أن يتّصل بداخله ليعبّر عنه في الخارج، وأن يجد معنى حياته. فهو يجيب خصوصًا عن حاجةٍ شخصية لأمٍّ لطفلين في يوميّاتٍ متسارعة. ويستعيد الأحرف الثلاثة من اسمَي طفليّ شادي ولين.

وما أردتُ تقديمه بهذا المفهوم تجربةٌ فريدة عبر أسفارٍ إلى قلب الذات. فننظّم، من جملة ما ننظّم، أسفار عافيةٍ في إطارٍ أخضر، مواتٍ للتأمّل ولتقاسم لحظاتٍ ثمينة. وهو مفهومٌ فريد من نوعه يتيح استعادة النَّفَس، واللقاء حول «الحياة البطيئة»، وأخذ الوقت للنفس، وتعليق الإرهاق الذهني وفرط الاستنزاف، عند النساء خصوصًا.

وأولى خصائص المفهوم أنّه قائم على أنشطةٍ متعدّدة الاختصاصات: تشي غونغ، وشياتسو، ويوغا، وسوفرولوجيا، وعلاجٌ بالفنّ، وعلاجٌ بالموسيقى، وورشات تفكير. أما الخصيصة الثانية فهي أنّ «LynSha» مهيّأ للأطفال ومفتوح لهم؛ إذ أنا على يقين بأنّ فلسفة العيش هذه تُعلَّم منذ الصغر، لأنّ الطفل، بازدهاره، أوّلُ عمادٍ لعالمٍ أفضل. فنقترح عليهم أنشطة عافية، ويوغا، وسوفرولوجيا، وورشات مطالعة، وورشات إبداع. ويُنظَّم ذلك كلّه بالتوازي مع أنشطة الكبار، حتى يتمتّع القادمون فرادى، أو ثنائيات بأطفال أو بغير أطفال، بوقتٍ هادئ تمامًا…

ما الذي كنتِ لتفعليه الآن لو توفّرت موارد أخرى؟ وكيف ترين نفسكِ بعد خمس سنوات؟

منية الزلفاني: في هذه الظروف الخاصّة، ظروفِ الأزمة الصحّية المرتبطة بوباء كوفيد-19، وفي هذه المرحلة غير السهلة، لا قدرة لنا ولا فعل ممكن إلا أن نُحسن استخلاص الأفضل من الوضع، على المستوى الفردي والجماعي…

فإن توفّرت الموارد، فمشاريعي ستدور على الإيكولوجيا والبيئة والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ولمواجهة عسر عائلاتٍ كثيرة في تونس تعيش وضعًا ماليًّا حرجًا، أو هشاشةً لن تزيدها الأزمة إلا حدّةً، ينبغي أن يتقدّم البحث عن منفعةٍ جماعية على ما سواه.
وأرى أنّ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني هو المفتاح. فهو قادرٌ على تقديم حلٍّ دائم وجوابٍ عن رهاناتٍ كثيرة في المجتمع المعاصر، مرورًا بالابتكارات الاجتماعية، واحترامًا للبيئة والصحّة وتكافؤ الفرص.

ومشاريع كثيرة بمبادرةٍ من الجمعيات و/أو المواطنين جاريةٌ في تونس. وقد أطلقتُ حديثًا عملًا تطوّعيًّا خالصًا في هذا الاتّجاه، بإنشاء صندوقٍ لإعانة العائلات التي لا مورد لها. فنبدأ بمرحلةٍ تجريبية بميزانيةٍ صغيرة. والفكرة في التنمية المستدامة، أي إطلاق مشروعٍ صغير لكلّ عائلةٍ محتاجة لتؤمّن حاجاتها على نحوٍ دائم، مستقلٍّ عن إعانةٍ ظرفية لا تؤجّل هشاشة العائلة إلا أسابيع أو أشهرًا. والفكرة كذلك خلقُ مواطن شغل، وإفادةُ المجتمع كلّه ودفعُه إلى الأمام.

أما استشراف خمس سنوات فصعبٌ مرّةً أخرى في هذه الظروف غير المسبوقة، التي علّمتنا أن نعيش على نحوٍ آخر، وعلّمتنا في النهاية أن نعيش «الحياة البطيئة»، وعلّمتنا أنّ لا شيء يُخطَّط له على الإطلاق.
فما كان أحدٌ في العالم ينتظر أن يعيش، مطلع 2020، حبيسَ بيته على هذا النحو.

غير أنّ الإنسان لا يوجد من غير أن يستشرف، ومن غير أن يحلم ويتقاسم أحلامه ووجوده. وبعد خمس سنوات، لا أرغب في أن أستشرف نفسي عبر مشروعٍ شخصيّ أو فرديّ، وإنما أرغب ببساطة في أن أستشرف عالمًا أفضل، تُحترم فيه الطبيعة وتكون القيمة الإنسانية قانونه. فنحن قادرون على إعادة الابتكار كلّ يوم، وعلى تحقيق أحلامٍ كبيرة والقدمان على الأرض!

حدّثينا عن التحدّيات التي تصادفينها؟

منية الزلفاني: أحسب أنّ قائمة تحدّياتي اليوم تلتقي بقوائم نساءٍ كثيرات، مقاوِلات وأمّهات، يسعين إلى تأمين يوميّات الأطفال بأقلّ وقت، وإلى حفظ طاقتهنّ على المدى الطويل. فالأمر في النهاية بحثٌ عن الحدّ الوسط والتوازن بين حياةٍ نشيطة تمامًا وحياةٍ لا مفرّ فيها من «الحياة البطيئة».

وعلى سبيل الطرفة، ورجوعًا إلى الوراء وإلى تحدّياتٍ صادفتُها من قبل: صرتُ أمًّا وأنا صغيرة، ودراستي في مدرسة المهندسين ما تزال جارية؛ فسمح المجتمع لنفسه بأن يحكم عليّ ويحشرني في خانة، حتى قبل أن يسمع روايتي. فكنتُ أسمع بلا انقطاع، وأحيانًا من النظرات وحدها: «حامل»، لكنها ستوقف دراستها، ولن تنجح، وسيلزمها أن تتفرّغ لرضيعها، وكومةً أخرى من الملاحظات والتوقّعات المشدودة إلى صورٍ نمطية قائمة ومحدّدة تمامًا عن مستقبلي أنا وعن رغباتي أنا :)

وفي النهاية، تطلّ كلّ يوم تحدّياتٌ جديدة؛ فأن يحفّز المرء نفسه ويعيد ابتكارها ليكيّف طريقته واستراتيجيته، تحدٍّ حقيقيّ بدوره. لذلك كان الإيمان بقوّتنا وبقدرتنا على التكيّف مهمًّا هو أيضًا لمواجهة التحدّيات كلّها.
ويمكن القول كذلك إنّ التحدّيات موجودة لتعلّمنا الإصغاء إلى دواخلنا، وأن نكون فريدين في أفكارنا، وأن نمضي بأمنياتنا وأحلامنا إلى آخرها.

حدّثينا عن الشخص الذي يثير إعجابكِ أكثر من غيره، أو عن الحدث الذي أثّر فيكِ؟

منية الزلفاني: تغيّرت حياتي يوم علمنا أنّ أمّي مصابة بالسرطان.
فأخذت حياتي اتّجاهًا مختلفًا تمامًا، وأخذت معها نظرتي إلى الأشياء.
وقد علّمتني أشياء كثيرة قبل رحيلها، وبعده أيضًا.

أُعجب بها لكلّ ما كانته، وأرجو أن تكون فخورةً بي حيث هي. رحلت شابّة، الله يرحمها. غير أنّ أمّي لم تغب عن حياتي. فهي جزءٌ لا يتجزّأ منها، تحيا في كلّ ذرّةٍ منّي، وفي مشاريعي كلّها، وفي نظرتي إلى الأشياء.
وأحتفظ منها بصورة المرأة القويّة التي أحبّت الحياة وأرادت أن تعضّها بكلّ أسنانها. كانت مرحةً مليئةً بالدعابة والقوّة وحبّ الحياة. وكانت تعشق قضاء الوقت مع أحبّائها والتمتّع بهم، باسمةً مفعمةً بالحياة. فذلك النور الذي فيها هو ما يهديني في يومي.

وما تزال تعلّمني حتى بعد رحيلها. فما تعلّمني إيّاه أنّي كنتُ أقوى بكثير ممّا تصوّرت. وإن كنتُ أحيانًا لم أعد على هذا اليقين.
تعلّمني أنّ الانفعالات كلّها مشروعة. غير أنّ علينا أن نعرف كيف ندبّرها.
وتعلّمني أن أميّز ما هو مهمّ. وتعلّمني أنّ الثقة بالحياة تُستعاد. وأنّ في الطريق أناسًا استثنائيين. وأنّ على المرء أن يختار مهنةً تعجبه وتوافق شغفه، ولو كانت أقلّ أجرًا أو لا تطابق انتظارات الآخرين. وليس هذا إلا بداية تعلّم؛ فتعليمها مستمرٌّ كلّ يوم.

لا شيء عندي فلسفيّ على وجه الخصوص. ولا أستطيع أن أجزم بأنّ الحداد يُتجاوز. فأحسب أنّ الألم لا يُمحى. غير أنّنا نتعلّم أن نعيش معه.

ما كتابكِ المفضّل؟ وأيّها أحببتِ هذا العام؟ وأيّها توصين به من حولكِ دون أدنى تردّد؟

منية الزلفاني : أنا من الطراز القديم.
أحبّ كثيرًا كتاب سون تزو «فنّ الحرب» (L'art de la guerre).
وما أحتفظ به منه أنّه لا ينبغي أبدًا أن تكون لنا خطّة B لتحقيق حلمنا! وليس ذلك بديهيًّا، غير أنّ الكتاب يروي، في ما يروي، حكاية محارب. فكان إذا خرج إلى الحرب طوّق القرية كلّها من غير أن يترك منفذًا، حتى لا يفرّ أهلها. وكان يربح الحرب في كلّ مرّة.

وكان يشرح أنّه متى انعدم المنفذ، علم الرجل والمرأة أنّهما سيموتان. فيقاتلان بما يسمّى طاقة اليأس. ويقاتلان بما بين أيديهما. وقد تهزم امرأةٌ واحدة أو رجلٌ واحد عشراتٍ من المحاربين. أما إن وُجد منفذٌ ممكن، ففرّ بعضهم. وتردّد آخرون. ولم يبذل كلّ شيء إلا قليل، فنشأت من ذلك بلبلة.
ومن ثمّ يكون فنّ الحرب فنَّ ربحِ الحرب قبل أن تبدأ.
ويمكن عقد المماثلة بين الدماغ والحرب. فإن خلقنا في دماغنا منفذًا في مواجهة حلمنا، خلقنا ضمنيًّا إفلاسًا لهذا الحلم!
فلا خطّة B إذن لمن يريد تحقيق أحلامه :)

أما في الأفلام، فأحبّ فيلم الويسترن لسيرجيو ليوني «Et pour quelques dollars de plus»، الذي يشهد من جهةٍ على مثابرة المخرج، ويرمز من جهةٍ أخرى إلى دورة الحياة والموت عبر مبارزةٍ تُسرح آخر فرصةٍ للعيش، وكلّ ذلك على إيقاع موسيقى ساعة جيب «الإنديو».
وبهذا الفيلم يُبرز المخرج الشيء الوحيد الذي يستحقّ، في رأيه، أن يُعاش. وهو الصداقة. ثمّ يقدّم محور إيمانه الثاني: العائلة.
ويقوم هذان المحوران في النهاية على الحبّ!
ولن أُفسد الفيلم بالكشف عن نهايته، وأترك اكتشافه لمحبّي عالم الويسترن.

وفي الأغاني، أحبّ كثيرًا أغنية بوب مارلي «Three Little Birds». فهي أغنيةٌ أعشقها، تبعث النشاط. وتذكّرنا بألّا نقلق؛ فكلّ الأشياء الصغيرة على ما يرام، وكلّ شيء سيكون على ما يرام!
وتذكّرني كذلك بنزهتي في غرب الولايات المتّحدة، بين كاليفورنيا ونيفادا.
كما أنّ هذه الأغنية سُمعت في فيلم «Je suis une légende» مع ويل سميث.

وأخيرًا، أيّ نصيحةٍ تقدّمينها لنسخةٍ أصغر من نفسكِ؟

منية الزلفاني: لا نصيحة بعينها أقدّمها. والحقّ أنّي نادرًا ما أنصح، وكثيرًا ما أدعو إلى عدم اتّباع النصائح (ضحك).
غير أنّي أحسب أنّ في وسعنا أن نمنح أذنًا صاغية، رفيقة، ملهمة؛ لإبداء رأي أو لطرح الأسئلة التي تتيح للشخص نفسه أن يهتدي بنفسه.

على أنّي لو صادفتُ منية التي كنتُها في العشرين، لأحببتُ أن أقول لها، من غير أيّ ادّعاء (ضحك): امضي هكذا. ولا تغيّري شيئًا أبدًا. الحياة ستعلّمكِ، والنور سيهديكِ.
ومحن الحياة موجودة لتعلّمنا وتدفعنا إلى التطوّر. وتجاربنا قوّتنا وتعلُّمنا لمستقبلٍ أفضل.
وما يدفعنا إلى الأمام في الحياة، على نحوٍ ما، أخطاؤنا قبل القناعة والطموح.

أسئلة شائعة

من هي منية الزلفاني؟
منية الزلفاني أمٌّ لطفلين، شادي ولين. مهندسةٌ بالتكوين، مختصّة في الإحصاء الحيوي، أعدّت دكتوراه في الصحّة العمومية بفرنسا والولايات المتّحدة. وتعمل في البحث الطبّي في أمراض السرطان (تجارب سريرية، وبحثٌ أساسي، وتدريسٌ جامعي)، كما تكوّنت في السوفرولوجيا وفي التدريب المهني المعتمَد.
ما مفهوم «LynSha»؟
«LynSha» فلسفةُ عيشٍ وعرضُ أسفارٍ وورشات عافية أنشأتها منية الزلفاني، مستوحاةً من الطبّ الشمولي وقائمةً على «الحياة البطيئة»: التنفّس البطيء، والطعام البطيء، والتفكير البطيء. ويقترح المفهوم أنشطةً متعدّدة الاختصاصات، كتشي غونغ والشياتسو واليوغا والسوفرولوجيا والعلاج بالفنّ والعلاج بالموسيقى وورشات التفكير.
من أين جاء اسم «LynSha»؟
يستعيد الاسم أحرف اسمَي طفلَي منية الزلفاني، شادي ولين.
هل «LynSha» مفتوح للأطفال؟
نعم. فجزءٌ من الأنشطة — عافية، ويوغا، وسوفرولوجيا، وورشات مطالعة، وورشات إبداع — مصمَّمٌ خصّيصًا للأطفال، ويُنظَّم بالتوازي مع أنشطة الكبار حتى يتمتّع بها كلّ قادم، فردًا أو ثنائيًّا أو عائلة.
ما مسار منية الزلفاني المهني قبل «LynSha»؟
بعد المرحلة التحضيرية ثمّ مدرسة المهندسين في الإحصاء الحيوي، نالت دكتوراه في الصحّة العمومية بفرنسا والولايات المتّحدة، ثمّ عملت في البحث الطبّي في أمراض السرطان. وتكوّنت بعد ذلك في السوفرولوجيا، ثمّ في التدريب المهني المعتمَد، قبل أن تُنشئ «LynSha».

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب