منال الغربي: امرأةٌ استثنائية في خدمة الأطفال
تفرض منال الغربي الإعجاب بنضالها المثاليّ. فصلابتها، وشجاعتها أمام المحنة، وحسّ العطاء الذي وُلد من تجربتها نفسها، تجعل منها امرأةً استثنائية. وتشغل منصب نائبة رئيس جمعية «مرام للتضامن» (Maram Solidarité)، فتخوض معركةً ضارية ضدّ سرطان الطفل والمراهق.
حدّثينا قليلًا عن نفسكِ
منال الغربي: سؤالٌ صعب جدًّا! الغربي منال، امرأة تونسية، ابنة، وأخت، وزوجة، وابنة عمّ، وصديقة، وابنة أخ…
درستُ في مجال المالية. أما مساري المهني فكان في التكنولوجيا والاتّصالات. وأنا اليوم نائبة رئيس جمعية «مرام للتضامن»: جمعية لمكافحة سرطان الطفل والمراهق.
وأتابع تكوينات مصادقًا عليها في البرمجة اللغوية العصبية (PNL). فسأسجّل على الأرجح في شهادة HR Business Partner، وفي دبلوم الإنجليزية للأعمال. ولعلّ العام المقبل يحمل (وذلك هو الحلم): MBA في الصحّة.
منشأ معركة
بدأت معركتي يوم اكتشفتُ أنّ ابنتي، وعمرها سنتان، مصابةٌ بورمٍ أروميّ عصبيّ نقيليّ (سرطان أطفال)، بعد 6 تشخيصاتٍ خاطئة. ستّة أطبّاء مختلفين بين أطبّاء أطفال ومختصّين؛ فقد أجرى لها آخرهم عمليةً لعلّةٍ لا وجود لها في جسدها.
وبدأ مسارٌ طويل لجمع نحو 300 ألف أورو، لتأمين زرعٍ ذاتيّ للأطفال يتعذّر إجراؤه في تونس ولا يغطّيه الضمان الاجتماعي. ففتح الجحيم أبوابه، ولم يغلقها بعدها أبدًا!
أُنشئت الجمعية أساسًا لتأمين العلاج اللازم لمرام في الخارج. ثمّ استمرّت، بعد رحيلها في 08/10/2014، لإعانة هؤلاء الأطفال وعائلاتهم.
إنجازات الجمعية
أمّنّا العلاج في الخارج كما في تونس، ومساعداتٍ نفسية ومالية. وحقّقنا أحلامًا. ثمّ أعدنا أطفالًا إلى طريق المعاهد والجامعات. وجدّدنا وحداتٍ لأمراض السرطان عند الأطفال.
وكان فخرُنا أن وضعنا استراتيجية وطبّقناها لإجراء الزرع الذاتي للأطفال في تونس، بالتعاون مع أطبّاء تونسيين. فمن أجل ذلك، أمّنّا تكوين بعضهم في الخارج، وبنينا وجدّدنا 1000 م² في مركز زرع نخاع العظم، واشترينا آلة جمع الخلايا الجذعية.
وبلغت تونس 12 عملية زرعٍ ذاتيّ (في سنتين، وهذا رائع)!
ونجحت جمعيتنا في تغيير الفصل 44 من قانون المالية لسنة 2018 (وهي الجمعية الوحيدة التي بلغت ذلك منذ الاستقلال).
و«دار مرام» بيتُ استقبالٍ للأطفال وأمّهاتهم الذين يتعالجون في العاصمة ولا مأوى لهم.
| الإنجاز | التفصيل |
|---|---|
| شرارة المعركة | ورمٌ أروميّ عصبيّ نقيليّ شُخّص عند ابنتها وعمرها سنتان، بعد 6 تشخيصاتٍ خاطئة |
| الأموال المجموعة | نحو 300 ألف أورو لزرعٍ ذاتيّ للأطفال في الخارج، يتعذّر إجراؤه في تونس |
| الجمعية المنشأة | «مرام للتضامن»، تحيّةً إلى مرام التي رحلت في 08/10/2014 |
| الزرع الذاتي للأطفال في تونس | 12 عملية أُجريت في سنتين، مع أطبّاء تونسيين تكوّنوا في الخارج |
| مركز زرع نخاع العظم | 1000 م² بُنيت ورُمّمت؛ وشراء آلة جمع الخلايا الجذعية |
| الإطار القانوني | تعديل الفصل 44 من قانون المالية في 2018 |
| المشروع الجديد | «دار مرام»، بيت استقبالٍ للأطفال وأمّهاتهم القادمين للعلاج في العاصمة |
أحلامٌ ومشاريع للغد
يبقى حلمي الأقصى أن أبني مركزًا لأمراض السرطان عند الأطفال بطاقمٍ طبّي تونسي 100%، وأن أضع لبنةً في صرح البحث في سرطان الأطفال بتونس.
أما أبسط أمنيات 2021 فهي: المدرسة الرقمية داخل المستشفيات، ومركز استقبالٍ للأهالي الذين أصيب أبناؤهم بالسرطان والأمراض النادرة أو رحلوا بها، وأخيرًا وضع استراتيجية لمساندة العائلات التي لها ملائكة في الرعاية التلطيفية.
ما الذي كنتِ لتفعليه الآن لو توفّرت موارد أخرى؟ وكيف ترين نفسكِ بعد خمس سنوات؟
منال الغربي: في الإطار الكوني، في عالمٍ من حلم، وبعصا سحرية، كنتُ أوقف الحروب، وأجد دواءً لكلّ الأمراض (وبعض الأمراض لا يحتاج إلى دواء ليُشفى، بل يكفيه شعور: كالوحدة والحزن…)، حتى نعيش في سلامٍ ووئامٍ وحبٍّ وطمأنينة.
رؤيةٌ ثورية لتونس
في العالم الواقعي، في تونس، المنظومة التربوية كلّها: كنتُ أفرض الفنون والمطالعة منذ رياض الأطفال، وأجعل الألعاب الذهنية والإبداعية موادّ إجبارية.
ومن سنّ السابعة: مادّةٌ في تقدير الذات واحترام الآخر، والفلسفة. وفي الثامنة والتاسعة والعاشرة: الدخول إلى صناعة البرمجيات والتطوير التكنولوجي، وتاريخ الأديان والمعتقدات، والتربية الجنسية…
فبطفلٍ متوازن، شغوفٍ بما يصنع، مبدع، تُبنى أمّةٌ بأكملها.
ثمّ أنتقل إلى المنظومة الصحّية. فأغيّر أوّلًا نظام التكفّل بالمرضى تغييرًا كاملًا. وأبني مستشفياتٍ تليق بمن يدخلها، وطاقمًا مؤهّلًا.
على أنّي أطوّر البحث كذلك، وأمنح الحقّ في تجارب سريرية لبعض الأمراض اليتيمة التي لا أمل فيها.
وأضع ميزانيةً ضخمة في التطوير التكنولوجي، والبحث الطبّي، والفنّ والثقافة. وأخترع وزارةً للسعادة. ثمّ أطوّر اختصاصاتٍ أخرى لا أستطيع الحديث عنها.
رفضتِ أن تقفي مكتوفة اليدين. واخترتِ أن تحملي معركةً قاسية بكامل جسدكِ. فحدّثينا عن التحدّيات التي تواجهينها كلّ يوم؟
منال الغربي: كيف تُوصف هذه المأساة التي تعيشها العائلة منذ الإعلان عن المرض؟ أوثِر أن أشدّد على تحدّيات العائلات لا على تحدّياتي أنا.
درب آلام العائلات
انهيار اليوم العادي
ينهار الجميع. فتنقلب مشاريع الغد ونظرةُ المرء إلى الحياة. وفي تونس، لم نتقدّم خطوةً واحدة في إعانة هذه العائلات. ويبذل الأطبّاء أقصى ما يستطيعون بما تحت أيديهم من وسائل. غير أنّ مساندةً اجتماعية ونفسية حقيقية لا وجود لها: لا للطفل ولا للعائلة.
صدمةٌ، وهوّةٌ تنفتح تحت الأقدام. فلا يجد الأهل وقتًا لاستيعاب الخبر الفظيع، حتى يجدوا أنفسهم أمام بداية علاجٍ ثقيلٍ منهك. ويتبدّل معجم اليوم العادي. إذ ينتقل من الفطور والسفر والعمل والضغط والخروج إلى العلاج الكيميائي والعلاج بالأشعّة والجراحة والتصوير الومضاني والرعاية التلطيفية…
عوائق المنظومة
ولم تكن المعركة قد بدأت فعلًا: أمام رفض الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM) التكفّلَ ببعض العلاجات والعمليات والجزيئات وزرع الأغشية…
ويُحرم أطفالٌ من مدرستهم. ويجد مراهقون كثيرون أنفسهم في الشارع بعد علاجٍ ضارٍ يدوم بين سنة وثلاث سنوات، بلا تكوينٍ ولا دراسة. ويكافح أطبّاء نقصَ التكوين المستمرّ. فيضاف إليه نقصُ الأدوية وأجهزة التصوير، ونقصُ وسائل تنقّل الأمّهات، وعائلاتٌ بلا مورد، وطفلٌ بلا مسكن…
طفلٌ مصابٌ بالسرطان = مرافقةٌ يومية من الأمّ طوال مسار العلاج.
حدّثينا عن الأشخاص المحيطين بحياتكِ وعن اللقاءات التي عشتِها. من أكثر من يثير إعجابكِ؟
منال الغربي: يومي بسيطٌ جدًّا: فمن الوجهة الجينية، أنا أمٌّ لطفلين. أما من الوجهة الوجدانية والجمعياتية، فأنا أمٌّ لمئةٍ من الملائكة وزيادة. ويحيط بي قبل كلّ شيء أهلي وأصدقائي المقرّبون، وذلك أهمّ ما في الأمر عندي. أما اللقاءات فأوثِر أن أحتفظ بها لنفسي، لأنها لا تُغني إلا شخصي.
ويبقى الأهمّ عندي لقاءُ نظرة طفل، وقوّته، وعزيمته التي تملؤني وتأخذني أكثر من أيّ شيء آخر.
وجوهٌ مُلهِمة
لا مثل أعلى عندي. فأرى أنّ ظروفنا ليست واحدة، ولا زماننا واحدًا. ولا أحد يملك الحقيقة. أما السِّيَر والسِّيَر الذاتية فليست يومًا محايدةً (موضوعية تمامًا)، ولا تعكس المسار كما عُيش فعلًا؛ فثمّة أجزاءٌ مخفيّة وأنصافُ حقائق، ثمّ إنّ كلّ شيء نسبيّ، وراوٍ لا يكون محايدًا أبدًا.
ومع ذلك، أُعجب بنيلسون مانديلا، وماري كوري، وروزاليند فرانكلين، وغاندي، وبيل غيتس، وهارلاند ديفيد ساندرز، وروبرت ستيرنبرغ، وجيزيل حليمي…
ماذا تستخلصين من مسيرتكِ؟ وماذا تودّين أن يستخلص الناس عنكِ؟
منال الغربي: ما زلتُ في قلب الفعل، فلا أستطيع أن أرى مساري الإنساني رؤيةً واضحة ولا موضوعية! غير أنّي أقول إنّ المستحيل غير موجود، وإنّك أنت وحدك صانع حكايتك، متى تمسّكت بأحلامك وسعيت إلى تحقيقها.
فلسفة حياة
لا وجود للمستحيل
الحياة معركةٌ في كلّ لحظة، في أدقّ التفاصيل، وما أجمل أن تُخاض بشغفٍ كبير. فلا استسلام إذن، أبدًا؛ فإلى آخر نفَس يبقى التمسّك بالتحدّيات.
وكما قال تشرشل: «لا تستسلم أبدًا، أبدًا، أبدًا، أبدًا، أبدًا!» و. تشرشل
والأمر الثاني: بعد كلّ «موت» يمكن أن تُعان «حياة» أو حيوات. فبعد كلّ مأساة يُصنع مجد.
قبول البشريّ فينا
ما أودّ أن يحتفظ به الناس عنّي: أنّي لستُ إلا كائنًا بشريًّا، لي حقٌّ في النقص، وفي التعب، وفي الانفعال.
وأنّ الشغف والحنان والإيمان هي منابع الحياة الكبرى. وأن يقبل المرء نفسه والآخر ويعينهما مهما اختلفنا. وأن نعيش جنوننا إلى آخره ما دام لا يؤذي أحدًا. ثمّ إنّ عناقًا صادقًا قادرٌ على تغيير عالم.
ما كتابكِ المفضّل؟ وأيّها أحببتِ هذا العام؟ وأيّها توصين به من حولكِ دون أدنى تردّد؟
منال الغربي: من المؤسف حقًّا أن أذكر كتابًا واحدًا! فلي طقسٌ أرسيته، وهدفٌ ضربته لنفسي كلّ شهر. إذ يجب أن أقرأ ما بين 4 و8 كتب: والأمر يتوقّف على الأسلوب ونوع الكتابة، وعلى القلم، وعلى رغبتي.
أما عن النصف الأول من هذا العام، فأقول: «وابي سابي: فنّ اللاكمال» (Wabi Sabi : l'art de l'imperfection) لتوماس نافارو، و«هومو ديوس: تاريخٌ موجز للغد» (Homo Deus) ليوفال نوح هراري، و«صوفيّو الأندلس» (Les soufis d'Andalousie) لابن عربي، و«في انتظار تصويت الوحوش البرّية» (En attendant le vote des bêtes sauvages) لأحمدو كوروما.
لو حملتِ رسالةً تودّين أن تُسمَع في كلّ مكان، فماذا تكون؟
منال الغربي: الاستثمار في الطفولة والشباب. وفي الفنّ والثقافة، وفي التكنولوجيا والتنمية. ثمّ في الصحّة والبحث.
رسالة حبٍّ كونية
لا حكمَ قبل الفهم
لكلّ قلبٍ ونفسٍ حزنُهما ووحدتُهما المخفيّان، لا يعرفهما حتى الأقربون. فلا حقّ لأحدٍ أن يحكم على إنسانٍ قبل أن ينتعل حذاءه، ويحلّ في جلده، ويعيش ماضيه.
لا نعرف من الإنسان إلا ظاهرًا جزئيًّا. فكلّ حكمٍ يأتي مغلوطًا وغير لائق. ولأنّنا «لا نرى جيّدًا إلا بالقلب»، فلنحبّ بعضنا! ولنتقاسم لحظةً حاضرة نكون فيها فريدين. وليكن كلٌّ للآخر، ولنتحابّ «حبًّا خالصًا بلا غاية أخرى، الحبّ للحبّ، بلا تملّكٍ ولا غيرة».
فنّ العطاء
لنكن سعادةً لأحدهم، ولو بابتسامةٍ بسيطة.
تؤتي المثابرةُ والعملُ الدؤوب ثمارهما في النهاية. فالمعجزات موجودة، وقادرةٌ على تغيير مصير.
وتتلخّص السعادة القصوى في العطاء، وخصوصًا عطاء لحظةٍ صادقة، أو يد عون. فلن نقود ألف سيارة في آنٍ واحد. ولن نسكن ألف قصرٍ في آنٍ واحد.
وأختم بقولٍ للإمام الشافعي: «لا ترفض أبدًا أن تمدّ يدك لإعانة إنسانٍ وأنت قادر. فالسعادة لا تدوم. واشكر الله أن جعلك في حاجة الناس إليك، لا في حاجتك إليهم.» الإمام الشافعي
كيف ترين حياتكِ في المستقبل؟
منال الغربي: بعد عشرين سنة، إن بقيتُ على قيد الحياة، أرى نفسي في كوخٍ على جبل، مع بساتيني وزوّار مطعمي (فأنا أعشق الطبخ وتقاسم لحظات الحنان وسط قهقهات الضحك). ومدرسةٌ لركوب الخيل والفنون القتالية والرماية للأطفال.
وقاربٌ صغير لنزهةٍ في البحر مع أصدقائي، وكثيرٌ كثيرٌ كثيرٌ من الأطفال الصغار.
شكرًا.