تتغلغل الموسيقى في يومنا العادي تغلغلًا يمنعنا من إدراك ما قد تفعله نغمةٌ واحدة في دماغنا أو في أجسادنا. ولها فضائل كثيرة؛ فقد تغيّر سلوك المرء وأنشطته وانفعالاته. وقد أثبتت بحوث علم النفس وعلوم الأعصاب أثر الموسيقى في وظائف دماغية بعينها: الحركة والانتباه واللغة والتعلّم والذاكرة.
غير أنّ كثيرين لا يرون فيها إلا تسليةً، أو حتى سلعةً تُستهلك. أما وراء هؤلاء المتشكّكين القلائل، فقد أدرك الناس على الدوام أنّ للأصوات قوّةً حقيقية. وقد أقرّ أفلاطون نفسه بذلك، كما تشهد هذه الفقرة من الكتاب الثالث من الجمهورية (La République): «الموسيقى أقوى وسيلةٍ من كلّ ما سواها، لأنّ الإيقاع والانسجام مستقرّهما في النفس. فهي تُغنيها، وتمنحها الحسن، وتنيرها.»
موضوعٌ ذو صلة: ياسمين العزايز بين حبّ الموسيقى وشغف التميّز
الموسيقى وآثارها
الموسيقى المقدّسة
تنفرد الموسيقى المقدّسة كلّها، شرقيّةً كانت أم غربية، تقليديةً أم حديثة، بأنّها ترخي الزمان والمكان. وتضع الدماغ في ترددات ألفا. ومن ثمَّ تلائم الاسترخاء، وتخفيف الآلام، بل اليقظة الروحية نفسها.
الترتيل الغريغوري
يُعدّ الترتيل الغريغوري موسيقى طقسية في الكنيسة الكاثوليكية. ويقوم على إيقاعات التنفّس. أما أناشيده الجَماعية فتمنح إحساسًا بالفضاءات الواسعة. فهو يلائم التأمّل وحسن العمل والتركيز تمام الملاءمة، ويخفّف من الضغط النفسي.
الموسيقى الباروكية
تبعث الحركات البطيئة عند هاندل أو باخ شعورًا بالتوازن والثبات والنظام والأمان. وهي شديدة الملاءمة للأعمال الذهنية.
الموسيقى الكلاسيكية
تسهم سيولة موسيقى موتسارت أو هايدن وصفاؤها ووضوحها في تحسين الذاكرة والتركيز. كما أنّ هذه الموسيقى تتيح إدراكًا أفضل للفضاء.
الموسيقى الرومانسية
تغطّي هذه الموسيقى مدى المشاعر كلَّه، من أشدّ الحزن إلى أقصى النشوة. وقد عُرفت بعبقرية ملحّنين مثل فاغنر وشوبان وليست؛ فهي موسيقى مشحونة بالعاطفة.
الجاز والبلوز
يستدعي الجاز والبلوز في صورتيهما الكلاسيكيتين، شأنهما شأن الموسيقى الرومانسية، طيف المشاعر الإنسانية كلَّه. غير أنّ أثرهما في الجسد أشدّ تنشيطًا.
الروك
بينما ترخي بعض قطع الروك، الكلاسيكي منه، توتّرات الداخل، تُذكي قطعٌ أخرى الأهواء. أما آثار هذه الموسيقى فتختلف من شخصٍ إلى آخر.
الهيفي ميتال، البانك، الغرانج…
تُسمع هذه الموسيقى في الغالب بصوتٍ عالٍ جدًّا. ومن ثمَّ تمسّ الجهاز العصبي مسًّا مباشرًا، إذ تُفرط في إثارة طبلتَي الأذن والأعصاب السمعية. فسماعها يُحدث ردود فعلٍ فيزيولوجية مباشرة (ارتفاع الضغط، وتسارع التنفّس، وتسارع نبض القلب، وغير ذلك).
التكنو
تستدعي هذه الموسيقى بنبضاتها دقّات القلب. ففي محيط التكنو، يتكيّف الجسد مع ترددات الجهير الإيقاعي، فتتبدّل معها ترددات الدماغ. أما على الطول، فتؤدّي هذه الحال إلى ما يشبه الوجد.
العلاج بالموسيقى
يقوم منذ خمسينيات القرن الماضي اختصاصٌ يستعمل الموسيقى لغاياتٍ علاجية. ولا عجب أن يُعرف هذا الاختصاص باسم العلاج بالموسيقى، وإن كانت تسمية «فنّ الموسيقى العلاجية» مفضّلةً عليه.
أيّ طرازٍ موسيقي لأيّ أثر؟ جدول التلخيص
| الطراز الموسيقي | الأثر الأساسي |
|---|---|
| الموسيقى المقدّسة | استرخاء، وترددات ألفا، وتخفيف الآلام، ويقظة روحية |
| الترتيل الغريغوري | تأمّل، وتركيز، وتخفيف الضغط النفسي |
| الباروكية | توازن وثبات وأمان، وملاءمة للأعمال الذهنية |
| الكلاسيكية | ذاكرة، وتركيز، وإدراك للفضاء |
| الرومانسية | مدى المشاعر كلّه، من الحزن إلى النشوة |
| الجاز والبلوز | طيف المشاعر الإنسانية، وأثرٌ منشّط |
| الروك | إرخاء التوتّرات أو إذكاء الأهواء، بحسب الشخص |
| الهيفي ميتال، البانك، الغرانج… | ردود فعلٍ فيزيولوجية مباشرة (الضغط، والتنفّس، ونبض القلب) |
| التكنو | تكيّف الجسد مع ترددات الجهير، وحالُ وجد |