ما هي العادات التي تجعلنا سعداء في حياتنا اليوميّة؟ تُجري الأستاذة سونيا ليوبوميرسكي من جامعة كاليفورنيا دراسة مذهلة حول هذا السؤال، تُعدِّد فيها بالتفصيل القواسم المشتركة بين الأشخاص الذين يصفون أنفسهم بالسعداء.
يتقاسم هؤلاء عاداتٍ محدّدة يمكننا جميعاً تبنّيها. فلنكتشف معاً كيف نحوّل هذه الاكتشافات العلميّة إلى أفعال ملموسة تُنمّي عادات سعادةٍ راسخة.
اكتشاف عادات السعادة كما يراها العلم
تبنّي عادات السعادة عند من ينعمون بحياة مكتملة
وفق دراسة ليوبوميرسكي، فإنّ الأشخاص السعداء:
يرعَون علاقاتهم القريبة. فهم يخصّصون وقتاً كبيراً لعائلاتهم وأصدقائهم.
يمارسون الامتنان بعفويّة. فهم يعبّرون بيُسرٍ كبير عن عرفانهم بكلّ ما يملكون.
يُنمّون نزعة الإيثار لديهم. فهم أوّل من يُلبّي النداء لمساعدة أقربائهم أو زملائهم أو حتى الغرباء، ويُبدون تعاطفاً مع الآخرين.
يغذّون تفاؤلهم. فهم يحافظون على نظرة إيجابيّة لمستقبلهم.
يتذوّقون اللحظة الحاضرة. فهم يبقَون متجذّرين في الحاضر ويستمتعون بالمتع البسيطة.
يتحرّكون بانتظام. فهم يمارسون الرياضة يوميّاً أو أسبوعيّاً؛ والأهمّ هو المواظبة على هذه العادة.
يعيشون وفق قيمهم. فهم يرسمون أهدافاً بعيدة المدى تنسجم مع مبادئهم العميقة.
يصمدون في وجه المِحَن. ففي الأوقات الصعبة يتألّمون كسائر الناس، لكنّ سرّهم هو الحفاظ على توازنهم والتحلّي بالعزيمة لتخطّي العقبات.
كيف تُدمِجين عادات السعادة هذه في حياتك اليوميّة
لا تكفي معرفة هذه السمات لبناء عادات سعادةٍ راسخة. فهدفنا يتجاوز اكتساب ثقافة عامّة؛ نحن نريد منهجاً ملموساً لزرع عادات تجعلنا سعداء كلّ يوم.
تزخر أدبيّات التنمية الذاتيّة اليوم بالأفكار، غير أنّنا قلّما نضعها موضع التنفيذ. فتحرير قائمة أمرٌ سهل، أمّا غرس هذه الأفكار في يوميّاتنا فيتطلّب جهداً أكبر.
فلنشرع في العمل إذن!
التواتر يتغلّب على الشدّة في صناعة السعادة
المبدأ الأساسي للسعادة اليوميّة
تشرح جينيفر آكر من جامعة ستانفورد الأمر ببساطة: «أترَين ما يشعركِ بالرضا؟ ما يجعلكِ سعيدة؟ افعليه أكثر!»
فمن الأفضل أن نعيش أفراحاً صغيرة كثيرة بدل بضعة أحداث كبرى متفرّقة.
نحن ننظّم أوقات عملنا، ونحجز موعداً عند الطبيب، ونحجز عند خبيرة التجميل، ومع ذلك قلّما نُدرِج السعادة في جداولنا.
الـ 40% التي تغيّر كلّ شيء
تكشف الدراسات أنّ 40% من السعادة تأتي من الأنشطة التي نختارها بمحض إرادتنا. وهكذا فإنّ إضافة شيء تحبّينه إلى برنامجك اليوميّ يرفع سعادتك بنسبة 40%.
وتُظهر أبحاث أخرى أُجريت في جامعة ديوك سنة 2006 حقيقة مفاجئة: 40% من أفعالنا اليوميّة لا تنبع من قرارات واعية بل من عادات تلقائيّة.
فما الذي يمنعنا من إدماج الأنشطة المُفرِحة في روتيننا؟ إنّ إدراج هذه الأنشطة ضمن الـ 40% من المهامّ التي نؤدّيها تلقائيّاً يتيح رفع سعادتنا بنسبة 40%!
فلنحوّل إذن قائمة ليوبوميرسكي إلى أفعال معتادة.
1. استيقظي وفكّري بـ ASR
الطقس الصباحيّ الذي يغيّر يومك
مزاجك عند الاستيقاظ يحدّد جودة يومك. و«ASR» اختصارٌ قويّ يجمع ثلاثاً: الترقّب (Anticipation) والذكريات (Souvenirs) والامتنان (Reconnaissance).
الترقّب: مُنشّطك الصباحيّ
فكّري في شيء يجعلك سعيدة وتذوّقي هذه الفرحة تَرقّباً. وإن لم يكن ينتظرك شيء، فدبّري أمراً ممتعاً. واعزمي: «اليوم سأفعل...»
الذكريات: درعك في وجه التوتّر
إنّ استعادة اللحظات السعيدة تُحسّن مزاجنا على الفور. فالذكريات تتيح لنا أن نعيش من جديد لحظات ثمينة وأن نقاوم التوتّر بشكل أفضل.
وفق كتاب The How of Happiness، فإنّ من يمارسون الترقّب المُفرِح يشعرون باللذّة لمجرّد التفكير في الحدث المنتظَر. فهم يتخيّلون الأحداث المقبلة بسهولة ويستشرفون المستقبل بإيجابيّة.
أمّا اللواتي يُعِدن عيش لحظات الماضي السعيدة فيُنمّين قدرة أكبر على مقاومة التوتّر.
الامتنان: مَلِكة السعادة
لعلّ الامتنان أقوى شعور في صناعة السعادة. فكلّما زاد عرفان المرء، قلّ ما يشعر به من قلقٍ واكتئاب أو حسدٍ أو وحدة.
تطبيق عمليّ: قبل أن تنهضي من الفراش، خذي 5 دقائق للتفكير بـ ASR. هذا الطقس الصغير يتيح لك أن تبدئي يومك على الوجه الأمثل.
2. تذوّقي مشروبك الصباحيّ
فنّ تذوّق المتع الصغيرة
شايٌ أو قهوة، لا يهمّ ما تفضّلين؛ فالمهمّ هو الطقس المرافق له.
استنشقي رائحة مشروبك، وتذوّقيه حقّاً، وخذي وقتك للاستمتاع به تماماً. هذه التجربة، مهما بدت طفيفة، تُنمّي قدرتك على تذوّق كلّ التجارب الحسّيّة في يومك.
3. اسلكي طريق الفرح
الأركان الثلاثة الكونيّة للسعادة
حين نتأمّل الأشخاص السعداء، تتكرّر ثلاثة أنشطة باستمرار: التواصل الاجتماعيّ والعلاقة الحميمة وممارسة الرياضة.
وتتباين مصادر الفرح الأخرى بين شخص وآخر. فبعضهم يجد السعادة حين يسرح ذهنه في أحلام اليقظة، وبعضهم الآخر يفضّل أن يعيش اللحظة الحاضرة بكثافة.
ممارسة الرياضة: مضادّ اكتئاب طبيعيّ
يتمتّع من يتحرّكون بانتظام بصحّة نفسيّة أفضل. فهم أقلّ اكتئاباً وأقلّ غضباً وأقلّ توتّراً وأكثر ثقة.
تطبيق عمليّ: أدرِجي ممارسة الرياضة في روتينك. وكلّما أكثرتِ منها، تحسّنت حالتك النفسيّة.
4. قدّمي خدمة في 5 دقائق فقط
الإيثار الذي يُطيل العمر
خلافاً لفكرة شائعة، ليس المحبوبون والمُحاطون بالناس هم من يعيشون أطول، بل أصحاب الإيثار وحبّ خدمة الغير.
يقترح آدم ريفكين طريقة بسيطة: أن نؤدّي كلّ يوم فعلاً كريماً في أقلّ من 5 دقائق.
لفتات بسيطة ذات آثار هائلة
هذه الأفعال الصغيرة لا تكلّفك شيئاً من وقت أو جهد، وقد تتّخذ شكل:
- تعريف شخصين ببعضهما
- مشاركة مرجع مفيد
- تقديم ملاحظة بنّاءة
- نشر محتوى على مواقع التواصل الاجتماعيّ
إنّه أمرٌ تافه بالنسبة إليك، لكنّه ثمين لمن تلقّى المساعدة. وهو ممتاز لـ«كارما» حياتك: فأنتِ تحصدين ما تزرعين.
5. حوّلي عملك إلى لعبة
الأهداف: وقود السعادة
الأشخاص الذين يرسمون لأنفسهم أهدافاً هم الأسعد. ويؤكّد عالم النفس جوناثان فريدمان ذلك: فمن يُحسِنون تحديد غايات قصيرة وبعيدة المدى ينعمون بازدهار أكبر.
تكشف أبحاث علم الأعصاب التي أجراها ريتشارد ديفيدسون في جامعة ويسكونسن حقيقة مذهلة: فالذين يعملون بجدٍّ لبلوغ هدفٍ يزدادون إيجابيّة كلّما اقتربوا منه. كما يُقلّل هذا التقدّم من المشاعر السلبيّة كالاكتئاب والخوف.
لماذا يجعلنا العمل أكثر سعادة
كثيرون منّا يجدون عملهم مُملّاً، ومع ذلك فإنّ من يعملون أسعد ممّن يبقَون بلا نشاط.
والسبب؟ أنّ التحدّيات تحفّزنا بطبيعتها.
كيف تزدهرين مهنيّاً
فعّلي نقاط قوّتك. حاولي أن تفعلي الأشياء التي تُبدعين فيها، فهكذا تزدهرين أكثر ما يكون.
دوّني تقدّمك. لا شيء يحفّز أكثر من ملاحظة تطوّرك وتسجيل خطواتك.
تذوّقي كلّ انتصار. احتفلي بكلّ هدف تبلغينه، ثمّ اخوضي تحدّيات جديدة.
6. برمِجي لحظاتك الاجتماعيّة
معادلة العلاقات السحريّة
70% من سعادتك تأتي من تفاعلك مع الآخرين. وكما تجدين وقتاً لواجباتك، جِدي وقتاً كذلك لحياتك الاجتماعيّة.
العدد الذهبيّ: 10 أصدقاء
وفق الدراسات المعقّدة لتشايون لين وروبرت بوتنام، فإنّ العدد المثاليّ للأصدقاء هو 10. كوّني مجموعة من 10 أشخاص لتُنمّي إحساساً قويّاً بالانتماء.
تطبيق عمليّ: ادعي أحبّاءك إلى الغداء أو العشاء، وأهديهم هدايا صغيرة. فالمال الذي يُنفَق لإسعاد شخص عزيز يسهم في سعادتك أنتِ.
لكن ابقَي معتدلة: فالكرم دليل نُبل الخُلق، أمّا التبذير فيدلّ على الإهمال.
7. امنحي وجودك معنى
السعادة في مقابل المعنى: مفهومان مختلفان
أن نحيا حياة سعيدة وأن نحيا حياة ذات معنى ليسا الشيء نفسه. فمن الصعب أن نكون سعداء حين تتراكم المشكلات والمآسي.
القوّة المُحوِّلة للمِحَن
ومع ذلك، فإنّ من يعيشون أفضل حياة ليسوا الأكثر سعادة، بل هم من يمنحون معنى لكلّ معاركهم.
وقد عبّر نيتشه عن ذلك خير تعبير: «ما لا يقتلك يجعلك أقوى.»
فالذين تمتحنهم الحياة ويصمدون ينتهي بهم الأمر إلى حال أفضل من الذين يعيشون في بيئات محميّة.
خلاصة العادات السبع لصناعة السعادة
لتصبحي أكثر سعادة في الحياة، رسّخي هذه العادات اليوميّة:
| العادة | التطبيق الملموس |
|---|---|
| 1. استيقظي وفكّري بـ ASR | الترقّب والذكريات والامتنان: 5 دقائق قبل النهوض من الفراش. |
| 2. تذوّقي مشروبك الصباحيّ | استنشاق الشاي أو القهوة وتذوّقه والاستمتاع به تماماً. |
| 3. اسلكي طريق الفرح | الرهان على التواصل الاجتماعيّ والعلاقة الحميمة وممارسة الرياضة. |
| 4. قدّمي خدمة في 5 دقائق فقط | تعريف بين شخصين أو مشاركة مفيدة أو ملاحظة بنّاءة، كلّ يوم. |
| 5. حوّلي عملك إلى لعبة | تفعيل نقاط القوّة وتدوين التقدّم وتذوّق كلّ انتصار. |
| 6. برمِجي لحظاتك الاجتماعيّة | تخصيص وقت لدائرة من نحو عشرة مقرّبين، تماماً كموعد. |
| 7. امنحي وجودك معنى | تحويل كلّ محنة إلى قوّة بدل أن تكون عقبة. |
هذه العادات السبع المُثبَتة علميّاً ستتيح لك أن تصنعي سعادتك يوماً بيوم. فالمهمّ ليس الكمال، بل المواظبة على تطبيقها.