نموّ شخصي

«الهوغا»: العافية على الطريقة الدانماركية

تتصدّر الدانمارك بلدان العالم سعادةً منذ 1973، ومع ذلك يدفع سكّانها أعلى الضرائب في الأرض! فإذا أردتِ أن تكوني «سعيدةً كـدانماركية»، فما عليكِ إلا أن تأخذي بوصفتهم في السعادة: أن تتوقّفي قليلًا، وأن تمارسي «الهوغا» (hygge).

ما «الهوغا»؟

لا تعود كلمة «الهوغا» إلى اللغة الدانماركية، وإنّما إلى النرويجية، حيث تدلّ على ما يشبه «العافية». ثمّ ظهرت أوّل مرّة في الكتابات الدانماركية في أواخر القرن الثامن عشر تقريبًا، فاحتضنها الدانماركيون في ثقافتهم من فورهم.

وهي فنّ العيش الدانماركي، يليق بالشتاء أكثر من أيّ فصلٍ آخر، ويمزج الدعة والأمان والحميمية والأصالة بلمسةٍ من حنينٍ مبتهج. فالكلمة تسمّي العافية الخاصّة بهذا الوقت من السنة: عافيةَ البيوت المريحة التي تضيئها الشموع، ودفءَ الخشب، والحمّام، وثياب الصوف، والوصفات الصحّية… بل هي صيغةٌ أرقى وأكثر انفتاحًا من «الكوكونينغ» (cocooning) الأنغلوساكسوني، إذ تُذاق فيها بحقٍّ بساطةُ اليوم العادي، ويُذاق معها الناسُ من حولنا.

وإليكِ أمثلةً من المواقف «هوغالي» (hyggelig) — وهي الصفة المنسوبة إلى الهوغا:

  • شيُّ الكستناء في موقد المدفأة
  • جنيُ الفاكهة في حديقة الجدّة، ثمّ صنعُ المربّى معها
  • المشيُ في الغابة، والتوقّفُ في فسحةٍ بين الأشجار لنزهةٍ بالطعام
  • مشاهدةُ أفلام هاري بوتر بثياب النوم عشيّةَ عيد الميلاد
  • الاحتماءُ في مقهًى صغير والمطر ينهمر في الخارج
  • تناولُ حساء القرع المصنوع في البيت مع قطع الخبز المحمّص
  • إعدادُ فطيرة التفّاح لوجبة العصر
  • تركيبُ أحجية الصور أو لعبةُ مونوبولي مع الأهل
  • النومُ بين ملاءاتٍ نظيفة بعد حمّامٍ ساخن
  • قراءةُ رواية…

أركان «الهوغا»

وقتٌ لكِ وحدكِ

تُبطئين الخطو، وتمنحين نفسكِ وقتًا لتذوّق الحياة، وتتعلّمين الصبر، بل تتعلّمين الملل أيضًا. فمن العسير جدًّا، في مجتمعنا، ألّا يلاحقكِ الشعور بالذنب حين «لا تفعلين شيئًا». غير أنّ هذه اللحظات ثمينة: فيها تحلمين، وفيها تستريحين، وفيها تلتقطين أنفاسكِ.

الانتباه إلى المسرّات الصغيرة

قد يبتلعنا الروتين أحيانًا حتى ننسى أن نفرح بما بين أيدينا. فحاولي أن تلاحظي جمال ما يحيط بكِ: ضوءَ آخر النهار، ورفًّا مرتّبًا، وسجّادةً ناعمة تحت القدمين، وقطّةً تخرخر… واشكري ما لديكِ. أما تنمية هذا الامتنان فتمرّ بدفترٍ صغير: إذا جعلتِ لنفسكِ تحدّيًا بتدوين 5 مسرّاتٍ صغيرة كلّ يوم، لم تعد تفوتكِ واحدة.

تنميةُ البساطة والأصالة

تجدين «الهوغا» في اللحظات لا في المقتنيات. فلا حاجة إذن إلى إثقال البيت بالفائض — على أنّ هذا لا يعني حياةَ الزهد والتقشّف. أما في «الهوغا» فالكيف يسبق الكمّ: العلاقاتُ الصادقة الطبيعية الودود إحدى ركائز السعادة الدانماركية.

العيشُ في اللحظة الحاضرة

أن تفعلي شيئًا واحدًا في المرّة الواحدة، بحضورٍ تامّ، يعينكِ على تذوّق الجميل في كلّ أمر. فـ«الهوغا» قائمةٌ أيضًا على قبول ما يأتي من الخارج، وفي مقدّمته الطقس السيّئ: لنعش على إيقاع الفصول، ولنتأقلم مع تقلّبات الحياة! ثمّ إنّها لا توجد إلا بالتضادّ مع لحظاتٍ أقلّ لطفًا — نارُ المدفأة حين يشتدّ البرد، وحمّامٌ بعد يومٍ في الخارج، وقطعةُ حلوى شهيّة بعد ساعاتٍ في المطبخ… وكما يقال: بعد الجهد تأتي الراحة!

كيف تنجح لحظة «الهوغا»؟

كوني على طبيعتكِ

طبيعتكِ الحقيقية أنتِ. أنزلي دفاعاتكِ. فلن يهاجمكِ أحدٌ في «الهوغا»، ولن تضطرّي إلى ردّ الهجوم. وحين نكفّ عن محاولة إثبات شيء، نتّصل بالآخرين اتّصالًا أصدق بكثير.

دعي الجدل جانبًا

إن كان الموضوع الذي تطرحينه جادًّا أكثر من اللازم، أو مثيرًا للانقسام والجدل، فالأرجح أنّه لا يناسب «الهوغا»، التي تترجم نفسها في تدفّقٍ متوازن للحديث ومجرًى مرحٍ له. فالشكوى والسلبية والحكم على الناس والمحاجّة، لا مكان لها في فضاء «الهوغا».

اعتبري نفسكِ فردًا من الفريق

ينظر كلٌّ منّا في ما يستطيع تقديمه من إسهام، دون أن يُطلب منه ذلك. فبهذا لا يقع العبء كلّه على شخصٍ واحد: حين يعمل الجميع معًا في الإعداد والتقديم والحديث، تتفتّح «الهوغا» على أتمّها.

«الهوغا» ملاذٌ من ضجيج الخارج

يقصد وقت «الهوغا» إلى أن يمنحكِ ملاذًا موقّتًا من إكراهات العالم الخارجي: الصعودِ الاجتماعي، ونسجِ العلاقات، والمنافسة، والنزعة المادّية. فهو مكانٌ يسترخي فيه كلّ واحد ويفتح قلبه بلا حكم، مهما يكن ما يجري في حياته.

تذكّري أنّه وقتٌ محدود

قد تصعب ممارسة «الهوغا» على من ليس دانماركيًّا: فلا أحد يسعى إلى أن يكون مركز الانتباه، ولا أحد يتباهى أو يشكو، والكلّ يحاول أن يكون حاضرًا دون مشاحنة… أما إذا تذكّرتِ أنّ الأمر لا يتجاوز عشاءً أو غداءً أو مدّةً محدودة، فسيصير الاستمتاع به أيسر بكثير.

«الهوغا» لا تُترجَم؛ إنّما تُعاش — فنّ العيش الدانماركي الذي يمزج الدعة والأمان والحميمية والأصالة، بلمسةٍ من حنينٍ مبتهج.

أسئلة شائعة

من أين جاءت كلمة «الهوغا»؟
جاءت من اللغة النرويجية، حيث تدلّ على «العافية»؛ ثمّ ظهرت في الكتابات الدانماركية في أواخر القرن الثامن عشر، فتبنّتها ثقافتهم من فورها.
هل تشبه «الهوغا» الكوكونينغ؟
هي صيغةٌ منه أرقى وأكثر انفتاحًا: فيها تُذاق بساطةُ اليوم العادي، ويُذاق معها الناسُ من حولنا، لا الراحةُ المادّية وحدها.
ما الفخّ الأكبر الذي يفسد لحظة «الهوغا»؟
الجدل. فالمواضيع التي تقسم الناس، والشكاوى، وأحكام القيمة، تكسر روح «الهوغا» القائمة على تدفّقٍ متوازن ومرحٍ للحديث.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب