كيف تتميّزين بدءًا من سنّ الثلاثين؟ يشغل هذا السؤال كثيرين، سواء نبع من تخوّفٍ أو من عزمٍ على عيش حياةٍ مزدهرة ومسؤولة.
فقد سأل المدوّن مارك مانسون قرّاءه الذين تجاوزوا السابعة والثلاثين، في عيد ميلاده الثلاثين، عن النصيحة التي كانوا سيسدونها إلى أنفسهم في الثلاثين. وقد لُخّصت أكثر من 600 إجابة في عشرة دروس: تأمين المال، وحفظ الصحّة، واختيار العلاقات، والجرأة على المخاطرة، ورعاية العائلة، وقبول الذات.
أصلُ هذه الحكمة الجماعية
مارك مانسون مدوّنٌ أتابعه منذ زمن. فأنا أحبّ خفّة قلمه وسهولة تعبيره. وكانت كتاباته في البداية موجّهةً إلى الرجال، تتناول في الغالب نصائح الغزل.
وبينما كان يمارس مهنته، أدرك أنّ المشكلة ليست في معرفة التقنية التي تجعل الرجل محبوبًا لدى النساء. فقد فهم أنّ «الحيل» لا تصنع حلولًا تدوم، وأنّ العمل على الذات وحده يأتي بنتائج ذات قيمة. ومن هناك بدأ يتناول مسائل العمق.
فتبدّل جمهوره، واهتمّت نساءٌ بما يكتب. وأشاركُكِ هنا مقالًا كتبه في عيد ميلاده الثلاثين، أراه جديرًا بالقراءة حقًّا.
تحقيقٌ في الحكمة
كان قد بعث برسالةٍ إلكترونية إلى قرّائه جميعًا، يسأل من تجاوزوا السابعة والثلاثين عن النصيحة التي كانوا سيسدونها إلى أنفسهم في سنّ الثلاثين. والفكرة إذن أن يكتب مقالًا يقوم على الحكمة الجماعية لقرّائه، ثمّ يشاركها.
فوصلته أكثر من 600 إجابة. وبتصفّحها أدرك أنّ مضمون كثيرٍ منها متشابه. ومن ثمّ لخّص ما قرأ ورتّبه في عشر نقاط. أما بعض المشاركين فآثروا البقاء مجهولين، وآخرون شاؤوا أن يشاركوا تجاربهم كاملة.
الدروس العشرة في نظرةٍ واحدة
| الدرس | الخلاصة |
|---|---|
| 1. الادّخار منذ اليوم | تسديد الديون في أقرب وقت، وتكوين صندوق طوارئ، وادّخار 5 إلى 10 % من الأجر كلّ شهر. |
| 2. العناية بالصحّة الآن، لا غدًا | أكلٌ متوازن، ونومٌ جيّد، ورياضة: أثر عاداتنا في الجسد تراكميّ، ولا يظهر إلا متأخّرًا. |
| 3. عدم إضاعة الوقت مع من لا يجعلون الحياة أفضل | تعلّم قول «لا» للأشخاص والالتزامات التي لا تضيف قيمة، ورسم حدودٍ أسلم. |
| 4. اللطف مع من نحبّ | الحضور إلى جانب المقرّبين، خاصّةً في لحظات حياتهم الصعبة. |
| 5. استحالة نيل كلّ شيء، والتركيز على أهدافٍ قليلة | قبول أنّ المرء لا ينال كلّ شيء، والتركيز على أهدافٍ قليلة، وقبول ما يقتضيه ذلك من تضحيات. |
| 6. الجرأة والمخاطرة: مجرى الأمور يظلّ قابلًا للتغيير | عدم الخوف من البدء من جديد: أكبر الندم يتعلّق دائمًا تقريبًا بما لم يُجرَّب. |
| 7. مواصلة النموّ والتفكير في التحسّن | مواصلة التكوين والقراءة والتقدّم بدل التوقّف عند العشرين: تكوين، أو ريادة أعمال، أو روحانية، أو تأمّل. |
| 8. التسليم بأنّ المرء لا يعرف تمامًا ما يفعل | قبول أنّه لا يمكن تخطيط كلّ شيء ولا ضبطه: لا أحد يملك سيطرةً تامّة على مجرى حياته. |
| 9. تخصيص وقتٍ للعائلة: الأمر يستحقّ | قضاء الوقت مع الوالدين ما دام الوقت متاحًا، والنظر بجدّية في مسألة الإنجاب. |
| 10. اللطف مع النفس واحترام الشخص الذي نحن عليه | حبّ الذات منذ الآن، وتنسيب المشكلات التي لن يكون لها وزن بعد 5 أو 10 سنوات. |
1. الادّخار منذ اليوم
إعداد التقاعد الآن، لا غدًا
«عشتُ العشرينات في غفلة. غير أنّ الثلاثينات فترةٌ ينبغي أن تركّزي فيها على وضعكِ الماليّ. فالتخطيط للتقاعد ليس ممّا يُؤجَّل. ومن المهمّ أن تفهمي تفاصيل تبدو لكِ مملّة كالادّخار والتأمين والرهن العقاري، وأن تلتزمي منذ الآن. فاستعلمي وباشري الإجراءات اللازمة.»كاش، 41 عامًا
هذه النصيحة أكثر ما تكرّر. فقد ظهرت في كلّ رسالةٍ تقريبًا. وكانت لها بعض الصيغ المتنوّعة:
سدّدي كلّ ديونكِ في أقرب وقتٍ ممكن.
واحتفظي بـ«صندوق طوارئ» لأنّ أحدًا لا يعلم ما تخبّئه الحياة. فقد كثرت الشهادات عن المتاعب الصحّية التي قد تطرأ، وعن الملاحقات القضائية، والانفصالات العاصفة والطلاق، والصفقات الخاسرة، وغيرها.
وادّخري كلّ شهر. اقتطعي من 5 إلى 10% من أجركِ وضعيها في حسابٍ للادّخار.
ولا تنفقي في العبث ولا تلتزمي ماليًّا بما لا تقدّرين مداه. فلا تشتري بيتًا إلا إن كنتِ قادرةً على قرضٍ عقاريّ جيّد بنسبة سدادٍ في المتناول.
ولا تستثمري في شيءٍ لا تفهمينه.
شهاداتٌ عن المديونية
يقول أحد القرّاء:
«إن تجاوز دَينكِ 10% من أجركِ السنويّ الخام، فثمّة مشكلة. أوقفي النفقات، وسدّدي ديونكِ، وابدئي الادّخار. فإن مضيتِ على هذا المنوال، خشيتِ أن ينقطع نفَسكِ وأن يغمركِ الأمر.»
ويقول آخر:
«لو عاد بي الزمن، لوضعتُ في صندوق الطوارئ مالًا أكثر. فالنفقات غير المتوقّعة أجهزت على ميزانيتي حقًّا. ولكنتُ أحوط لتقاعدي، إذ يبدو لي اليوم ضئيلًا جدًّا.»
وكثرت جدًّا الشهادات عن انقلاب الأحوال. فالحيطة وبُعد النظر خيرٌ من الوقوع في فخّ وضعٍ تفرضه علينا ظروف الحياة.
وبعثت امرأةٌ برسالةٍ تقول إنّها كانت في الثلاثين أمًّا لطفلين، وأجرها زهيد. فألزمت نفسها أن تضع كلّ سنةٍ جزءًا من دخلها في صندوق تقاعد. وهي اليوم، في الخمسين، مستقرّةٌ ماليًّا وتعيش في يُسر.
2. العناية بالصحّة الآن، لا غدًا
«يشيخ عقلكِ أبطأ من جسدكِ بعشر سنوات إلى خمس عشرة. وتتدهور صحّتكِ أسرع ممّا تظنّين، وعلى نحوٍ يصعب عليكِ ملاحظته.»توم، 55 عامًا
لا جديد في هذه النقطة. فكلّنا نعرف قيمة الأكل المتوازن والنوم الجيّد والرياضة. غير أنّها، كسابقتها، تُجمع عليها كلمة من سبقونا: الآن يحدث الأمر.
الأثر التراكميّ في جسدكِ
لطريقتكِ في معاملة جسدكِ أثرٌ تراكميّ. ولا تلاحظينه، لأنّكِ ما تزالين شابّة ولأنّ آثار تلك المعاملة لم تظهر بعد. فجسدكِ لا يتعطّل فجأة. بل يتدهور شيئًا فشيئًا. أما الثلاثينات فهي الفترة المثلى لإبطاء تراجع صحّتكِ.
وليست هذه نصائح أمّهاتنا أو صديقاتنا عن كيفية حفظ الرشاقة. فهي نصائح ناجين من سرطانٍ أو من جلطةٍ دماغية، ومصابين بالسكّري أو بارتفاع ضغط الدم. وقد قال هؤلاء جميعًا الشيء نفسه:
«لو عاد بي الزمن، لأكلتُ أفضل، ولمارستُ الرياضة أكثر، ولما توقّفتُ. ولما التمستُ لنفسي الأعذار تبريرًا لغفلتي. غير أنّني لم أكن أعرف قيمة تلك التفاصيل.»
3. عدم إضاعة الوقت مع من لا يجعلون حياتكِ أفضل
«تعلّمي أن تقولي «لا» للأشخاص والأنشطة والالتزامات التي لا تضيف إلى حياتكِ شيئًا.»هايلي، 37 عامًا
هذه ثالثُ أكثر النصائح تكرارًا. فلو عاد بهم الزمن، لفرض من سبقونا حدودًا أشدّ في حياتهم، ولمنحوا مَن يعزّون عليهم وقتًا أوفر.
«رسمُ حدودٍ أسلم وتخومٍ أشدّ هو، بلا شكّ، من أجمل ما تُهدينه من حبٍّ لنفسكِ وللآخرين.»كريستن، 43 عامًا
وما معنى ذلك عمليًّا؟
«ألّا تحتملي من يسيء معاملتكِ. وانتهى الأمر. فلا تحتمليه لأسبابٍ مالية. ولا لأسبابٍ عاطفية. ولا حبًّا في أبنائكِ، ولا لأنّ ذلك أيسر وأبسط.»جين، 52 عامًا
«ألّا ترضي بأصدقاء متوسّطين، ولا بعملٍ متوسّط، ولا بحبٍّ متوسّط، ولا بعلاقاتٍ متوسّطة، فتنتهي إلى حياةٍ متوسّطة.»شون، 43 عامًا
«ابتعدي عن التعساء وعن مصّاصي المشاعر… فهم يُنهكونكِ ويستنزفون طاقتكِ ويأكلونكِ.»غابرييلا، 43 عامًا
«أحيطي نفسكِ بمن يُخرجون أفضل ما فيكِ وعاشريهم، بمن يُلهمونكِ أن تصيري نسخةً أفضل من نفسكِ.»زوتشي
صعوبةُ الحدود
يجد الناس عمومًا عناءً في مسألة التخوم والحدود، لأنّهم لا يريدون جرح مشاعر غيرهم. بل يظنّون أحيانًا أنّ في وسعهم تغيير الآخر وحمله على معاملتنا كما نحبّ. وذلك لا ينجح أبدًا. وتكون النتيجة في الغالب أسوأ من نقطة البداية.
وكتبها أحد القرّاء هكذا:
«الأنانية والمصلحة الشخصية شيئان مختلفان. فأحيانًا، يقتضي اللطفُ قسوةً.»
في العشرين، يبدو العالم أرضًا تُفتَح. فتجربتنا في الحياة قليلة، ونتعلّق بكلّ من نلقاه، ولو لم يستحقّ تعلّقنا. غير أنّنا في الثلاثين نبدأ ندرك أنّ العلاقات الجيّدة صعبةُ المنال، وليست مستحيلة النسج. ومن ثمّ فلا سبب يدعو إلى إحاطة النفس بمن لا يعينوننا في طريق حياتنا.
4. اللطف مع من نحبّ
«كوني حاضرةً لأصدقائكِ. فأنتِ مهمّةٌ لهم. وحضوركِ مهمٌّ لهم.»جيسيكا، 40 عامًا
وإلى جانب مسألة الحدود، يحضّنا قرّاء كثيرون على قضاء وقتٍ أوفر مع الأصدقاء والعائلة ومن نودّ إبقاءهم قريبين.
«أظنّني حسبتُ علاقاتي أحيانًا مكسبًا لا يزول. غير أنّ من يرحل لا يعيده شيء. وكلّما تقدّمنا في العمر، رحل عنّا أحبّةٌ أكثر، وذلك أمرٌ محزن. ويصيب هذا حتى من هم قريبون منكِ.»إد، 45 عامًا
«انعمي بحضور المقرّبين منكِ ما استطعتِ. فالمال يُستردّ، والعمل يُستبدَل. غير أنّ الزمن لا رجعة فيه أبدًا.»آن، 41 عامًا
الحضور في اللحظات الصعبة
«تنزل فواجع الحياة بالجميع ولا تستثني أحدًا. فإذا وقعت من حولكِ، كوني أنتِ من يُعتمد عليه. وبين الثلاثين والأربعين تُتلقّى أقسى الضربات. وهناك يبدأ المرء يدرك أنّ «ذلك» لا يصيب الآخرين وحدهم. فالآباء يموتون، والأزواج يموتون، والأصدقاء يتطلّقون، والشركاء يخونون… والقائمة طويلة. أما إعانة من يمرّ بلحظةٍ صعبة، بالحضور وبالإصغاء وحده، دون حكم، فشرفٌ يعمّق علاقاتكِ على نحوٍ لا تتصوّرينه.»ريبيكا، 40 عامًا
5. لمّا استحال نيل كلّ شيء، التركيز على أهدافٍ قليلة
«الحياة مقايضة. فلا بدّ أن تعطي شيئًا لتنالي شيئًا آخر. وتلك حقيقةٌ يجب قبولها.»إلدري، 60 عامًا
«كلمةٌ واحدة: التركيز. فبإمكانكِ أن تُنجزي في الحياة أكثر إن ركّزتِ على أمرٍ واحد وأتقنتِه. والمسألة كلّها تركيزٌ على شيءٍ واحد في كلّ مرّة.»إريكسون، 49 عامًا
ويقول قارئٌ آخر:
«عليكِ أن تقبلي أنّكِ لا تستطيعين كلّ شيء. فتحقيق شيءٍ استثنائيّ في الحياة يقتضي تضحياتٍ كثيرة.»
العثور على الدرب الحقّ
شدّد قرّاء كثيرون على أنّ كثيرين يختارون مسارهم المهنيّ اعتباطًا في آخر المراهقة أو أول العشرينات. فكحال معظم اختيارات تلك المرحلة، تُتّخذ قراراتٌ خاطئة وتُعقد التزاماتٌ سيّئة.
ويلزم المرءَ سنواتٌ ليفهم ما يُحسنه، وما يحبّ فعله حقًّا، وما هو موهوبٌ فيه فعلًا. فأن نفهم مواطن قوّتنا ونجتهد في تنميتها خيرٌ من عملٍ ناقص.
«كنتُ أقول لمن كنتُها في الثلاثين أن تضع جانبًا ما يظنّه الآخرون بي، وأن تحدّد مواطن قوّتي وما يشغفني، لتبني حياتها حول ذلك.»سارة، 58 عامًا
ويعني ذلك عند بعضهم مخاطراتٍ كبيرة. حتى في الثلاثين وما بعدها. فقد يعني تغيير مسارٍ مهنيّ بُني في سنوات، والتضحية بمالٍ جُمع، ونسيان الراحة… وهو ما يقودنا إلى…
6. الجرأة والمخاطرة: مجرى الأمور يظلّ قابلًا للتغيير
«مع أنّ المرء في الثلاثين يُظنّ به أن يكون مستقرًّا في مساره، فليس البدء من الصفر متأخّرًا أبدًا. وأشدّ من أعرفهم ندمًا هم الذين بقوا في مناصب لا تناسبهم. فالأيام تصير أسابيع، والأسابيع تصير سنوات. وذات يومٍ يستيقظ المرء في الأربعين على أزمةٍ وجودية، لأنّه لم يحاول حلّ مشكلةٍ كان يدركها منذ عشر سنوات.»ريتشارد، 41 عامًا
عدم الرضوخ لقالبٍ اجتماعيّ مفروض
علّق قرّاء كثيرون على طريقة المجتمع في إملاء سلوكنا. ففي الثلاثين، يُفترض بنا أن ندخل قالبًا يشمل مسارنا المهنيّ وحالتنا المدنية ووضعنا الماليّ. غير أنّ عشرات وعشرات القرّاء يرجوننا ألّا ندع المجتمع يفرض علينا دورًا بحجّة أنّنا راشدون.
«أوشكتُ على الحادية والأربعين، وأودّ أن أقول لمن كنتُها في الثلاثين ألّا تجاري القطيع، وألّا تُخضع حياتها لمثالٍ اجتماعيّ لا تؤمن به. فأن تعيشي حياتكِ خيرٌ من أن تحاولي النجاة منها. ولا تخافي هدم كلّ شيء، فإعادة البناء لكِ وحدكِ.»ليزا، 41 عامًا
شهاداتٌ عن تغيير المسار المهنيّ
يقول قرّاء كثيرون إنّ تغيير المسار المهنيّ في الثلاثينات كان من أفضل قراراتهم. وحين حدّثتُ أمّي في الأمر، قالت لي:
«بعد كلّ هذه السنوات، وددتُ لو كانت لي جرأة الخروج عن الدروب المطروقة. فقد كنّا، أنا وأبوكِ، نحسب أنّ علينا تنفيذ الخطّة «أ» ثمّ «ب» ثمّ «ج» وهكذا. غير أنّني حين أفكّر اليوم، لا أجد ما كان يُلزمنا بذلك الترتيب ولا بتلك الطريقة. وكان تصوّرنا لما ينبغي أن تكون عليه حياتنا ضيّقًا، وفي نفسي شيءٌ من الندم.»
«يكفي أن يقلّ الخوف. خوفٌ أقلّ. خوفٌ أقلّ. وسأبلغ الخمسين العام المقبل، وما بدأتُ أستوعب هذا الدرس إلا الآن. فقد رهن الخوف الذي كان فيّ زواجي ومساري وحياتي وصورتي عن نفسي رهنًا سلبيًّا شرسًا. وكنتُ أُعلي كثيرًا من شأن ما قد يظنّه الآخرون بي. وكنتُ أخشى الفشل أكثر ممّا ينبغي. وكنتُ أسائل نفسي دائمًا عمّا قد تكون عليه النتيجة. ولو أُعيدت حياتي، لخاطرتُ أكثر.»عايدة، 49 عامًا
7. مواصلة النموّ والتفكير في التحسّن
«لديكِ موردان لا يُستردّان متى ضاعا: جسدكِ وعقلكِ. فأكثر الناس يكفّون عن النموّ وعن العمل على أنفسهم في العشرين. وأكثر من هم في الثلاثينات أشغل من أن يهتمّوا بتحسين أنفسهم. غير أنّكِ إن كنتِ من أولئك القلائل الذين يواصلون التكوين وتغذية تفكيرهم والتطوّر والعناية بصحّتهم الجسدية والنفسية، فستسبقين ركب الأربعينيّين بسنواتٍ ضوئية.»ستان، 48 عامًا
الاستثمار في تنمية الذات
ومعنى ذلك أنّ من أراد التغيير في ثلاثيناته عليه أن يشتغل على نفسه ليتحسّن وينمو. وقد أكّد لي قرّاء كثيرون أنّ العودة إلى الجامعة بعد الثلاثين من أفضل ما اختاروه في حياتهم.
فذكر بعضهم دوراتٍ وندواتٍ منحتهم شوطًا من التقدّم على غيرهم. وتحدّث آخرون عن خطواتهم الأولى في ريادة الأعمال أو عن سفرهم إلى الخارج. أما غيرهم فاتّجهوا إلى إيقاظ روحانيتهم، أو تابعوا علاجاتٍ نفسية، أو شرعوا في التأمّل.
«الهدف الأول: السعي إلى أن تصيري إنسانةً أفضل، وشريكةً أفضل، ووالدةً أفضل، وصديقةً أفضل، وزميلةً أفضل، وهكذا. وبعبارةٍ أخرى: النموّ بوصفكِ فردًا.»أيميليا، 39 عامًا
8. التسليم بأنّكِ لا تعرفين تمامًا ما تفعلين
«ما لم تكوني ميّتة — ذهنيًّا ووجدانيًّا واجتماعيًّا — فلن تستطيعي استباق حياتكِ خمس سنواتٍ قادمة. فالمستقبل لا يأتي أبدًا كما تصوّرتِه ولا في الصورة التي رسمتِها له. والمهمّ أن يتوقّف ذلك. أن يتوقّف هوس ضبط كلّ شيء. وهوس التخطيط المسبق لكلّ شيء. أن يتوقّف الهاجس بما يجري الآن. فلا أحد يملك سيطرةً تامّة على مجرى حياته. وعندئذٍ تستطيعين اقتناص كلّ فرصةٍ تلوح لكِ، ولو لم تكن مبرمجة، لأنّ ليس لديكِ ما تخسرينه. فأنتِ لا تخسرين ما لم تملكيه قطّ.»توماس، 56 عامًا
قبول ما في الحياة من لا يقين
«أكثر ما يبدو لكِ اليوم جوهريًّا سيبدو لكِ زائدًا وقليل الشأن بعد عشر سنواتٍ أو عشرين. وذلك طبيعيّ. فاسمه النضج. ويكفي أن تجتهدي في ألّا تأخذي نفسكِ على محمل الجدّ دائمًا، وأن تنفتحي على الحياة أكثر.»سيمون، 57 عامًا
«مع أنّ المرء يحسب نفسه في العشرين لا يُقهر، فلا سبيل له إلى معرفة ما يخبّئه الغد. ولا أحد يقدر على ذلك، مهما بدا واثقًا في كلامه. وذلك مربكٌ لمن يحاولون تخطيط كلّ شيء سلفًا، ومحرِّرٌ تمامًا لمن يدركون أنّ الأمور تتبدّل. وأخيرًا، تمرّ بنا في حياتنا لحظاتٌ حزينة حقًّا. فلا تسعي إلى تخفيف الألم ولا إلى كبته. فالألم جزءٌ من حياة كلّ إنسان، وشاهدٌ على قلبٍ مفتوح شغوف. أكرمي ذلك. وقبل كلّ شيء، كوني لطيفةً مع نفسكِ ورفيقةً بالآخرين. فعلى هذا الدرب يصير المرء أفضل.»برو، 38 عامًا
التواضع أمام التعلّم المستمرّ
«بلغتُ الرابعة والأربعين. وأودّ أن أقول لمن كنتُها في الثلاثين إنّ المرء يظلّ يُخطئ حتى في الأربعين. فإلى نسختي ابنة الثلاثين: كُفّي عن أخذ نفسكِ على محمل الجدّ، وانزلي عن صهوة الكِبْر. فما تزال أشياء كثيرة تجهلينها. وذلك خيرٌ لكِ.»شيرلي، 44 عامًا
9. تخصيص وقتٍ للعائلة: الأمر يستحقّ
«امنحي والديكِ وقتًا أوفر. فقد صرتِ راشدة، وتبدّلت العلاقة، ولا يعود إلا إليكِ أن تعيدي تعريف ما بينكما. وسيظلّان يريانكِ طفلةً، إلى أن تُثبتي لهما أنّكِ صرتِ إنسانةً راشدة. الكلّ يشيخ. والكلّ يموت. فانعمي بما بقي لكِ من وقتٍ لتُصلحي ما بينكِ وبين عائلتكِ.»كاش، 41 عامًا
وقد غمرتني الملاحظات كلّها عن العائلة، وقوّةُ ما قيل فيها.
تحمّل المسؤولية
«كبرتِ على أن تعاتبي والديكِ على ما تشكينه اليوم من نقص. ففي العشرين يمرّ الأمر، أما في الثلاثين فيجب أن تبدئي بالتسليم وأن تتعلّمي العيش مع ذلك.»
مسألة الإنجاب
وثمّة بالطبع مسألة الأبناء.
«لا وقت لديكِ. ولا مال. وعليكِ التفكير في مساركِ… آه، كفى من هذا! فالأطفال رائعون. وهم يجعلونكِ أفضل بكلّ معنًى ممكن ومتخيَّل. إذ يدفعونكِ إلى أقصى حدودكِ. ويمنحونكِ السعادة. فلا ينبغي أن تُرجئي مجيء طفل. وإن كنتِ في الثلاثين، فقد آن أوان التفكير الجادّ في الأمر. ولن تندمي.»كيفن، 38 عامًا
«لم أكن أنوي الإنجاب. لأسبابٍ أنانية محضة، وهي أغبى نيّةٍ عرفتُها في حياتي. فلا شيء أكثر إثراءً من طفل، ولا أشدّ تحفيزًا.»ريتش، 44 عامًا
10. اللطف مع النفس واحترام الشخص الذي أنتِ عليه
«فكّري في نفسكِ، واصنعي لكِ شيئًا كلّ يوم، وشيئًا مختلفًا كلّ شهر، وشيئًا خارجًا عن المألوف كلّ سنة.»نانسي، 60 عامًا
وهذه النقطة، وإن لم تكن الأهمّ، حضرت دائمًا في مكانٍ ما من الإجابات التي وصلتني. ويكاد الجميع يتّفقون على ما يلي:
«الحياة قاسية، وإن لم تتعلّمي حبّ نفسكِ اليوم، عسر عليكِ أن تتعلّميه فيما بعد.»
نسبيّةُ المشكلات
«حين تواجهين مشكلة، اسألي نفسكِ: أسيكون لها وزنٌ بعد 5 سنوات؟ وبعد 10؟ فإن كان الجواب لا، فلا تمنحيها أكثر من دقائق، ودعيها تمضي.»إلدري، 60 عامًا
وتعلّم قرّاء كثيرون درسًا من الحياة: أن تُقبل الحياة كما هي، على كلّ ما فيها من عيوب. وهو ما يقودني إلى مارتن، آخر من سأنقل عنه:
حكمةٌ تأتي مع العمر
«حين بلغتُ الأربعين، قال لي أبي أن أنعم بالحياة حقًّا؛ ففي العشرين يظنّ المرء أنّه يعرف كلّ شيء ويفهم كلّ شيء، وفي الثلاثين يبدأ يدرك أنّ الأمر ليس كذلك تمامًا، وفي الأربعين يأخذ الأمور بفلسفة، ويسترخي، ويقبل الأشياء كما تأتي. فأنا اليوم في الثامنة والخمسين، وقد كان أبي على حقٍّ تمامًا.»مارتن، 58 عامًا
خلاصة: الحكمة الجماعية في خدمتكِ
تذكّرنا هذه الدروس العشرة، المستخلَصة من أكثر من 600 شهادة، بأنّ الثلاثينات منعطفٌ حاسم. فهي اللحظة المثلى لوضع أسسٍ متينة: مالية وعلائقية ومهنية وشخصية.
وفي النهاية، تعلّمنا هذه النصائح حقيقةً جوهرية: لا يفوت الأوان أبدًا لتغيير الوجهة، ولا يبكّر أبدًا للبدء في إحسان الصنع. أما حكمة من عاشوا هذه التجارب فتُضيء لنا الاختيارات التي تعنينا حقًّا.
المصدر: http://markmanson.net