يستثمر العلاج بالمناخ، ويُسمّى أيضًا الاستشفاء بالمرتفعات، خيرات المناخ الطبيعية في معالجة أمراضٍ شتّى. وتظهر نجاعة هذه المقاربة العلاجية خصوصًا أمام أمراض الحساسية كالربو وبعض التهابات الجهاز التنفّسي. فعلى المرتفعات يصفو الهواء وتختفي مسبّبات حساسيةٍ كثيرة اختفاءً طبيعيًّا.
العلاج بالمناخ: حين يشفي الارتفاع
تسند دراساتٌ علمية هذه المقاربة. فقد أثبتت تحسّنًا ملحوظًا في اضطرابات التهوية الانسدادية، وتراجعًا في فرط تفاعل القصبات وفي مؤشّرات الالتهاب أثناء الإقامة على المرتفعات. أما العامل الأول في هذا التحسّن فهو تقلّص مسبّبات الحساسية. ثمّ إنّ هذه الحصص تنطوي على رعايةٍ شاملة تضمّ التربية العلاجية وإعادة التأهيل على المجهود.
مراكز مختصّة في أنحاء العالم
تقدّم مراكز مخصّصة في أنحاء العالم حصصًا علاجية كاملة لمختلف أنواع الربو: المتعدّد التحسّس، والعدوائيّ، وربو المجهود، وربو الأطفال. كما تعالج هذه المؤسسات أمراضًا أخرى كفقر الدم المنجلي والصدفية.
ويظلّ مركز البحر الميت في الأردن المرجعَ العالميّ. فهذا العلاج يقتضي إقامةً مؤقتة أو دائمة في الموقع حتى تُجنى آثاره العلاجية كاملة. وفي كلّ سنة يقصده آلاف المرضى بتوصيةٍ طبية. فينالون بذلك واحدًا من أنجع العلاجات المتاحة.
وللبحر الميت خصائص لا تشبه سواها. فلمّا كان أخفض نقطةٍ على وجه الأرض، ارتفع فيه الضغط الجزئي للأكسجين. أما هذه الخصوصية فتعود بنفعٍ عظيم على المصابين باضطرابات التنفّس. ثمّ إنّ لضوء الشمس الخاصّ في هذه المنطقة فضائل علاجية. وأخيرًا، تقوم على مياهه وأطيانه الغنية بالأملاح والمعادن عناياتٌ جلدية احترافية كثيرة.
للقراءة أيضًا: العلاج بالطبيعة، العودة إلى الطبيعة التي تخفّف الضيق والاكتئاب
العلاج بالمناخ في تونس: طاقةٌ لم تُستثمر
وعلى الرغم من اعتراف الطبّ بفوائد العلاج بالمناخ، لا يوجد مركزٌ مختصّ في تونس. غير أنّ الأستاذ زهير الكلاّل (Zouhair Kallel) كان قد فكّر في إنشاء مركزٍ من هذا القبيل في مطلع التسعينات بمنطقة سيدي حميدة، من ولاية سليانة. فلم يُكتب لهذا المشروع الواعد أن يرى النور، وذلك أمرٌ يُؤسف له.
سيدي حميدة: كنزٌ علاجيّ طبيعيّ
تحتضن سيدي حميدة، وهي قريةٌ صغيرة معلّقة على مرتفعات جبل السرج، مناخًا علاجيًّا استثنائيًّا. فهذه الوجهة الطبيعية تخفّف الحساسية وأمراض الجهاز التنفّسي تخفيفًا ناجعًا. أما محيطها المصون، الخالي من التلوّث الحضريّ والصناعيّ، فثروةٌ وطنية حقيقية لم تُستثمر.
ويمكن لمركز علاجٍ بالمناخ في سيدي حميدة أن يستقبل صنفين من المرضى:
- المصابون بأمراض حساسيةٍ خفيفة
- المرضى الذين يشكون أمراضًا مزمنة كالربو
فعناصر المناخ كلّها تتضافر هناك لتصنع شروطًا مثالية: الحرارة، والارتفاع، والرطوبة، والرياح، ومقدار الشمس، والضغط الجوّي، ونقاء الهواء. وباجتماعها تقدّم للمرضى دواءً طبيعيًّا.
مشروع الأستاذ الكلاّل الاستشرافيّ
كان الأستاذ الراحل الكلاّل قد تصوّر مركزًا مبتكرًا من ثلاثة مكوّنات:
مؤسسة تعليمية مناخية موجّهة إلى الأطفال المصابين بالربو. فبإمكان هؤلاء المرضى الصغار أن يواصلوا دراستهم وهم يتلقّون استشفاءً بالمرتفعات يشرف عليه فريقٌ طبّيّ مختصّ.
مركّب فندقيّ يستقبل الزوّار الأصحّاء والمرضى في إطارٍ يناسب الجميع.
مركز طبّيّ متكامل مهيّأ للمتابعة وإعادة التأهيل، ومزوّد بكلّ ما يلزم من تجهيزات.
| المكوّن | دوره |
|---|---|
| مؤسسة تعليمية مناخية | أطفال الربو: مواصلة الدراسة أثناء استشفاءٍ بالمرتفعات يشرف عليه فريقٌ طبّيّ مختصّ |
| مركّب فندقيّ | استقبال الزوّار الأصحّاء والمرضى في إطارٍ يناسب الجميع |
| مركز طبّيّ متكامل | المتابعة وإعادة التأهيل، بكلّ ما يلزم من تجهيزات |
وحصص الاستشفاء في سيدي حميدة نافعةٌ على مدار السنة. غير أنّ فصل الشتاء يعطي أفضل النتائج في الأمراض المزمنة.
وللمشروع فائدةٌ مزدوجة، طبّية واجتماعية اقتصادية. فأمام التلوّث المتصاعد الذي تشهده بلادنا، صار الاستثمار في العلاج بالمناخ أمرًا عاجلًا. أما هذه المقاربة العلاجية الطبيعية فقد تجعل من سيدي حميدة وجهةً صحّية مرجعية، وتُثمّن في الوقت نفسه تراثنا الطبيعيّ الاستثنائيّ.