في مواجهة التحدّيات البيئيّة، يبرز اختصاصٌ مبتكَرٌ يُصيب عصفورَين بحجرٍ واحد. فالعلاج بالطبيعة (الإيكوثيرابي) لا يُحسّن علاقتنا بالطبيعة فحسب، بل يكشف أيضاً فضائلَ علاجيّةً لم تكن في الحسبان. وقد نال هذا المقارَبةُ النفسيّةُ الجسديّةُ اعترافاً متنامياً في الولايات المتّحدة وأوروبا.
اختصاصٌ رائدٌ وُلد في تسعينيات القرن الماضي
يرى العلاج بالطبيعة، المعروف أيضاً باسم علم النفس البيئيّ، النورَ في مطلع التسعينيات على يد عالم الاجتماع والمؤرّخ الأمريكيّ ثيودور روزاك. ويقوم هذا الاختصاص على مبدأ جوهريّ: عافيتنا تتوقّف مباشرةً على صحّة بيئتنا الطبيعيّة.
يدافع المعالِجون بالطبيعة عن نظريّةٍ بسيطةٍ لكنّها بليغة. فبحسبهم، تكمن كلّ أدوية عللنا في الطبيعة، وما علينا إلّا أن نتعلّم التواصل معها. وهكذا فإنّ حمايتنا لكوكبنا على نحوٍ أفضل تضمن للبشريّة صحّةً أمتنَ وعمراً أطول.
أدلّةٌ علميّةٌ مُقنِعة
تخضع النجاعة العلاجيّة للعلاج بالطبيعة لدراساتٍ معمّقةٍ في علم النفس. ففي عام 2007، أجرى باحثون من جامعة إسكس تجربةً كاشفةً على أشخاصٍ يعانون الاكتئاب.
قسّم الفريق المشاركين إلى مجموعتَين. أنجزت المجموعة الأولى نزهةً مدّتها ثلاثون دقيقةً في الريف، فيما أمضت الثانية المدّة نفسها في مركزٍ تجاريّ. وجاءت النتائج بليغةً بذاتها: 71% ممّن مشَوا في الطبيعة شهدوا تراجعاً في اكتئابهم. وفي المقابل، شعر 22% ممّن ارتادوا المركز التجاريّ باكتئابٍ أشدَّ ممّا كانوا عليه قبل التجربة.
منافعُ تتجاوز الاكتئاب
وسّع هؤلاء الباحثون أنفسهم أبحاثهم لتشمل اضطراباتٍ نفسيّةً أخرى. فاقترحوا أنشطةً ترفيهيّةً ورياضيّةً في الوسط الريفيّ على أشخاصٍ يعانون أمراضاً نفسيّةً متنوّعة. وبعد ساعةٍ واحدةٍ فقط من الممارسة، لاحظ 94% من المشاركين تحسّناً في حالتهم الصحّيّة.
| البروتوكول (دراسة جامعة إسكس، 2007) | المدّة | النتيجة |
|---|---|---|
| نزهةٌ في الريف | 30 دقيقة | 71% تراجعٌ في الاكتئاب |
| زيارةٌ لمركزٍ تجاريّ | 30 دقيقة | 22% يشعرون باكتئابٍ أشدَّ من ذي قبل |
| أنشطةٌ ترفيهيّةٌ ورياضيّةٌ في الوسط الريفيّ | ساعةٌ واحدة | 94% يلاحظون تحسّناً في حالتهم الصحّيّة |
تُشجّع هذه النتائج المعالِجين بالطبيعة على صوغ توصياتٍ ملموسة. فهم ينصحون سكّان المدن بأن يمنحوا أنفسهم بانتظامٍ نزهاتٍ في الغابات لتفريغ ضغوط الحياة اليوميّة. وهذه الوصفة الطبيعيّة تُقدّم دواءً في متناول الجميع.
دائرةٌ فاضلةٌ للإنسان والكوكب
يكشف العلاج بالطبيعة عن دائرةٍ فاضلةٍ لافتة: فالطبيعة تُحسّن صحّتنا النفسيّة، ما يزيد من حافزنا لحمايتها. وهكذا يستطيع كلٌّ منّا أن يُسهم في صون البيئة مع العناية في الوقت نفسه بعافيته النفسيّة.
تُحوّل هذه المقارَبة العلاجيّة علاقتنا بالعالم الطبيعيّ، وتُذكّرنا بأنّنا جزءٌ لا يتجزّأ من النظام البيئيّ الأرضيّ. فصحّتنا وصحّة الكوكب مرتبطتان ارتباطاً لا انفصام له.
يفتح العلاج بالطبيعة إذن دربّاً واعداً نحو المستقبل، إذ يُصالح بين التنمية الشخصيّة وحماية البيئة في مسعىً منسجمٍ ونافعٍ للجميع.