منذ فجر الإنسانية، يقصد الناس المياه الحموية لِما لها من خصائص شافية استثنائية. فهذه المياه المعدنية تتفجّر من أعماق الأرض بعد رحلة جوفية طويلة تُغنيها طبيعيًّا.
وأثناء صعودها إلى السطح، تتشرّب هذه المياه الخصائص الكيميائية والعناصر النادرة من الصخور التي تعبرها. وتتوقّف المعدنة على عاملين حاسمين: درجة حرارة التبادل بين الماء والصخر، ومدّة التماسّ بين هذه العناصر. وتضمن هذه العملية الطبيعية ماءً خاليًا من التلوّث والجراثيم، يتمتّع بخصائص شافية حقيقية.
المعالجة الحموية: تقليد ضارب في القِدَم
إن الاستعمال العلاجي للمياه الحموية المعدنية هو ما يُسمّى المعالجة الحموية. وقد كان الرومان يستثمرون هذه الموارد منذ العصور القديمة لعلاج أمراض شتّى. واليوم، تظلّ هذه المقاربة بديلًا تكميليًّا ثمينًا للعلاجات التقليدية.
تصنيف المياه العلاجية
يُصنّف المختصّون المياه المعدنية وفق معيارين رئيسيّين: درجة حرارتها عند الانبثاق، ووجود عناصر لافتة بطبيعتها أو بتركيزها.
التصنيف الحراري:
- المياه الباردة: أقلّ من 20°C
- المياه دون الحموية: بين 20 و35°C
- المياه الحموية: بين 35 و50°C
- المياه فوق الحموية: أكثر من 50°C
الفئات العلاجية الرئيسية:
المياه الكبريتية: غنيّة بالكبريت وحمض كبريتيد الهيدروجين، تعالج بفعالية الالتهابات المزمنة للأغشية المخاطية والأمراض التنفّسية كالتهاب الأنف والتهاب الأذن والربو والتهاب القصبات.
المياه الكبريتاتية: عالية التركيز بالكبريت، تُناسب الأمراض الكلوية. وإذ تُغنى بالكالسيوم والمغنيزيوم، تعالج كذلك الأكزيما وآثار الحروق.
- المياه الكلورية: مركّزة بكلوريد الصوديوم، تحفّز النمو وتعالج اضطرابات النموّ.
- المياه البيكربوناتية: إذ تحتوي على البيكربونات، تُهدّئ الاضطرابات الهضمية حين تكون صوديّة، أو تُحدث أثرًا مضادًّا للالتهاب على الأمراض الجلدية حين تكون كلسية.
- المياه قليلة المعادن: تعالج، بحسب تركيبها، أمراضًا شتّى. فهي غنيّة بالنحاس لأمراض الجلد، وبالحديد ضدّ فقر الدم، وبالزرنيخ للحساسية.
| نوع الماء | التركيب الأساسي | الفضائل الرئيسية |
|---|---|---|
| المياه الكبريتية | الكبريت، حمض كبريتيد الهيدروجين | الالتهابات المزمنة للأغشية المخاطية، الأمراض التنفّسية (التهاب الأنف، التهاب الأذن، الربو، التهاب القصبات) |
| المياه الكبريتاتية | كبريت مركّز، كالسيوم، مغنيزيوم | الأمراض الكلوية، الأكزيما، آثار الحروق |
| المياه الكلورية | كلوريد الصوديوم | تحفيز النمو، اضطرابات النموّ |
| المياه البيكربوناتية | بيكربونات (صوديّة أو كلسية) | اضطرابات هضمية (الصوديّة)، مضادّ للالتهاب الجلدي (الكلسية) |
| المياه قليلة المعادن | نحاس أو حديد أو زرنيخ بحسب المنبع | أمراض الجلد (النحاس)، فقر الدم (الحديد)، الحساسية (الزرنيخ) |
متى تختارين العلاج الحموي؟
تتّسع دواعي الاستطباب باستمرار، خاصّة في الأمراض المزمنة التي تستلزم بديلًا عن العلاجات الدوائية وحدها. وإلى جانب الدواعي التقليدية كالروماتيزم وأمراض المفاصل، تتفوّق دورات العلاج الحموي في معالجة الأمراض الجلدية المستعصية على العلاجات التقليدية، ولا سيّما الأكزيما والصدفية.
غير أنه لا يُشترط مرض بعينه للانتفاع بعلاج حموي. فبعد فترة إرهاق شديد أو حدث مُجهِد في حياتك الشخصية أو المهنية، يكون العلاج الحموي الدواء الأمثل. إذ تتيح هذه الإقامات لجسمك أن يستريح ويستعيد حيويته وأن تتعزّز مفاصلك.
الفضائل العلاجية المعترَف بها
إن المياه الحموية، وهي نقيّة طبيعيًّا وغنيّة بالأملاح المعدنية والغازات والعناصر النادرة، تقدّم فوائد علاجية متعدّدة:
تخفيف الروماتيزم
تمثّل أمراض الروماتيزم 66% من دواعي العلاج الحموي. فالمياه الحارّة تخفّف الألم بفعالية بفضل الاستحمام في أحواض التحريك وتطبيقات الطين التي تُخفّف التشنّجات العضلية وتمنح في الوقت نفسه أثرًا مُهدّئًا.
تجديد المسالك التنفّسية
تتفوّق هذه المياه في معالجة الأمراض التنفّسية الشتوية كالتهاب القصبات والتهاب الأذن. فهي تجدّد الأغشية المخاطية التنفّسية، وتُذيب المخاط، وتفتح المسالك الهوائية دون اللجوء إلى المضادّات الحيوية.
بديل طبيعي للآلام المزمنة
بالنسبة إلى الآلام المستمرّة التي ترافق بعض الأشخاص سنواتٍ دون استجابة دوائية مُرضية، تقدّم المياه الحموية حلًّا طبيعيًّا. فآلام الظهر والصداع وأوجاع الفصال العظمي أو العضلية تشهد تراجعًا ملحوظًا.
فعالية في أمراض الجلد
يغدو الماء الحموي حليفَ البشرة التأتّبية بفضل آثاره المنقّية والمضادّة للأكسدة. فخصائصه المضادّة للالتهاب والمُلطّفة تُخفّف الأكزيما والوردية والصدفية بترطيب البشرة وتخفيف الاحمرار.
الإرث الحموي التونسي
في تونس، يمتدّ تاريخ العلاج الحموي على أكثر من ألفَي سنة. وقد بلغ هذا التقليد أوجَه في العهد الروماني، حين كان اللجوء إلى المياه الحارّة عبادةً حقيقية، وفنًّا في الشفاء والعيش.
إمكان استثنائي
تملك تونس إرثًا حمويًّا لافتًا يضمّ أكثر من 100 مَظهر حموي معدني من الشمال إلى الجنوب. وتُحصى خمسون منبعًا حارًّا تتوفّر على التركيب الكيميائي اللازم لاستثمار علاجي متنوّع.
تخضع معظم هذه المنابع لاستثمار تقليدي منذ العهد الروماني. ويتزايد الإقبال على الحمّامات الحموية عامًا بعد عام.
أربع محطّات حموية حديثة
يضمّ البلد أربع محطّات حموية مجهّزة بأحدث التقنيات، تقدّم علاجات متخصّصة بحسب الخصائص المميّزة لمياهها:
- المحطّة الحموية بحمّام بورقيبة (ولاية جندوبة)
- المحطّة الحموية بقربص (ولاية نابل)
- المحطّة الحموية بجبل الوسط (ولاية زغوان)
- جربة الحمّامات (ولاية مدنين)
تقترح هذه المنشآت دورات علاجية شافية، تكميلًا للعناية الطبّية أو الجراحية، ووقائية في الوقت نفسه من الانتكاسات والتفاقم. وتقوم كلّ محطّة على مواقع جيولوجية لافتة تتيح الانبثاق الطبيعي للمياه الحموية.
ثروة جديرة بالتثمين
تشكّل المياه الحموية موارد جوفية نقيّة طبيعيًّا، ذات تركيب فيزيوكيميائي مستقرّ وخصائص علاجية معترَف بها علميًّا. وتُطبّق المعالجة الحموية الحديثة أحدث التقنيات لعلاج الأمراض المزمنة أو التنكّسية علاجًا طبيعيًّا.
إن الانغماس في هذه المياه الحارّة طبيعيًّا والمُحمّلة بعناصر نافعة يُرخي البشرة والأنسجة الجسدية ويُلطّفها. لذا يجدر تثمين هذه الثروة الوطنية والانتفاع بالفوائد الهائلة لهذه المياه الحموية الثمينة على الجسد والروح.