صحة وسكينة

العلاج الإشعاعيّ لسرطان الثدي: السلاح الخفيّ الذي ينقذ الأرواح

في تونس، خرّج معهد صالح عزيّز، رائد العلاج الإشعاعيّ منذ 1969، كلّ أطبّاء الإشعاع في البلاد، وقلب التكفّل بسرطان الثدي رأسًا على عقب. فهذه التقنية تخفض اليوم 60% من خطر النكس بعد الجراحة المحافِظة أو استئصال الثدي.

ويستعمل العلاج الإشعاعيّ إشعاعاتٍ مؤيّنة عالية الطاقة جدًّا لتدمير الخلايا السرطانية ومنعها من التكاثر. فتستهدف هذه الأشعّة الشديدة الدقّة موضع الورم، وتصون في الوقت نفسه الأنسجة السليمة المحيطة به، فتقدّم بذلك مقاربةً علاجية تقلب المألوف.

تخفض هذه التقنية 60% من خطر النكس بعد الجراحة المحافِظة أو استئصال الثدي.

العلاج الإشعاعيّ لسرطان الثدي: مبدأٌ علميّ يقلب المألوف

تستثمر هذه التقنية خاصّيةً جوهرية: لا تتأثّر بالإشعاعات المؤيّنة إلا الخلايا المنقسمة. ولمّا كانت الخلايا السرطانية سريعة التكاثر، صارت هي الهدف الأوّل لهذا العلاج.

فتُنتج الأشعّة شوارد حرّة تكسر جزيئات DNA في خلايا الورم. ويجري هذا التدمير الانتقائيّ بدقّةٍ في حدود الملّيمتر، بفضل التقنيات الحديثة المتوفّرة في مراكز تونسية كالمركز الطبّيّ ابن خلدون أو عيادة النصر.

مقاربتان تقنيّتان متكاملتان

العلاج الإشعاعيّ الخارجيّ: وهو الأكثر استعمالًا في علاج سرطان الثدي. فيُنتج مسرّعُ جسيمات الإشعاعاتِ ويوجّهها إلى المنطقة المراد علاجها عبر الجلد.

المعالجة الكثبية: تقنيةٌ أدقّ تخصّصًا، تستعمل الإيريديوم 192 في شكل حبيباتٍ أو خيوط مشعّة تُوضع مباشرةً على تماسٍّ مع الورم. وتتوفّر هذه الطريقة خصوصًا في المركز الاستشفائيّ الجامعيّ الحسن الثاني بفاس، وهي تمنح دقّةً استثنائية.

مناطق التشعيع الاستراتيجية في سرطان الثدي

يستهدف العلاج الإشعاعيّ أربع مناطق أساسية بحسب الحالة السريرية:

الغدّة الثديية بعد الجراحة المحافِظة، ممّا يتيح صون الثدي مع القضاء على الخلايا السرطانية المتبقّية.

موضع الورم بعد استئصال الورم، بتركيز الأشعّة على المكان الذي كان فيه الورم أوّلًا.

جدار الصدر بعد استئصال الثدي، وبخاصّة في السرطانات الارتشاحية المصحوبة بعوامل خطر.

العقد اللمفية في الجهة المصابة، بحسب الغزو العقديّ الذي يتحدّد أثناء التدخّل الجراحيّ.

دواعي استعمال العلاج الإشعاعيّ في سرطان الثدي

السرطانات في الموضع والسرطانات الارتشاحية

يتدخّل العلاج الإشعاعيّ علاجًا مساعدًا، فيُكمل بصفةٍ منهجية الجراحة المحافِظة. وقد فرضت هذه المقاربة نفسها في كلّ مراكز المغرب العربيّ بفضل النتائج الممتازة المحقّقة.

أما تشعيع العقد اللمفية فيتوقّف على التحليل النسيجيّ المنجَز أثناء التدخّل. وفي هذه الشخصنة للعلاج واحدةٌ من أكبر مزايا العلاج الإشعاعيّ الحديث.

السرطانات النقيلية

حتى في الأشكال المتقدّمة، يحتفظ العلاج الإشعاعيّ بفائدته. فهو يحدّ من انتشار الخلايا السرطانية، ويعالج بنجاعة النقائل العظمية والدماغية، فيُحسّن جودة الحياة تحسينًا ملحوظًا.

جلسة العلاج الإشعاعيّ: بروتوكولٌ دقيق ومفصّل على المقاس

تحديدٌ بالغ الدقّة

تبدأ العملية بتحديدٍ متأنٍّ للمنطقة المراد علاجها. وتستغرق هذه المرحلة من 30 إلى 60 دقيقة، وعليها يتوقّف نجاح العلاج. فيرى طبيبُ الإشعاع القلبَ والرئتين ليحميهما من الأشعّة.

وتضمن علاماتٌ على الجلد وقوالبُ إسفنجية مصنوعة لكلّ مريضة تكرارًا مطابقًا في كلّ مرّة. فتُنجز هذه التحديدات 15 يومًا قبل بداية العلاج، ممّا يتيح تسجيل كلّ الضبطيات اللازمة.

حساب الجرعة لكلّ حالة

يحسب الفريق الطبّيّ بدقّة الجرعة اللازمة بالغراي (Gy) لقتل الخلايا السرطانية دون إحداث آثار غير مرغوبة. وفي هذا الحساب المفصّل على المقاس ذروةُ الفنّ الطبّيّ.

بروتوكول علاجٍ محسّن

يمتدّ العلاج عادةً على 5 أسابيع، بجلسةٍ يومية، 5 أيّام في الأسبوع. وأحيانًا، بفضل التقنيات الحديثة كالعلاج الإشعاعيّ قليل التجزئة، قد تنزل المدّة إلى 3 أسابيع.

تنسيقٌ علاجيّ

ومتى رافق العلاج الكيميائيّ المسارَ، سبق العلاجَ الإشعاعيّ. فتبدأ جلسات الأشعّة في أجلٍ أقصاه 6 أشهر بعد الجراحة، و5 أسابيع بعد العلاج الكيميائيّ.

أما في حالة علاجٍ جراحيّ وحده يتبعه علاجٌ إشعاعيّ، فتبدأ الجلسات في غضون 12 أسبوعًا من العملية.

تكفّلٌ دون مبيت

تدوم كلّ جلسة 15 دقيقة تقريبًا، وتجري دون مبيت. فتعود المريضة إلى بيتها فور انتهائها، وتحافظ على حياتها اليومية كما هي.

تقنياتٌ متقدّمة في مراكز المغرب العربيّ

تونس: تفوّقٌ تقنيّ

معهد صالح عزيّز: مجهّزٌ بمسرّعات خطّية Varian iX 80 متعدّدة الشفرات، وبنظامَي التخطيط Eclipse وARIA.

المركز الطبّيّ ابن خلدون: أوّل مركز خاصّ متخصّص، يقترح العلاج الإشعاعيّ VMAT والتوضيعيّ وحزم FFF.

عيادة النصر: تملك مسرّعين ELEKTA Versa HD وInfinity، وتقدّم العلاج الإشعاعيّ ثلاثيّ الأبعاد وRCMI وVMAT.

المغرب: ابتكارٌ لافت

المركز الاستشفائيّ الجامعيّ الحسن الثاني بفاس: يقترح العلاج الإشعاعيّ بتعديل الشدّة (RCMI) مع معالجةٍ كثبية عالية المعدّل.

مستشفى الشيخ زايد: مجهّزٌ بمسرّعٍ ذي 160 شفرة، وهو الوحيد العامل في المغرب وفي إفريقيا.

مركز محمد السادس بالدار البيضاء: قطبُ تميّزٍ بتجهيزاتٍ من الجيل الأخير.

الجزائر: تطوّرٌ واعد

عيادة فاطمة الزهراء: مركزٌ متخصّص بتجهيزٍ مخصّص للعلاج التوضيعيّ.

مركز سيدي عبد الله: بنيةٌ تحتية حديثة جديدة.

آثارٌ جانبية مسيطَرٌ عليها

آثارٌ فورية وعابرة

تشكّل التفاعلات الجلدية أكثر الآثار شيوعًا، غير أنّها تبقى قابلةً للتدبير:

  • احمرارٌ يشبه لفحة الشمس (التهاب الجلد الإشعاعيّ)
  • أوجاعٌ ووذماتٌ ثديية معتدلة
  • إرهاقٌ يُحتمَل عادةً احتمالًا جيّدًا
  • ضيقٌ في البلع عند تشعيع العقد اللمفية

فتظهر هذه الآثار أثناء العلاج وتستمرّ إلى 6 أسابيع بعده، ثمّ تزول زوالًا تامًّا.

آثارٌ متأخّرة نادرة

أما المضاعفات المتأخّرة، التي تظهر بين 6 أشهر و30 عامًا بعد العلاج، فتبقى نادرة بفضل التقنيات الحديثة:

  • التهاباتٌ جلدية إشعاعية شديدة مع تصبّغات
  • تغيّراتٌ في مظهر الثدي
  • تليّفٌ ثدييّ
  • وذمةٌ لمفية في الذراع بعد تشعيع الإبط
  • مضاعفاتٌ رئوية

الآثار الجانبية: جدولٌ جامع

نوع الأثرالمظاهرالفترة
فوريّ وعابراحمرار (التهاب الجلد الإشعاعيّ)، وأوجاع ووذمات ثديية معتدلة، وإرهاق، وضيق في البلع عند تشعيع العقد اللمفيةأثناء العلاج، وإلى 6 أسابيع بعده (تزول زوالًا تامًّا)
متأخّر (نادر)التهابات جلدية إشعاعية شديدة مع تصبّغات، وتغيّرات في مظهر الثدي، وتليّف ثدييّ، ووذمة لمفية في الذراع بعد تشعيع الإبط، ومضاعفات رئويةبين 6 أشهر و30 عامًا بعد العلاج

كلفةٌ في المتناول في تونس

في تونس، تتراوح الكلفة الجملية بين 1500 و5000 يورو، وتشمل الاستشارات وجلسات العلاج وفحوص المتابعة. فيبقى هذا السعر تنافسيًّا جدًّا قياسًا بالمعايير الدولية، مع ضمان جودة عالية في العناية.

تحدّياتٌ وآفاق

بنيةٌ تحتية في طور النموّ

ومع أنّ البنية التحتية تتحسّن باستمرار، فإنّ الوصول إليها يبقى متفاوتًا في المنطقة. فتونس تملك عدّة مراكز حديثة، في حين ما تزال بعض المناطق الريفية تفرض تنقّلاتٍ طويلة.

تكوينٌ متواصل

يواصل معهد صالح عزيّز تكوين مهنيّي المنطقة، فيحفظ التميّز العلاجيّ. ويضمن التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرّية (AIEA) ومع «أفرا» (AFRA) تحيينًا دائمًا لمستوى الفرق.

هيئاتٌ مرجعية في العلاج الإشعاعيّ

تونس

  • معهد صالح عزيّز: الرائد والمرجع الوطنيّ
  • الجمعية التونسية لعلم الأورام والعلاج الإشعاعيّ (STOR): التكوين والبحث
  • المركز الطبّيّ ابن خلدون: ابتكارٌ في القطاع الخاصّ

المغرب

  • المركز الاستشفائيّ الجامعيّ الحسن الثاني بفاس: تميّزٌ جامعيّ
  • مركز محمد السادس بالدار البيضاء: مرجعٌ وطنيّ
  • مؤسّسة لالة سلمى: التنسيق الوطنيّ

الجزائر

  • عيادة فاطمة الزهراء: تخصّصٌ متقدّم
  • مركز بيار وماري كوري: تكوينٌ إقليميّ

مستقبلٌ واعد للعلاج الإشعاعيّ

تُبدّل الابتكارات التقنية هذا الاختصاص باستمرار. فالعلاج الإشعاعيّ الموجَّه بالصورة (IGRT)، وتعديل الشدّة (IMRT)، والعلاج التوضيعيّ، تفتح آفاقًا علاجية غير مسبوقة.

وفي منطقتنا، تزداد الخبرة غنًى على الدوام بفضل التبادلات الدولية والاستثمارات في التجهيزات المتقدّمة.

رسالة أملٍ وتشجيع

يمثّل العلاج الإشعاعيّ سلاحًا علاجيًّا كبيرًا ضدّ سرطان الثدي. فقد بلغت هذه التقنية في مراكز المغرب العربيّ مستوياتٍ من التميّز تُضاهي المعايير الدولية.

وللمريضات اللواتي يواجهن سرطان الثدي: يقدّم العلاج الإشعاعيّ الحديث نتائج لافتة مع آثارٍ جانبية مسيطَرٍ عليها. فهذه التقنية الدقيقة، المتاحة اليوم في منطقتنا، تسهم إسهامًا ملحوظًا في تحسين المآل وجودة الحياة.

ويحوّل الجمع بين الخبرة الطبّية المحلّية والتجهيزات المتقدّمة معركةَ سرطان الثدي إلى نجاحٍ علاجيّ حقيقيّ. فكلّ جلسة تقرّب من الشفاء، في أمانٍ وراحةٍ داخل المراكز المتخصّصة في منطقتنا.

أسئلة شائعة

كيف يعمل العلاج الإشعاعيّ في الخلايا السرطانية؟
يستعمل إشعاعاتٍ مؤيّنة تُنتج شوارد حرّة تكسر جزيئات DNA في خلايا الورم. ولا تتأثّر بهذه الإشعاعات إلا الخلايا المنقسمة؛ فلمّا كانت الخلايا السرطانية سريعة التكاثر، صارت هي الهدف الأوّل للعلاج.
كم يدوم بروتوكول العلاج الإشعاعيّ لسرطان الثدي؟
يمتدّ العلاج عادةً على 5 أسابيع، بجلسةٍ يومية، 5 أيّام في الأسبوع. وبفضل التقنيات الحديثة كالعلاج الإشعاعيّ قليل التجزئة، قد تنزل المدّة أحيانًا إلى 3 أسابيع. أما كلّ جلسة فتدوم نحو 15 دقيقة وتجري دون مبيت.
ما أكثر الآثار الجانبية شيوعًا؟
التفاعلات الجلدية هي الأكثر شيوعًا: احمرارٌ يشبه لفحة الشمس (التهاب الجلد الإشعاعيّ)، وأوجاعٌ ووذماتٌ ثديية معتدلة، وإرهاقٌ يُحتمَل عادةً احتمالًا جيّدًا. فتظهر هذه الآثار أثناء العلاج وتستمرّ إلى 6 أسابيع بعده، ثمّ تزول زوالًا تامًّا.
كم تبلغ كلفة العلاج الإشعاعيّ في تونس؟
تتراوح الكلفة الجملية بين 1500 و5000 يورو، وتشمل الاستشارات وجلسات العلاج وفحوص المتابعة — وهو سعرٌ تنافسيّ قياسًا بالمعايير الدولية.
صحة وسكينة

العلاج بالمناخ لتخفيف الربو

العلاج بالمناخ، أو الاستشفاء بالمرتفعات، طريقةٌ تستثمر المناخ القائم لتهدئة بعض أمراض الحساسية.

2 أبريل 2026

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب