صحة وسكينة

سرطان الثدي عند الرجل: حقيقةٌ محرَّمة تقتل في صمت

يصيب سرطان الثدي الرجال أيضًا: ففي تونس، يُحصي معهد صالح عزيّز أكثر من 3000 حالة جديدة من سرطان الثدي كل سنة، أقلّ من 1% منها عند رجال — وهي نسبةٌ تضاهي المعطيات العالمية. ونادرًا كان أم لا، فهذا السرطان الذكوري كثيرًا ما يُشخَّص متأخّرًا، ومآله أقتم منه عند المرأة. أعراضٌ تُتبيَّن، وعوامل خطرٍ خاصّة بالمنطقة، ومسار تشخيصٍ وعلاج: هذا ما ينبغي معرفته عن حقيقةٍ ما تزال محرَّمة.

مرضٌ مجهول بأرقامٍ مقلقة

في تونس، حيث يسجّل معهد صالح عزيّز أكثر من 3000 حالة جديدة من سرطان الثدي سنويًّا، تخصّ أقلّ من 1% منها الرجال. غير أنّ هذه النسبة، المكافئة للمعطيات العالمية، تخفي واقعًا مأساويًّا: فمآل سرطان الثدي عند الرجل أقتم في الغالب منه عند المرأة.

وخلافًا للأفكار الشائعة، للرجال أيضًا نسيجٌ ثدييّ وحلمات، أقلّ نموًّا مما هي عند النساء بلا شكّ، غير أنّها قابلة لأن ينشأ فيها سرطان. فهذا الجهل يفسّر لماذا يأتي معظم التشخيصات متأخّرًا، في أطوارٍ متقدّمة أصلًا.

سرطان الثدي عند الرجل: فهم هذه الخصوصية البيولوجية

تنشأ عند الرجال أساسًا سرطاناتٌ قنوية ارتشاحية، تمثّل الحالات كلّها تقريبًا. فهذه السرطانات تولد في القنوات اللبنية، تلك البنى التي تحتفظ بقدرتها على التسرطن وإن كانت بدائية عند الرجل.

وثمّة سمةٌ لافتة في سرطان الثدي الذكوري: فهو حسّاس للهرمونات عمومًا. ومعنى ذلك أنّ الخلايا السرطانية تحمل مستقبلات للإستروجين والبروجسترون. وتؤثّر هذه الخصوصية تأثيرًا كبيرًا في خيارات العلاج؛ إذ توجّه غالبًا نحو علاجاتٍ شبيهة بتلك المعتمدة عند النساء بعد انقطاع الطمث.

عوامل خطرٍ خاصّة بالسياق المغاربي

ترفع عوامل عدّة خطر الإصابة بسرطان الثدي عند الرجل ارتفاعًا ملحوظًا:

عوامل جينية ووراثية

تحتلّ متلازمة كلاينفلتر مكانةً خاصّة. فهذا الشذوذ الصبغيّ (47,XXY) يضاعف خطر سرطان الثدي الذكوري من 20 إلى 60 مرّة. والمصابون به تنخفض لديهم مستويات التستوستيرون وتبقى مستويات الإستروجين طبيعية، فينشأ اختلالٌ هرمونيّ مواتٍ لنموّ الورم.

كما تؤدّي الطفرات الجينية BRCA1 وBRCA2 دورًا حاسمًا. فنحو 14% من الرجال المصابين بسرطان الثدي يحملون طفرة BRCA2. ومن ثمّ يفسّر هذا الاستعداد الجيني لماذا تشكّل السوابق العائلية عامل خطرٍ كبير.

عوامل بيئية إقليمية

يكتسي التعرّض المهنيّ أهمّيةً خاصّة في منطقتنا. فالرجال العاملون في بيئاتٍ عالية الحرارة (مصانع الفولاذ، والصناعات المعدنية) أكثر عرضةً للخطر. إذ تنال الحرارة من الخصيتين وتخلّ بالتوازن الهرموني.

أما الاضطرابات الكبدية الشائعة في المنطقة، والمرتبطة غالبًا بالتهاب الكبد B أو بتناول الكحول، فتغيّر أيض الهرمونات وترفع مستويات الإستروجين.

عوامل السنّ والهرمونات

وخلافًا للنساء، تأتي ذروة الإصابة متأخّرةً عند الرجل، بعد سنّ الستّين عمومًا. فيفسَّر هذا الفارق بغياب التعرّض المتواصل للهرمونات الأنثوية.

عامل الخطرالأثر الملاحَظ
متلازمة كلاينفلتر (47,XXY)تضاعف الخطر من 20 إلى 60 مرّة
طفرة BRCA2حاضرة عند نحو 14% من الرجال المصابين بسرطان الثدي
التعرّض المهنيّ للحرارة (مصانع الفولاذ، والصناعات المعدنية)ارتفاع الخطر، واختلال التوازن الهرموني
الاضطرابات الكبدية (التهاب الكبد B، والكحول)ارتفاع مستويات الإستروجين
تقدّم السنّذروة الإصابة بعد سنّ الستّين

أعراض سرطان الثدي عند الرجل: الإشارات التي تُتبيَّن

يؤخّر الجهل بهذا المرض التشخيصَ تأخيرًا خطيرًا. وثمّة أعراضٌ عدّة ينبغي أن تنبّه:

العَرَض الأوّل: كتلةٌ صلبة غير مؤلمة، تقع عادةً تحت الحلمة أو حولها. فهذا الموقع المفضّل يميّز السرطان الذكوري عن صورته الأنثوية.

تبدّلات جلدية: تثخّن جلد الثدي أو تجعّده أو تقشّره، وكلّها تستدعي القلق.

إفرازٌ من الحلمة: أيّ سائلٍ يخرج من الحلمة، ولا سيّما إن كان مدمّى، يستوجب استشارةً عاجلة.

انسحاب الحلمة: تغيّر شكل الحلمة أو موضعها.

علامات الامتداد: انتفاخٌ أو احمرارٌ في الثدي أو وجود كتلةٍ تحت الإبط، وكلّها تترجم في الغالب مرضًا متقدّمًا أصلًا.

تشخيص سرطان الثدي عند الرجل: مسارٌ مختصّ

في تونس، يقوم التشخيص على مقاربةٍ متعدّدة الاختصاصات تستدعي فحوصًا تكميلية عدّة.

فحوص التصوير

يشكّل تصوير الثدي الشعاعي الفحصَ المرجعي، تكمّله موجاتٌ فوق صوتية للثدي لتدقيق خصائص النسيج.

أما الرنين المغناطيسي للثدي فكثيرًا ما يلزم لتقدير الامتداد الموضعي والبحث عن آفاتٍ محتملة في الجهة المقابلة.

التأكيد النسيجي

تبقى الخزعة لا غنى عنها لبلوغ التشخيص اليقيني. فهي تتيح كذلك تحديد الخصائص الجزيئية للورم، وهي خصائص أساسية لتوجيه العلاج.

حصيلة الامتداد

ونظرًا إلى أنّ التشخيص يأتي متأخّرًا في الغالب، تلزم حصيلة امتدادٍ كاملة بصورةٍ منهجية، تشمل تصويرًا مقطعيًّا للصدر والبطن وتصويرًا ومضانيًّا للعظام.

علاجاتٌ ثورية لسرطان الثدي عند الرجل

يتّبع التكفّل العلاجي المبادئ نفسها المعتمدة عند المرأة، مع بعض التعديلات الخاصّة.

الجراحة: العلاج المرجعي

يبقى استئصال الثدي ضروريًّا في الغالب بسبب ضآلة الحجم الثدييّ عند الرجل. فهذا التدخّل يقوم على نزع النسيج الثدييّ كلّه، بما فيه الهالة والحلمة.

أما تقنية العقدة الحارسة فتتيح تقدير امتداد المرض إلى العقد اللمفية مع الحدّ من العقابيل.

إعادة بناء الثدي عند الرجل

وخلافًا للأفكار الشائعة، تبقى إعادة بناء الثدي ممكنة عند الرجل. فيملأ طُعمٌ نسيجيّ موضع الندبة، بينما يعيد وشمٌ رسم الهالة، فيستعيد الصدر مظهره الطبيعي.

علاجاتٌ تكميلية مناسبة

العلاج الإشعاعي: يكمّل الجراحة بصورةٍ منهجية للقضاء على الخلايا السرطانية المتبقّية.

العلاج الهرموني: وبما أنّ أغلب السرطانات الذكورية تحمل مستقبلات هرمونية، فهذه المقاربة ناجعةٌ على وجه الخصوص.

العلاج الكيميائي: محفوظٌ للأطوار المتقدّمة، ويعتمد البروتوكولات نفسها المعتمدة عند النساء بعد انقطاع الطمث.

العلاجات الموجّهة: تفتح العلاجات الشخصية الجديدة آفاقًا مشجّعة، ولا سيّما في الصور الموجبة لـHER2.

علاجٌ هرمونيّ خاصّ

في بعض حالات السرطان النقيلي، قد يُنظر في استئصال الخصيتين للحدّ حدًّا جذريًّا من إنتاج الهرمونات الذكورية التي قد تحفّز نموّ الورم.

المآل والمتابعة في سرطان الثدي عند الرجل

يتوقّف المآل أساسًا على الطور عند التشخيص. وللأسف، يؤدّي الجهل بهذا المرض إلى تأخّرٍ في التشخيص في الغالب؛ إذ يفسّر ذلك لماذا تسجّل الإحصاءات وفياتٍ أعلى عند الرجال.

على أنّ سرطان الثدي الذكوري، متى شُخّص مبكّرًا، قد يحظى بمآلٍ موات، يضاهي مآل النساء.

تحدّياتٌ خاصّة بالمنطقة

بنيةٌ صحّية محدودة

بمعهدٍ مختصّ واحد في تونس (معهد صالح عزيّز)، وثلاثة مراكز لطبّ السرطان في الجزائر، وستّة مراكز لطبّ الأورام في المغرب، يبقى الوصول إلى العلاج عسيرًا.

محرَّمٌ اجتماعيّ ثقافيّ

يؤخّر الجهل والمحرَّمات الثقافية الاستشارةَ. فالحديث عن سرطان الثدي عند الرجل ما يزال عسيرًا في مجتمعاتنا التقليدية.

التكوين الطبّي

تستدعي ندرة هذا المرض تكوينًا مختصًّا لأهل المهن الصحّية كي يتبيّنوا العلامات المبكّرة.

هيئاتٌ مرجعية في المنطقة

تونس

  • معهد صالح عزيّز: المركز الوطني المرجعي لطبّ الأورام
  • الجمعية التونسية لطبّ الأورام (STOM): التكوين والبحث
  • LGC Genetics: الكشف الجيني المختصّ

الجزائر

  • مركز بيار وماري كوري (الجزائر العاصمة، ووهران، والبليدة)
  • الجمعية الجزائرية لطبّ الأورام
  • مخبر مراقبة السرطان (وهران)

المغرب

  • مركز محمد السادس لعلاج السرطانات (الدار البيضاء)
  • المركز الدولي لطبّ الأورام بالدار البيضاء
  • معهد باستور بالمغرب: البحث في طبّ الأورام

الوقاية والكشف: مسؤوليةٌ مشتركة

وخلافًا للنساء، لا وجود لأيّ كشفٍ منهجيّ لدى الرجال، حتى عند حاملي الطفرات الجينية. فيفسَّر هذا الوضع بندرة المرض.

غير أنّ بعض تدابير الوقاية تبقى ناجعة:

  • الحفاظ على وزنٍ سليم
  • الحدّ من تناول الكحول
  • الإقلاع عن التدخين
  • نشاطٌ بدنيّ منتظم

يقظةٌ خاصّة عند الرجال المعرَّضين

على الرجال الذين لديهم سوابق عائلية أو متلازمة كلاينفلتر أو غيرها من عوامل الخطر أن يكونوا شديدي اليقظة وأن يستشيروا سريعًا عند ظهور أعراض.

رسالة أملٍ وعمل

يبقى سرطان الثدي عند الرجل، على ندرته، واقعًا طبّيًّا جدّيًّا. وليس الجهل به قدرًا محتومًا. ففي منطقتنا، حيث تبقى موارد طبّ الأورام محدودة، تظلّ التوعية والتربية أمضى أسلحتنا.

وللرجال: أثداؤهم جديرة بالعناية نفسها التي تُمنح للنساء. فأمام أيّ عرضٍ مريب، قد تنقذ الاستشارة المبكّرة أرواحًا. وهذا المرض ليس عارًا ولا محرَّمًا، بل تحدٍّ طبّي علينا رفعه معًا، في كرامةٍ وعزم.

أسئلة شائعة

هل يصيب سرطان الثدي الرجال أيضًا؟
نعم. ففي تونس، يسجّل معهد صالح عزيّز أكثر من 3000 حالة جديدة من سرطان الثدي في السنة، أقلّ من 1% منها عند رجال — وهي نسبةٌ تكافئ المعطيات العالمية، بمآلٍ أقتم في الغالب منه عند المرأة.
ما أبرز الأعراض التي تُتبيَّن؟
العَرَض الأوّل كتلةٌ صلبة غير مؤلمة، تقع عادةً تحت الحلمة أو حولها. وقد يضاف إليها تثخّن جلد الثدي أو تجعّده، وإفرازٌ من الحلمة (ولا سيّما إن كان مدمّى)، وانسحاب الحلمة، أو انتفاخٌ واحمرار في حالة مرضٍ متقدّم أصلًا.
ما العوامل التي ترفع الخطر عند الرجل؟
تضاعف متلازمة كلاينفلتر (47,XXY) الخطر من 20 إلى 60 مرّة، ويحمل نحو 14% من الرجال المصابين طفرة BRCA2. أما التعرّض المهنيّ للحرارة والاضطرابات الكبدية وتقدّم السنّ (إذ تأتي ذروة الإصابة بعد سنّ الستّين) فعواملُ أخرى محدَّدة.
كيف يجري العلاج؟
يبقى استئصال الثدي العلاجَ المرجعي، تكمّله غالبًا تقنية العقدة الحارسة، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الهرموني، أو العلاج الكيميائي في الأطوار المتقدّمة. وإعادة بناء الثدي ممكنةٌ بعد التدخّل.
هل يوجد كشفٌ منهجيّ للرجال؟
لا، لا وجود لأيّ كشفٍ منهجيّ لدى الرجال، حتى عند حاملي الطفرات الجينية، بسبب ندرة المرض. فتبقى اليقظة والاستشارة السريعة عند ظهور عَرَضٍ أمرين أساسيّين، ولا سيّما عند الرجال المعرَّضين.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب