يمثّل داء باجيت في الحلمة شكلًا نادرًا وخطيرًا من سرطان الثدي، إذ يطال ما بين 1 و3% من أورام الثدي كافّة. فهو ماكرٌ في مساره، وكثيرًا ما يتنكّر في هيئة تهيّجٍ جلدي بسيط، فيؤخّر التشخيص تأخيرًا خطيرًا، في حين يقترن بورمٍ ثديي كامنٍ في 80% من الحالات. أما إشارات الإنذار، وفحوص التشخيص، وخيارات العلاج، والمآل، فهذا ما ينبغي معرفته عن هذا المرض النادر.
هذا الشكل الماكر من سرطان الثدي في أرقامٍ مقلقة
يمثّل داء باجيت في الحلمة شكلًا نادرًا وخطيرًا من سرطان الثدي، يطال ما بين 1 و3% من أورام الثدي كافّة. ففي المركز الجهوي للأورام بطنجة في المغرب، يكشف هذا المرض عن مكره: كثيرًا ما يتنكّر في هيئة تهيّجٍ جلدي بسيط، فيؤخّر التشخيص تأخيرًا خطيرًا.
والأدعى إلى القلق أنّ هذا الداء يقترن بورمٍ ثديي كامنٍ في 80% من الحالات. أما في تونس، حيث يعالج معهد صالح عزيّز أعدادًا كبيرة من حالات سرطان الثدي، فيشدّد الأطبّاء على أهمّية الكشف المبكّر عن هذا الشكل بالذات.
داء باجيت في الحلمة: حين يفضح الجلدُ السرطان
ينشأ هذا المرض عن غزو سرطانٍ قنويٍّ موضعي (carcinome canalaire in situ) لبشرة الحلمة. وخلافًا للشائع، ليس الجلد أوّل ما يصير سرطانيًّا. إنّما تهاجر الخلايا الخبيثة من القنوات اللبنية العميقة نحو سطح جلد الحلمة.
تكمن خطورة هذا الداء في مظهره الخادع. فهو يبدأ باحمرارٍ بسيط يشبه الإكزيما. ثمّ قد تتّخذ الآفة هيئةً متقشّرة أو متقرّفة، وتثير إحساسًا بالحرقة أو حكّةً أو ألمًا. ومن سوء الحظّ أنّ هذا المظهر المألوف كثيرًا ما يؤخّر التشخيص.
إشارات إنذارٍ لا تُهمَل أبدًا
قد ينقذ التعرّفُ إلى أعراض داء باجيت في الحلمة أرواحًا. فثمّة علامات عدّة توجب الانتباه فورًا:
تبدّلات جلدية في الحلمة
- وجود قشورٍ أو تسلّخاتٍ جلدية مستمرّة
- احمرارٌ موضعي لا يبرأ
- مظهرٌ شبيه بالإكزيما يقاوم العلاجات المعتادة
أعراضٌ بدنية مقلقة
- ألمٌ أو حكّة أو إحساسٌ بالحرقة
- إفرازٌ غير طبيعي أو نزفٌ من الحلمة
- تغيّرٌ في مظهر الحلمة أو شكلها (انسحابها إلى الداخل)
علامات امتداد المرض
- كتلةٌ محسوسة في الثدي
- تضخّمٌ في العقد اللمفية تحت الإبط
- امتداد الآفات إلى الهالة أو إلى الجلد المحيط
وثمّة خصوصية حاسمة: تصيب هذه الأعراض ثديًا واحدًا في الغالب، وتدوم أكثر من ثلاثة أسابيع. أما في الجزائر، حيث لا يوجد سوى ثلاثة مراكز لعلم الأورام في البلاد كلّها، فيصير هذا التعرّف المبكّر مسألة حياة.
تشخيص داء باجيت في الحلمة: الفحوص الأساسية
أمام أعراضٍ موحية، تؤكّد فحوصٌ عدّة التشخيص. فالاستشارة عند مختصٍّ تفرض نفسها سريعًا أوّلًا. ثمّ يُجري طبيب الأورام فحصًا سريريًّا كاملًا يشمل جسّ الثدي وفحص مناطق العقد اللمفية.
فحوص التصوير التي لا غنى عنها
يشكّل تصوير الثدي الشعاعي والتصوير بالصدى للثدي الخطوة التشخيصية الأولى. غير أنّ تنبيهًا يلزم هنا: قد تأتي هذه الفحوص طبيعيةً أحيانًا دون أن يُستبعد التشخيص.
ويثبت التصوير بالرنين المغناطيسي للثدي نفاسته الخاصّة في البحث عن سرطانٍ كامن وفي إنجاز حصيلةٍ كاملة قبل العلاج.
الخزعة: فحص اليقين
تبقى خزعة الجلد الفحص الذي لا مفرّ منه لتثبيت التشخيص النهائي لداء باجيت في الحلمة. فيكشف التحليل النسيجي عن خلايا مميّزة: خلايا كبيرة شاحبة ذات نوًى ضخمة تتسلّل إلى البشرة.
وتُكمل الكيمياء المناعية النسيجية هذا التحليل، إذ تُظهر خلايا موجبة للسيتوكيراتين CK7 وسالبة لـ CK20، مع فرط تعبيرٍ عن HER2 في الغالب.
علاجاتٌ ثورية لداء باجيت في الحلمة
تتوقّف المعالجة في جوهرها على اقتران الداء بسرطان ثديٍ كامن من عدمه. على أنّ خيارات العلاج تتنوّع وتتحسّن، لحسن الحظّ.
الجراحة: حجر الزاوية في العلاج
يبقى العلاج الجراحي المرجعَ في داء باجيت في الحلمة. وثمّة مقاربتان رئيستان:
جراحة محافِظة يقوم استئصال هالة الحلمة (pamectomie) على نزع لوحة الهالة والحلمة وحدها مع الأنسجة الثديية الكامنة تحتها. فيحفظ هذا الخيار الثدي ما دام المرض موضعيًّا.
جراحة موسّعة عند اتّساع السرطان أو كِبَر الورم الكامن، يصير استئصال الثدي ضروريًّا لاستئصال المرض استئصالًا تامًّا.
وفي كل الأحوال، كثيرًا ما يرافق تجريفُ العقد اللمفية العملَ الجراحي.
علاجاتٌ مكمّلة مستحدثة
تُكمل الجراحةَ علاجاتٌ عدّة، بحسب خصائص كل مريضة:
العلاج الإشعاعي المساعد يُكمل الجراحةَ المحافِظة دائمًا، إذ يقضي على الخلايا السرطانية المتبقّية ويخفّض مخاطر الانتكاس.
العلاج الكيميائي الموجَّه يُلائَم مع الملمح الجزيئي للورم، وهو فعّال بوجهٍ خاصّ في الأشكال الموجبة لـ HER2.
العلاج الهرموني يُوصف حين تكون المستقبلات الهرمونية موجبة، فيحجب التحفيز الهرموني للخلايا السرطانية.
العلاج المناعي تستنفر هذه المقاربة الثورية دفاعات الجسم الطبيعية ضدّ الخلايا السرطانية.
| المقاربة العلاجية | الاستطباب / الوصف |
|---|---|
| جراحة محافِظة (استئصال هالة الحلمة) | تنزع لوحة الهالة والحلمة والأنسجة الكامنة تحتها؛ وتحفظ الثدي إن بقي المرض موضعيًّا |
| جراحة موسّعة (استئصال الثدي) | ضرورية عند اتّساع السرطان أو كِبَر الورم الكامن |
| العلاج الإشعاعي المساعد | يُكمل الجراحة المحافِظة دائمًا لتخفيض خطر الانتكاس |
| العلاج الكيميائي الموجَّه | يُلائَم مع الملمح الجزيئي للورم، وهو فعّال بوجهٍ خاصّ في الأشكال الموجبة لـ HER2 |
| العلاج الهرموني | يُوصف حين تكون المستقبلات الهرمونية موجبة |
| العلاج المناعي | يستنفر دفاعات الجسم الطبيعية ضدّ الخلايا السرطانية |
المآل والأمل أمام داء باجيت في الحلمة
يتوقّف المآل إلى حدٍّ بعيد على اقتران الداء بسرطان ثديٍ كامن وعلى مرحلته عند التشخيص. فإذا شُخّص مبكّرًا دون ورمٍ مصاحب، عولج داء باجيت في الحلمة علاجًا ناجعًا بنتائج ممتازة.
غير أنّ وجود سرطانةٍ غازية مصاحبة يؤثّر في المآل تأثيرًا بيّنًا، ويستدعي معالجةً أعقد.
تحدّياتٌ خاصّة بالمغرب العربي وإفريقيا
يبقى الوصول إلى علاج الأورام عسيرًا في المنطقة. فالمغرب لا يملك سوى ستّة مراكز حكومية للأورام، والجزائر ثلاثة مراكز لعلم الأورام، وتونس مركزًا واحدًا متخصّصًا في مكافحة السرطان.
ومن ثمّ يُفهَم اضطرار مرضى كثيرين إلى الانتقال نحو المدن الكبرى، أو إلى الخارج أحيانًا، طلبًا لمعالجةٍ على أحسن وجه.
هيئاتٌ مرجعية في المنطقة
تونس
- معهد صالح عزيّز بتونس العاصمة (مركز مرجعي)
- الجمعية التونسية لطبّ الأورام (STOM)
- الجمعية التونسية للأورام والعلاج بالأشعّة (STOR)
الجزائر
- مركز بيار وماري كوري (الجزائر العاصمة، ووهران، والبليدة)
- الجمعية الجزائرية لطبّ الأورام
- مخبر رصد السرطان (وهران)
المغرب
- مركز محمد السادس لعلاج السرطانات (الدار البيضاء)
- المركز الدولي للأورام بالدار البيضاء
- معهد باستور المغرب (البحث في الأورام)
الوقاية والكشف المبكّر: خيرُ سلاح
ومع أنّ لا وقاية نوعية من داء باجيت في الحلمة، فتبقى مراقبة الثديين بانتظام أمرًا حاسمًا. فالجسّ الذاتي شهريًّا، والاستشارة عند طبيب النساء سنويًّا، وتصوير الثدي الشعاعي للكشف المبكّر — تلك خيرُ الأوراق في اليد.
والأهمّ ألّا يُتردَّد أبدًا في استشارة الطبيب أمام أيّ تبدّلٍ مستمرّ في مظهر الحلمة. فهذه اليقظة قد تصنع الفارق بين تشخيصٍ مبكّر ومعالجةٍ معقّدة.
يبقى داء باجيت في الحلمة مرضًا نادرًا وجدّيًّا في آنٍ واحد. فخطورته الأولى في شبهه بأمراضٍ جلدية حميدة. غير أنّه، إذا شُخّص في أوانه، عولج علاجًا ناجعًا بفضل ما بلغه العلاج اليوم من تقدّم. أما مفتاح النجاح فقراءةُ الأعراض مبكّرًا والوصولُ سريعًا إلى معالجةٍ متخصّصة.