المجلة

العودة إلى الجذور: صُنع في تونس

منذ عام 2011، بدت الهوية التونسية التقليدية والرغبة في احتضان حداثة معيّنة وكأنهما وجدتا سبيلًا للتصالح. فالدليل على ذلك «صُنع في تونس»، الشعار الذي يتبنّاه مصمّمو الأزياء الشباب من الجيل الجديد، الذين انطلقوا في صناعة أزياء وإكسسوارات تجمع بين التقليدي والعصري.

منذ الثورة، اشتهر المصمّمون والمبدعون التونسيون الشباب في سوق الملابس الجاهزة بمنتجات ذات بصمة تونسية خالصة، مستوحاة من التراث الوطني ومصنوعة في ورشات صغيرة — طريقة لتأكيد قيمة الهوية الثقافية وتاريخ البلاد.

تطوير «صُنع في تونس» نحو هوية جديدة

بينما تتقدّم البلاد نحو الحداثة، ظلّت الهوية اللباسية التونسية لفترة طويلة متمسّكة بالتقليدي. غير أنّ الفجوة تقلّصت منذ ثورة الياسمين، إذ انطلق مصمّمون في تصميم أزياء تجمع بين الاثنين.

فهذا ما تجسّده علامة Mademoiselle Hecy، التي أطلقتها عام 2013 المصمّمتان هند القصمي وسيرين فيون، في مشاركتها الثالثة في أسبوع الموضة بتونس العاصمة. أمّا المصمّمتان فخرّيجتا مدرسة للأزياء في العاصمة، تبتكران أزياء عصرية مستوحاة من التقليدي دون الوقوع في المبالغة، معتمدتين على قطع للنهار والسهرة بأسلوب أنيق وبسيط.

يحظى هذا التوجّه بإقبال واسع على شبكات التواصل الاجتماعي؛ إذ ينضمّ جيل جديد من المدوّنين ومجموعات الفنانين إلى المصمّمين لتجديده. ومنهم المدوّنة فتحية صبرينة الفرحاني، المعروفة باسم Vita Luna Spirit، التي تشارك اكتشافاتها الثقافية لإبراز الوجه الأصيل لتونس.

«صُنع في تونس»: الرافد الاقتصادي الجديد

منذ خمس سنوات، اختار بعض المصمّمين إنتاجًا محليًا خالصًا، وهو رهان أثبت جدواه، لا سيما في ظلّ الصعوبات التي تواجهها الأنشطة السياحية والفلاحية في البلاد. ومن ثمّ تُظهر دينامية هذا القطاع أن الابتكار والإبداع أصبحا أكثر أهمية من أي وقت مضى.

يطوّر الثنائي الفرنسي التونسي سفيان وكلير بن شعبان، مؤسّسا علامة الملابس الجاهزة Lyoum، نشاطهما بين باريس وتونس، بأسلوب متمازج يستلهم تأثيرات متوسطية راقية. فتقترح كل مجموعة إطلالة لكل يوم: «Lazy Sunday» يوم الأحد، «Un lundi au soleil» (اثنين تحت الشمس)، «Le mardi c'est permis» (الثلاثاء مسموح). أمّا في بداياتها، فقد اشتهرت العلامة بتشكيلتها للأطفال، التي كانت تُباع في متجر-مطعم، قبل أن تفتح متجرين للكبار والأطفال إضافة إلى متجر إلكتروني.

تمزج مجموعة 2016 بين الموسيقى والمطبخ التونسي والشرقي والغربي: «Oum Kalthoum loved macarons»، «Gainsbourg loved Mechouia»، بألوان روك وباستيل. على أنّ إنتاج Lyoum يجري كلّه في تونس، في ست ورشات قبلت العمل محليًا وبكميات صغيرة — نهج غير معتاد في سوق الملابس الجاهزة التونسي الذي يميل أكثر إلى التصدير والتصنيع الواسع.

«صُنع في تونس»: توجّه يناسب كل الأذواق

تنظر لطيفة هذام، مصمّمة علامة Ashkan، بعين الرضا إلى بروز هذا التوجّه، الذي يتيح في رأيها إحياء الخبرات القديمة والتراث المحلي والحفاظ عليهما. فقد دفعها شغفها بالحرف اليدوية إلى أن تجوب البلاد بحثًا عن حرفيين مستعدّين لدمج خبرتهم مع تصاميم أكثر عصرية: فتُثري الملابس والإكسسوارات والأحذية المنزلية والديكور والعطور مجموعات Ashkan.

«صُنع في تونس»: منافسة شديدة

ذهب البعض أبعد في الإبداع الحرفي، على غرار مصمّمة المجوهرات سارة جمعة، التي تعمل لحسابها الخاص منذ ثماني سنوات في ضاحية جنوب تونس العاصمة. فتستلهم من المجوهرات القديمة في المهدية، وكذلك من أفريقيا وآسيا، جامعةً بين الحداثة والتقليد عبر تقنيات عريقة مثل الفتيلة (الفيليغرين) والتفريغ بالمنشار.

تتطلّب بعض القطع ما يصل إلى سنة كاملة من العمل، بين الرسم والتصميم واللمسات الأخيرة، وهو ما قد يفسّر سعرها في نظر الزبائن غير المطّلعين. تبحث سارة عن خرزات بعض العقود في منطقتها المهدية، على الساحل الشرقي، وتستلهم لقطع أخرى من الخط العربي التقليدي، مضيفة «الشيشخان» أو شذرات من الألماس.

يبقى قياس هذا الاقتصاد بدقة أمرًا صعبًا، إذ يعتمد على البيع عبر الإنترنت وصالات العرض وإنتاج بكميات صغيرة. غير أنّ ازدهار هذه العلامات الشابة المتمركزة في تونس يكشف عن عزيمة مصمّميها على تعميم الموضة، باستقطاب الشابات من الأحياء الراقية وكذلك اللواتي يفضّلن لباسًا أكثر محافظة. كما أنّ تكاثر مجموعات فيسبوك المخصّصة للترويج لـ«صُنع في تونس» يؤكّد أن هذا التوجّه واعد.

من الملابس الجاهزة إلى المجوهرات، يجعل جيل كامل من المصمّمين التونسيين من التراث المحلي مادته الخام الأساسية، لا مجرّد حجة تسويقية.

أسئلة شائعة

ما هي حركة «صُنع في تونس»؟
توجّه يقوده مصمّمو أزياء تونسيون شباب يجمعون بين التراث التقليدي والحداثة، مع إنتاج محلي في ورشات صغيرة بدلًا من التصنيع بالخارج.
ما العلامات التي تجسّد هذه الحركة؟
من الأمثلة المذكورة: Mademoiselle Hecy، وLyoum، وAshkan، ومصمّمة المجوهرات سارة جمعة (Bijoux de Tunisie).
لماذا يُعدّ الإنتاج المحلي رهانًا محفوفًا بالمخاطر في تونس؟
لأن سوق الملابس الجاهزة في تونس مصنّع في معظمه وموجّه نحو التصدير، ما يجعل الإنتاج المحلي بكميات صغيرة أمرًا غير شائع.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب