بين تونس وأسواقها، يواصل حرفيّون مهاراتٍ عمرها قرون، يهدّدها انصراف الناس عن هذه المهن. فهنا كيف يُدعَمون حتى لا تندثر هذه الكنوز، وكيف يعيد جيلٌ جديد ابتكارها بجرأة. تراثٌ يستحقّ أن يُصان، وأن يُلبَس، وأن يُورَّث.
لماذا صارت هذه الحرف الفنية في خطر؟
طالما نُظر إلى هذه الحرف على أنها حلّ أخير، فورثت أحكامًا مسبقة عنيدة. ففي المخيال الجماعي، كثيرًا ما اقترنت الصناعة التقليدية بالإخفاق الدراسي، وعُدّت طريقًا يُسلك عن اضطرار لا مهارةً تُثمَّن. أما النتيجة فورشات أُغلقت واحدةً إثر أخرى، وتقنيات موروثة تُركت على حافّة النسيان. وما يقاوم اليوم إلا قلّة من العاشقين، يشدّهم تعلّق عميق بفنّهم، دون خَلَفٍ يخلفهم.
والتراجع اقتصاديّ أيضًا. فالأجيال الشابّة، وقد أغراها منتوج صناعي أرخص، تهجر هذه المصنوعات الفريدة. وفي سوق الشواشية مثلًا، نزل عدد الحرفيين من 120 سنة 1981 إلى نحو ثلاثين اليوم. أما بغير طلب، فيعسر على المعلّمين أن ينقلوا علمهم، وتوشك فصول كاملة من تراثنا أن تزول معهم.
كيف يعيد المبدعون التونسيون ابتكار هذه التقاليد؟
منذ 2011، يغرف جيل من مصمّمي الأزياء التونسيين من التراث ليصنع قطعًا معاصرة. فالسفساري مثلًا يتزيّن بالتطريز والشراريب، ويحتفظ في الوقت نفسه بجوهره. أما هؤلاء المبدعون، مثل هند القاسمي وسيرين فايون من «مادموازيل هيسي» (Mademoiselle Hecy)، فيحيلون المهارات الموروثة مجموعاتٍ في المتناول، تُعرض في مواعيد مثل «أسبوع الموضة» بتونس (Fashion Week de Tunis).
وبين تونس وباريس، تمزج علامات مثل «ليوم» (Lyoum)، التي أسّسها سفيان وكلير بن شعبان، بين المؤثّرات المحلّية والحديثة. ولا يقف نهجها عند اللباس؛ إذ تصير الحليّ والإكسسوارات والملابس الجاهزة حواملَ للاحتفاء بالصناعة التقليدية التونسية، من غير سقوط في الفولكلور. وما عاد التراث ديكورًا، وإنما صار منبع إلهام حيّ.
أيّ علامات وتجمّعات تُبرز «صُنع في تونس» المتطلّب؟
طالما بدت علامة «تونسي» (Tounsi) عصيّةً على المنال، فصارت اليوم مرجعًا للحرفيين الحريصين على الأصالة. وتلتزم تجمّعات مثل «بي تونسي» (Be Tounsi) بالترويج لها، تثمينًا لمهارة محلّية تجمع الموروث إلى الحداثة. أما هدفها فأن تشعّ الصناعة التقليدية التونسية إلى ما وراء الحدود، بجودة لا تُعاب.
ويحيّي مبدعون هذه الحركية، منهم لطيفة حزام (علامة «أشكان»). فهي ترى أنّ من شأنها أن تعين على نقل التقنيات الموروثة، وأن تمنح المواهب الشابّة ظهورًا جديدًا. وهو ميل يستهوي جيلًا من المصمّمين والحرفيين، عقدوا العزم على أن يُدرجوا «صُنع في تونس» (Made in Tunisia) في مسعى جماليّ وأخلاقيّ معًا.
أين وكيف تُقتنى القطع التي تصون هذه المهارات؟
ننصح أوّلًا بالمنصّات الإلكترونية التي تُبرز «صُنع في تونس» (Made in Tunisia). فيعرض فيها مبدعون محلّيون إكسسوارات وملابس وأشياء زينة أعاد الحرفيون تصوّرها. وتتيح هذه الفضاءات، التي يديرها عاشقون في الغالب، اكتشاف قطع فريدة ودعم الورشات دعمًا مباشرًا. أما هذا فحلّ عمليّ لاستهلاك ذكيّ، أيًّا كان مكان الإقامة.
وفي تونس، تتعاون متاجر وأسواق حرفية مع مصمّمين لتحديث التقنيات التقليدية. فتقدّم هذه الأماكن، التي ينقل عنها أحيانًا مدوّنون ملتزمون، مختارات من قطع تجمع الأصالة إلى جمالية معاصرة. وفي ذلك تثمين لعمل الحرفيين، وإغناء للبيت أو لخزانة الملابس في آنٍ.
وماذا لو كان أجمل ما يُصنع لصون هذه الكنوز أن تُلبَس، وأن تُهدى، وأن يُنظر إليها بإعجاب؟ فكلّ شراء عند حرفيّ تونسيّ صوتٌ لبقاء مهارة، وقولٌ بأنّ لهذه الحرف مكانها في يومنا. وسواء أكان فخّار سجنان، أم حليًّا مفتولة الخيوط من المدينة، أم نسيجًا مطرّزًا باليد، فهذه القطع تروي حكاية — حكايتنا نحن. فلتُهدَ دون تردّد؛ إذ تساوي أكثر بكثير من ثمنها، وجمالها لا يبلى.