مشاهد اجتماعية

الشاشية والسفساري: إرثٌ تونسيٌّ في اللباس يعبر القرون

يعتزّ التونسيون اعتزازاً عميقاً بموروثهم الثقافي، وثمّة قطعتان تجسّدانه أكثر من سواهما: الشاشية والسفساري. الأولى طاقية حمراء قرمزية على هيئة قلنسوة، وفدت من الأندلس بعد سنة 1492 حتى غدت رمزاً وطنياً؛ أمّا الثانية فحجاب أبيض نسائي يُرتدى منذ القرن السادس عشر، يُسدل على الجسد من الرأس إلى الكاحلين. وبعد أكثر من سبعين عاماً على الاستقلال، ما زال هذان الزيّان التقليديان يجسّدان الهوية التونسية ويشهدان على براعةٍ حرفية عريقة تصمد أمام الزمن.

الشاشية التونسية: رمزُ تقليدٍ ضاربٍ في القِدَم

من الأصول الأندلسية إلى الرمز الوطني

تُعدّ الشاشية جزءاً لا يتجزّأ من تقاليد اللباس التونسي منذ قرون. وهذه الطاقية الحمراء القرمزية على هيئة قلنسوة تعود أصولها إلى الأندلس: فقد حملها المورسكيون الذين طُردوا بعد سقوط غرناطة سنة 1492 إلى تونس، حيث سرعان ما غدت فنّاً رفيعاً.

يرجع تاريخ هذا الغطاء إلى القرن التاسع في القيروان، غير أنّ شكله الحالي وفد من إسبانيا مع اللاجئين الأندلسيين. فقد وجد هؤلاء في تونس وطناً ثانياً وطوّروا فيها حرفة صناعة الشاشية.

حرفةُ إتقانٍ ذات تقنياتٍ دقيقة

تسير صناعة الشاشية التقليدية وفق مراحل دقيقة، وهي براعة تُتوارث جيلاً بعد جيل شأنها شأن طقوس عريقة أخرى ورثناها عن جدّاتنا. تبدأ النساء بحياكة الصوف المُمشَّط لصنع طواقي القبّوس. ثمّ تخضع هذه الطواقي للقصر بالماء الساخن والصابون: إذ يدعسها الرجال بأقدامهم حتى تختفي عُقَد الحياكة.

وعندئذٍ تُحوِّل معالجةُ اللبّاد بالشوك إلى قطيفةٍ وبريّة، قبل أن تكسبه الصباغة لونه الأحمر القرمزي المميّز. ويشارك في هذه الصناعة الحرفية نحو اثني عشر شخصاً، موزّعين جغرافياً بحسب الاختصاصات:

  • غزل الصوف في جربة وقفصة
  • الحياكة في أريانة
  • القصر في الباطان
  • الصباغة في زغوان
  • التشكيل في تونس

تحدّي العولمة

على غرار السفساري، تراجع حضور الشاشية شيئاً فشيئاً عن الحياة اليومية التونسية. ففي سنة 1981، كان سوق الشواشية يضمّ 120 صانعاً؛ أمّا اليوم فلا يواصل هذا التقليد سوى ثلاثين حرفياً تقريباً.

في سنة 1981، كان سوق الشواشية يضمّ 120 صانعاً. أمّا اليوم فلا يواصل هذا التقليد سوى ثلاثين حرفياً تقريباً.

بعد استقلال سنة 1956، حصر تدفّق المنتجات المصنّعة الغربية ارتداء الشاشية في المناسبات الخاصة. وفضّلت الأجيال الشابة بدائل صناعية أرخص ثمناً، حتى تخلّى كثير من الحرفيين عن هذه المهنة التقليدية.

السفساري: الحجاب النسائي التونسي التقليدي

موروثٌ نسيجيٌّ متعدّد الأوجه

يشكّل السفساري عنصراً جوهرياً من موروث اللباس النسائي التونسي. ويُرتدى هذا الحجاب الأبيض منذ القرن السادس عشر، فيغطّي الجسد من الرأس إلى الكاحلين. وتُنسج هذه القطعة القماشية بعنايةٍ فائقة من القطن أو الساتان أو الحرير بحسب المناطق.

يتمّ النسج يدوياً أو بتقنية «الفلاية» التي تتطلّب دقّةً وحذقاً. وفي جنوب تونس، يزهو السفساري بألوان زاهية تعكس التنوّع الثقافي للأقاليم.

تطوّر أعراف اللباس

خلال ستينيات القرن الماضي، مهّد الحبيب بورقيبة الطريق أمام تحرّر المرأة، فتطوّر أسلوب لباس التونسيات تدريجياً. وعندئذٍ تخلّى السفساري عن مكانته في الحياة اليومية ليقتصر على الاحتفالات التقليدية، ولا سيّما «حمّام العروس».

النهضة المعاصرة للّباس التقليدي التونسي

تجدّدٌ بعد الثورة

بعد ثورة 14 جانفي 2011، أعاد جيلٌ جديد اكتشاف هذا اللباس التقليدي. فراح فنانون ومصمّمون ومبدعون يُدرجون الشاشية والسفساري في موضةٍ معاصرة، مقاربةٌ حديثة لاقت نجاحاً لافتاً.

ويؤكّد الديوان الوطني للصناعات التقليدية بتونس هذا التوجّه: إذ يُصدَّر 80% من الشواشي إلى الجزائر والمغرب والسودان وصولاً إلى آسيا. وهكذا تغدو هذه الإكسسوارات رموزاً للهوية التونسية الحديثة.

الابتكار والتقليد: توازنٌ إبداعي

في مواجهة التأثيرات الأجنبية في اللباس، يعيد المصمّمون التونسيون ابتكار السفساري: فيزيّنونه بالشرّابات والتطريز ويطوّعونه للاتجاهات الراهنة. ويؤكّد هذا المسعى الانتماء إلى الموروث الوطني في وجه الموضات المستوردة.

ويُنوّع الحرفيون كذلك في الشواشي: ألوان وأشكال وزخارف جديدة تستهوي زبائن من الشباب. وتبثّ هذه الروح الإبداعية الحياة من جديد في حرفةٍ آخذةٍ في الانحسار.

صون الإرث التونسي في اللباس

يستحقّ هذا اللباس التقليدي فضاءً خاصاً به داخل المؤسسات الثقافية التونسية. فهو يجسّد براعةً حرفية ضاربة في القِدَم تشهد على ثراء الموروث الوطني — تلك الذاكرة عينها التي تستكشفها السلطانة من قرطاج، حيث بدأت تونس، إلى أزقّة المهدية، درّة الساحل المتوسّطي التاريخية. ومع ذلك، يدفع الوضع الراهن كثيراً من الحرفيين إلى التوقّف عن مزاولة نشاطهم.

يقتضي صون هذه التقاليد إجراءاتٍ عاجلة. فعلى الدولة والمبدعين والمجتمع المدني أن يتعاونوا للحفاظ على هذه التعابير الأصيلة عن الهوية التونسية. وبهذا الشرط وحده، ستواصل الشاشية والسفساري عبورهما إلى الأجيال القادمة.

أسئلة شائعة

ما هي أصول الشاشية؟
الشاشية طاقية حمراء قرمزية على هيئة قلنسوة، أصلها من الأندلس. وقد حملها المورسكيون الذين طُردوا بعد سقوط غرناطة سنة 1492 إلى تونس. وإذا كان تاريخ هذا الغطاء يرجع إلى القرن التاسع في القيروان، فإنّ شكله الحالي وفد من إسبانيا مع اللاجئين الأندلسيين.
كيف تُصنع الشاشية التقليدية؟
تحيك النساء الصوف المُمشَّط لصنع طواقي القبّوس، ثمّ يدعسها الرجال بأقدامهم بالماء الساخن والصابون حتى تختفي عُقَد الحياكة. وتحوّل معالجة اللبّاد بالشوك إلى قطيفةٍ وبريّة، ثمّ تمنحه الصباغة اللون الأحمر القرمزي. ويشارك في هذه الصناعة نحو اثني عشر شخصاً، موزّعين بين جربة وقفصة وأريانة والباطان وزغوان وتونس.
ما هو السفساري؟
السفساري حجاب أبيض من موروث اللباس النسائي التونسي، يُرتدى منذ القرن السادس عشر. يغطّي الجسد من الرأس إلى الكاحلين، ويُصنع من القطن أو الساتان أو الحرير بحسب المناطق.
لماذا اختفى هذا اللباس من الحياة اليومية؟
بعد استقلال سنة 1956، حصر تدفّق المنتجات المصنّعة الغربية ارتداء الشاشية في المناسبات الخاصة. أمّا السفساري، فقد جعله تحرّر المرأة الذي انطلق في عهد الحبيب بورقيبة خلال الستينيات مقتصراً على الاحتفالات التقليدية، مثل «حمّام العروس».
إلى أين تُصدَّر الشواشي التونسية؟
بحسب الديوان الوطني للصناعات التقليدية بتونس، يُصدَّر 80% من الشواشي إلى الجزائر والمغرب والسودان وصولاً إلى آسيا.
المجلة

العودة إلى الجذور: صُنع في تونس

تؤكد تونس هويتها من جديد عبر عالم الموضة. يستلهم المصمّمون الشباب من تراثهم ويحوّلون «صُنع في تونس» إلى رافد اقتصادي واعد.

15 سبتمبر 2020

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب