تواجه إدارة المياه في تونس تحدّيات كبرى تفاقمها عوامل بشرية: سوء استباق فترات الجفاف، والاستهلاك المفرط، والتلوّث الزراعيّ والحضريّ. وهذا الوضع يحوّل الماء، وهو مورد حيويّ، إلى رهان سياسيّ واقتصاديّ وصحّيّ عموميّ حاسم في القرن الحادي والعشرين.
مفارقة الماء: وفرة وندرة
الماء، العنصر الذي لا غنى عنه للحياة، يطرح مفارقة لافتة في تونس وفي العالم. فهو يغطّي 70% من سطح الأرض ويشكّل 65% من جسم الإنسان، ومع ذلك يظلّ نادرًا على نحوٍ مفارق. فمن أصل 1.300 مليون كم³ من المياه على كوكبنا، 97,2% مالحة وغير صالحة للحاجات البشرية. ولا تتجاوز نسبة المياه المتاحة فعليًّا 0,65%، وأغلبها جوفيّ، بتوزّع غير متكافئ عبر المعمورة. وهذا التفاوت يبرز إلحاح إدارة متوازنة، ولا سيّما في بلدان مثل تونس حيث يستمرّ الإجهاد المائيّ منذ أكثر من عقدين.
إجهاد مائيّ مستمرّ في تونس
شحّ المياه والاستغلال المفرط للموارد
تونس، التي تواجه شحًّا مائيًّا حادًّا مع أقلّ من 500 م³ متاحة للفرد، يزداد وضعها سوءًا بفعل الاستغلال المفرط للطبقات المائية الجوفية. وهذا الاستغلال المفرط، مقترنًا بظواهر التلوّث وتسرّب المياه المالحة، يهدّد جودة المياه المتاحة وكمّيتها. كما أنّ تزايد الحاجات المائية، بفعل النموّ الديمغرافيّ والتوسّع الاقتصاديّ، يشدّد الضغط على هذا المورد الثمين، ويعيد النظر في الدور التقليديّ للفلاحة التي تستهلك 83% من المياه.
تدهور بيئيّ وأثر التغيّر المناخيّ
التحدّيات البيئية مثل الانجراف، وترسّب الأوحال في السدود، وتلوّث المياه المستعملة، تفاقم أزمة المياه. يُضاف إلى ذلك أثر التغيّر المناخيّ، مع توقّعات مقلقة بارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات. وتسهم هذه العوامل في تبخّر متزايد وطلب أعلى على المياه، ممّا يعرّض استدامة الأنظمة البيئية والأمن المائيّ للبلاد للخطر.
نحو إدارة مستدامة للمياه
أمام هذا الوضع الحرج، لا بدّ من اعتماد استراتيجية أكثر استدامة وإنصافًا في إدارة المياه. ويشمل ذلك:
- تجديد البنى التحتية القائمة
- تشجيع ممارسات فلاحية أقلّ استهلاكًا للماء
- الاستثمار في تقنيات تحلية المياه ومعالجة المياه المستعملة
كما يصبح التحسيس بأهمّية الاقتصاد في الماء والتأقلم مع التغيّرات المناخية أمرًا جوهريًّا. فهما يضمنان مستقبلًا لا يكون فيه الحصول على الماء ترفًا، بل حقًّا مكفولًا للجميع.
اقرئي أيضًا: إدارة النفايات: الحلول المبتكرة في القرن الحادي والعشرين
نحو حوكمة جديدة للمياه في تونس
الحاجة إلى إرساء حوكمة جديدة للمياه في تونس حاجة ملحّة. فاستراتيجية شاملة بعيدة المدى باتت ضرورة لتأمين توفّر هذا المورد الحيويّ. فحاليًّا، نحو 82% من المياه المستعملة لا يُعاد استخدامها، رغم الإمكانات العالية لهذا القطاع. ويغدو تحديث محطّات التطهير والاستثمار في محطّات تحلية المياه على امتداد الشريط الساحليّ من الأولويات. يُضاف إلى ذلك أنّ مراجعة السياسة الفلاحية والاستثمار الضخم في تجديد البنى التحتية المائية أمران جوهريّان للاستجابة بفاعلية لهذه الأزمة.
ممارسات مبتكرة للاقتصاد في الماء
للحدّ من استهلاك الماء، يمكن إرساء ممارسات عدّة:
- الزراعات المتلازمة
هذه الطريقة، القائمة على التكامل بين النباتات، تهدف إلى الاستخدام الأمثل للموارد المائية. وهي تقلّل الحاجة إلى المدخلات وتحسّن التنوّع البيولوجيّ. - الريّ بالرذاذ الدقيق
تحلّ هذه التقنية محلّ الريّ التقليديّ بالجاذبية، وتتيح اقتصاد ما يصل إلى 70% من الماء. - إعادة التشجير وغرس السنط
تؤدّي الأشجار، ولا سيّما Vachellia nilotica، دورًا حاسمًا في استرجاع المياه. وهذا يتيح الوقاية من الانجراف ومن تملّح التربة. كما تسهم في خصوبة التربة وفي التنوّع البيولوجيّ.
تحدّيات صناعية وفلاحية
على القطاع الصناعيّ أيضًا، بما فيه صناعة النسيج ومعالجة الفسفاط، أن يراجع ممارساته للحدّ من استهلاكه للماء وللحدّ من التلوّث. فاعتماد تقنيات أنظف ومعالجة المياه المستعملة قبل صرفها أمران لا مفرّ منهما.
وعن الحرف النسيجية التي صاغت جزءًا من الهوية التونسية، اقرئي أيضًا: الشاشية والسفساري: إرثٌ تونسيٌّ في اللباس يعبر القرون.
المحافظة على التربة وفلاحة مستدامة
أمام تدهور التربة والانجراف، تبدو الفلاحة الحافظة حلًّا قابلًا للتطبيق. وهي تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية:
- التخلّي عن حراثة التربة
- التغطية الدائمة للتربة
- البذر المباشر مع تناوب الزراعات
وهذه الممارسات لا تحافظ على صحّة التربة فحسب، بل تضمن كذلك إدارة أفضل للمياه.
وعن المشاهد التونسية التي نحتها الانجراف، اقرئي أيضًا: مائدة يوغرطة: مكان غنيّ بالتاريخ.
الأرقام المفاتيح لإدارة المياه في تونس
| المؤشّر | الرقم |
|---|---|
| المياه العذبة المتاحة على الكوكب | 0,65% |
| نصيب الفرد من المياه في تونس | أقلّ من 500 م³/سنة |
| حصّة الفلاحة من استهلاك المياه | 83% |
| المياه المستعملة غير المُعاد استخدامها في تونس | نحو 82% |
| الاقتصاد في الماء بفضل الريّ بالرذاذ الدقيق | ما يصل إلى 70% |
خلاصة
إدارة المياه في تونس رهان كبير يستدعي عملًا جماعيًّا وحلولًا مبتكرة. وعلينا جميعًا أن نسهم في صون هذا المورد الحيويّ للأجيال القادمة.