تمثّل حركة «تحت السور» أكثر بكثير من مجرّد حلقةٍ فكرية. فقد طبعت مدرسة الفكر الثورية هذه تاريخَ تونس طبعًا عميقًا. غير أنّ السؤال يبقى: ماذا قدّمت هذه الفلسفة للمجتمع على وجه الملموس؟ وكيف حوّل أعضاؤها تأمّلاتهم إلى أفعالٍ حاسمة من أجل الاستقلال؟
مجلة «السرور»: سلاحٌ ساخر في وجه الاستعمار
تستمدّ حركة «تحت السور» قوّتها من جرأة منشوراتها. فمجلة «السرور» خير ما يجسّد هذا المسلك التخريبي. ولم يصدر منها سوى ستة أعداد، غير أنّ هذه الدورية تشهد على روح الحرّية التي طبعت هذه الحركة الفكرية.
أما علي الدوعاجي، مؤسّس المجلة ورئيس تحريرها، فيتقن فنّ السخرية الصحفية إتقانًا تامًّا. فكتاباته تعيد الأمل إلى من يرزحون تحت نير الاستعمار. وهكذا يصير هؤلاء المثقّفون أصواتَ المقهورين، أولئك الذين تُداس حقوقهم الأساسية على الدوام.
علي الدوعاجي: وجهٌ رمزيّ لحركة تحت السور
وُلد علي الدوعاجي في تونس يوم 4 جانفي 1909، فجسّد جوهر هذه المدرسة الفكرية. فهذا القاصّ والمسرحيّ والصحفيّ التونسيّ الكاتب بالعربية أسّس سنة 1936 أسبوعيّته الساخرة «السرور». ومن ثمّ صار من أبرز وجوه الجماعة التي كانت تلتقي في المقهى الذي يحمل الاسم نفسه بباب سويقة.
طبع الدوعاجي المشهدَ السياسيّ والثقافيّ التونسيّ طبعًا عميقًا. فمقاومًا عنيدًا للقدرية، صرّف ضيقَ التونسيّ في ذلك الزمن. أما إلى جانب الحبيب شيخ روحه ومحمد العربي (Mohamed Arbi) وأبي القاسم الشابي والطاهر الحدّاد، فقد جسّد ذلك الجيلَ الأوّل من المتعلّمين الخارجين من التعليم الاستعماري.
أحرارُ فكرٍ لا سبيل إلى تكميم أفواههم
صار أعضاء حركة «تحت السور» مدافعين عنيدين عن حرّية التعبير. فقد وقفوا بشراسة في وجه كلّ صيغة من صيغ الرقابة. أما هؤلاء المثقّفون فكانوا يلتفّون على المحظورات والمحرّمات بلطفٍ لافت.
واليوم، يندرج صحفيّون كتوفيق بن بريك ونادية خياري في هذا النسب. فمنشوراتهم الساخرة تُبقي إرث مدرسة الفكر الثورية هذه حيًّا. كما يمضي محلّلون مثل مريم بلخذي (Meriem Belkhadhi) وهيثم المكي في المنطق الاحتجاجي نفسه.
إرث تحت السور اليوم
غير أنّ فئةً جديدة من الناس تعارض هذه الهوية التونسية منذ 2011. فتصوّرها للفنون والثقافة والسياسة يقف على النقيض من التونسية التقليدية. أما هؤلاء المحتجّون فيخوضون صراعًا فكريًّا ضدّ المدافعين عن هذه الهوية.
ومع ذلك، يبزغ جيلٌ جديد من المبدعين والمفكّرين والفنّانين. فهؤلاء ورثةُ حركة «تحت السور» يغذّون فكرًا تخريبيًّا. أما تعبيرهم فيجري بالعربية أو بالدارجة التونسية أو بالفرنسية، على الشبكات الاجتماعية وفي السينما والمسرح.
فلسفةٌ تنهض من رمادها
تجمع الأعمال السينمائية والمسرحية اليوم بين الجرأة والحِرفة. فهذا الفيض من الأفكار يجد تعبيره في مؤلّفاتٍ كثيرة تتناول الاقتصاد والسياسة والتاريخ والدين. أما أعمال التخييل فتجد مكانها أيضًا على الشبكات الاجتماعية.
وجملة القول إنّ فلسفة «تحت السور» لم تنتهِ. فهي تنهض من رمادها وتجد صداها في شبابٍ تونسيّ يحمل الأمل. كما تُبقي التونسيات الشجاعات الجريئات هذا الإرث حيًّا. والتغيير ماضٍ في طريقه، ولسنا إلا في بدايته.
للإلهام اليومي وللحيل غير المنشورة، بابُ متابعتنا والاشتراك في محتوانا مفتوح. ومعًا نصنع فضاءاتٍ داخلية تشبهنا.