تُوقّع شو تشي، الممثلة التايوانية التي يعشقها جمهور الشاشة، أوّل أفلامها خلف الكاميرا: «Girl». وليست هذه انعطافةً عابرة في مسيرتها. فانتقالها إلى الإخراج يمدّ سنوات التمثيل في حكايةٍ بصريّة يقول فيها الصمتُ ما يعجز عنه الكلام. أما القاعات التونسية فتعرض الفيلم منذ اليوم — غوصًا في ما لا يُقال داخل العائلة، حيث لكلّ تفصيلٍ وزنُه.
لماذا انتقلت شو تشي إلى ما وراء الكاميرا؟
باختيارها تصويرَ الصمت بدل الصراخ، تذكّر بأنّ الحكايات الجديرة بأن تُروى تجرؤ على السكوت لتقول أكثر.
تُعدّ شو تشي، في إجماعٍ واسع، أبرزَ ممثلةٍ تايوانية في جيلها، وتخطو اليوم خطوةً فاصلة. غير أنّ هذا المنعطف ليس نزوةً عابرة. فهو ثمرةُ نضجٍ فنّيّ غذّته سنواتٌ من الملاحظة، ومن العمل إلى جانب كبار المخرجين. أما خلف الكاميرا فلا تقطع مع ماضيها في التمثيل، وإنما تمدّه بنظرةٍ جديدة يصير فيها كلُّ لقطةٍ امتدادًا لتجربتها.
وبإخراجها «Girl»، تتولّى شو تشي دورَ الناقلة على أتمّ وجه. فالفيلم ليس تمرينًا في الأسلوب، وإنما خلاصةُ تفكيرٍ في السرد البصريّ، صاغته عقودٌ أمضتها أمام العدسة. أما الإخراج فليس أرضًا مجهولة عندها، وإنما طريقةٌ جديدة في محاورة الجمهور، بعد أن ملكت أخيرًا كلّ أدوات الحكاية.
ماذا يكشف «Girl» عن العلاقات داخل العائلة؟
ترفع شو تشي مرآةً في وجه العلاقات الحميمة، فتستكشف — كما في أعمالها الأولى — فضاءَ العائلة بوصفه أرضًا للتوتّر. ولا صورةَ مثاليةً هنا. فالروابط تنكشف في صمتٍ ثقيل، وفي انتظاراتٍ خائبة، وفي تلك اللفتات الصغيرة التي تفضح الحبّ رغم كلّ شيء. أما الميلودراما فيتجنّبها الفيلم ليمسك بتعقيد الأدوار — أمًّا وابنةً وأختًا — حيث يبحث كلٌّ عن مكانه دون أن يجرؤ دائمًا على قوله.
وليس هذا الاختيار بريئًا. فبتركيز «Girl» على هذه الخلافات العادية، تلتحق شو تشي بتقليدٍ سينمائيّ تصير فيه العائلة مرآةَ ما لا يُقال في المجتمع. على أنّ الفيلم لا يقيم مأساةً كبرى، وإنما يراكم تفاصيلَ تقول الكثير: نظرةً تُصرف، وبابًا يُغلق نصفَ إغلاق. وبعيدًا عن الصور الجاهزة، تُظهر كيف تصوغ هذه العلاقاتُ ما نصير إليه، أكثر مما تصوغه الخطب الكبرى.
كيف يعيد هذا الفيلم الأوّل تعريفَ إرثها؟
تبلغ شو تشي مع «Girl» محطّةً فاصلة، وهي التي يجمع النقّاد على أنها أيقونة التمثيل التايوانيّ في جيلها. فليس هذا العبور إلى ما وراء الكاميرا استراحةً بين دورين، وإنما إعادةُ قراءةٍ لمسارها على الشاشة. وباختيارها أن تروي حكايةً حميمة، تحوّل هالةَ النجمة إلى صوتٍ يحكي. فيُصبح إرثُها نفسه قابلًا لقراءةٍ جديدة.
ولا يكتفي الفيلم بمدّ صورتها العامّة. بل يسائلها ويزحزحها، كأنّ شو تشي تدعو الجمهور إلى إعادة اكتشاف ما صنع أسطورتها. فيصير الإخراج هنا مرآةً مرفوعةً في وجه أدوارها القديمة، وبابًا مفتوحًا على إبداعٍ تحرّر من انتظارات الآخرين. وتلك طريقةٌ أنيقة لإثبات أنّ موهبتها لا تقف عند تجسيد الشخصيات؛ فهي اليوم تبتكرها ابتكارًا.
لا توقّع شو تشي مع «Girl» فيلمًا أوّلَ فحسب. بل تقدّم درسًا في السينما، يصير فيه الحميمُ شأنًا عالميًّا. فباختيارها تصويرَ الصمت بدل الصراخ، تذكّر بأنّ الحكايات الجديرة بأن تُروى تجرؤ على السكوت لتقول أكثر. ولعلّ هذا، في نهاية المطاف، أجملُ ما يُورَّث: أن تتحوّل مسيرةٌ كاملة إلى محادثة، يجد فيها كلّ مشاهدٍ شيئًا من عائلته، وشيئًا مما لم يقله قطّ. ولم يبقَ إلا دفعُ بابِ هذه «Girl»؛ فهي في القاعات، بكلّ ما لمخرجةٍ من حياءٍ وقوّة، مخرجةٍ تعرف أكثر من سواها وزنَ الكلام الزائد.