في تونس، تكشف الشبكات الاجتماعية عن حديث أكثر جرأة، يتحرر من قيود المحظورات التي تفرضها اللقاءات المباشرة. خلف الشاشة، تتدفق الإحباطات والمطالب بلا تردد، فتحول هذه المنصات إلى مرآة تعكس جروح المجتمع الجماعية. لكن هذه الحرية لها ثمن: الاستقطاب والتطرف وإرهاق الأذهان.
لماذا تطلق الشبكات الاجتماعية العنان لحديث أكثر جرأة؟
الشاشات ليست عدواً ولا منقذاً، بل مرايا.
في تونس، كما في مجتمعات أخرى، لا تتطابق الهوية الرقمية دائماً مع الهوية الاجتماعية. خلف الشاشة، يفقد نظر الآخرين ثقله المباشر، فتجرؤين على مواقف كنت ستخففين منها، بل ستكتمينها، في حديث وجهاً لوجه. هذا الفارق ليس استثناءً تونسياً، لكنه يكتسب هنا صدى خاصاً: فالمحظورات الجماعية، التي غالباً ما تُكتم في العلن، تعود إلى السطح على الإنترنت بصراحة مذهلة.
تلعب المسافة الجسدية هنا دوراً محورياً. دون اتصال بصري أو ردود فعل فورية من محاورتك، يتلاشى الحذر الاجتماعي. تصبح الشبكات متنفساً للتعبير عن الإحباطات والشكوك والمطالب دون قيود اللقاء المباشر. حديث كان سيُخفّف في الفضاء الحقيقي خشية الحكم، يتدفق هنا بلا حدود.
ما مخاطر انتقال النقاش العام إلى الشاشات؟
عندما تصبح الشبكات الاجتماعية الساحة الرئيسية للتبادل، يتحول النقاش العام إلى عرض دائم. الخلافات التي كانت تُناقش حول طاولة أو في الفضاء العام، تتحول هنا إلى مواجهات بلا تدرجات. كل موضوع، حتى الأكثر بساطة، قد ينزلق إلى الاستقطاب: تتطرف المواقف، تختفي الفروق الدقيقة، ويصبح الآخر خصماً يجب هزيمته، لا محاوراً يجب إقناعه. هذه الديناميكية تستنزف الأذهان، إذ تتطلب يقظة دائمة، وكأن كل منشور قد يشعل عاصفة.
مجتمع يحل نزاعاته عبر الإنترنت يخاطر أيضاً بأن يحبس نفسه في فقاعات. فالخوارزميات تضخم الآراء المتشابهة، فتخلق أصداء لا تُسمع فيها الخلافات، بل تُحارب. الإرهاق الجماعي يتربص: بين الإشعارات والجدالات وضغط الرد في الوقت الفعلي، ينحصر الحوار في ردود فعل سطحية. وعندما لا تجد الجروح الجماعية مساحة للتعبير عنها إلا عبر الشاشة، تتآكل القدرة ذاتها على الفهم المتبادل.
كيف نحافظ على الفضاء الرقمي مساحة للحوار، لا للانقسام؟
في تونس، كما يشير تفكير حديث، لا تتطابق الهوية الرقمية دائماً مع هوية الحياة اليومية. خلف الشاشة، تفلت الكلمات بسهولة من رقابة النظر الاجتماعي، وما كان سيُقال بتحفظ في لقاء مباشر قد يصبح حاداً. لتجنب تحول الشبكات إلى ساحة معركة دائمة، ابدئي بنقل قواعد الاحترام ذاتها التي تطبقينها في حديث حقيقي: توقفي لحظة قبل النشر، حاولي الفهم قبل الرد.
مجتمع يعالج جراحه عبر الإنترنت وحده يخاطر بتفاقمها. بدلاً من ترك النقاشات تغرق في المجهول أو المبالغة، فضلي المساحات التي يبقى فيها الحوار ممكناً: مجموعات محدودة، تبادل مباشر، أو حتى التحقق من المصادر قبل المشاركة. الشاشة لا تلغي إنسانية من يقفون على الجانب الآخر.
إذاً، كيف نجعل من هذه الشبكات فضاءً تُضمّد فيه الجروح بدلاً من تفاقمها؟ ربما بالبدء في معاملتها كما تعاملين حديثاً بين صديقات: الاستماع قبل الرد، التساؤل قبل الحكم، والقبول بأن بعض الجروح تحتاج وقتاً لتشفى. الشاشات ليست عدواً ولا منقذاً، بل مرايا. علينا أن نقرر ما نختار عكسه فيها: الانقسامات، أم الجسور التي نبنيها، نقرة تلو الأخرى.