لماذا يحرص بعضُ الناس على إغلاق باب الغرفة قبل النوم، ليلةً بعد ليلة؟ قد يبدو الفعلُ عاديًّا؛ فهو يقول مع ذلك الكثير عن الحاجة إلى الخصوصية وإلى الإمساك بزمام المكان. فمن وراء هذه العادة تطلّ ستُّ سماتٍ شخصية، تكشف علاقةَ صاحبها بالفضاء وبالهدوء.
لماذا يدلّ إغلاق الباب ليلًا على حاجةٍ إلى السيطرة؟
وسواء أكان الباب مغلقًا أم مواربًا، يبقى الأهمّ أن يجد المرءُ مساحةً يطمئنّ فيها من دون أن يُطالَب بتبرير.
يترجم إغلاقُ الباب قبل النوم رغبةً عميقة في الإمساك بالفضاء الخاصّ. فالفعل، على ما فيه من تلقائيةٍ لا واعية، يرسم حدًّا ماديًّا ونفسيًّا بين المرء والعالم الخارجيّ. وفي هذا الحدّ تُرسم أرضٌ حميمة يطمئنّ فيها صاحبُها ويأمن المفاجآت. أما بعض الناس فتعكس العادةُ عندهم إرادةَ إمساكٍ بالمحيط، حتى في ساعات الهشاشة التي يمثّلها النوم.
وليس هذا الطلبُ للحماية أمرًا عابرًا. فقد ترافقه حاجةٌ إلى التوقّع، حيث يكون لكلّ تفصيلٍ وزنُه في تهدئة الذهن. ويغدو البابُ المغلق عندئذٍ حصنًا رمزيًّا في وجه اللايقين، وضمانةً ألّا يعكّر شيءٌ ساعةَ الراحة. على أنّ التفضيل لا يعني جمودًا؛ فهو يكشف، ببساطة، حساسيةً خاصّة تجاه النظام والاستقرار.
هل يحبّ هؤلاء النائمون هدوءهم أكثر من سواهم؟
ليس إغلاقُ باب الغرفة ليلًا مسألةَ عادةٍ وحدها. فعند كثيرين، يترجم هذا الفعلُ البسيط حاجةً عميقة إلى الخصوصية وإلى التصرّف في الفضاء الخاصّ. وهكذا يقوم حدٌّ غير مرئيّ، مطمئنٌّ مع ذلك، بين العالم الخارجيّ وفقاعةٍ لا يدخلها أحد. أما هذا الاختيار فيكشف في الغالب حساسيةً خاصّة تجاه المحيط، إذ لكلّ تفصيلٍ فيه أثرُه في صون الشعور بالأمان.
ثمّ إنّ هذا التفضيل يكشف أيضًا عن شخصيةٍ متمسّكة باستقلالها. فبرسم الحدّ الماديّ بين عالمٍ خاصّ وعالم الآخرين، يُثبت المرءُ حقّه في خلوةٍ لا يقتحمها أحد. وتلك طريقةٌ خفيّة وفعّالة في حماية ذلك الوقت الثمين الذي يتجدّد فيه الجسدُ والذهن.
هل يمكن أن يُقرأ ذلك ارتيابًا من المحيطين؟
يوحي إغلاقُ الباب ليلًا بحاجةٍ إلى الأمان أو إلى الخصوصية، من دون أن ينمّ بالضرورة عن ارتيابٍ دائم. فالأقربُ أنّ العادة تعكس ميلًا إلى الحيطة، وطريقةً في صون الفضاء الشخصيّ داخل عالمٍ تتلاشى فيه الحدود بين الحياة الخاصّة والحياة الجماعية. وليس ثمّة ما يثبت صلتها بريبةٍ من الأقربين؛ فقد تكون مجرّد طبعٍ متحفّظ، أو رغبةً في العودة إلى الذات بعد يومٍ حافلٍ بالتفاعل.
وقد أظهر استطلاعٌ شمل أصحاب هذه العادة تنوّعًا في الطباع، من عاشق الهدوء إلى المهنيّ المثقل بالطلبات. غير أنّ الأمر لا يُقرأ رفضًا للآخرين بقدر ما يُقرأ احترامًا لإيقاعٍ خاصّ. فمنحُ النفس هذا الممرّ الهادئ ليس أنانيةً؛ إذ يكون أحيانًا شرطَ استقبالٍ أفضل لمن نحبّ في الغد.
وماذا لو كان إغلاق الباب ليلًا طريقةً أخرى في الإصغاء إلى الذات؟ فالفعل البسيط، على ما يبدو عليه من عادية، يقول الكثير عن حاجةٍ إلى توازنٍ داخليّ. أما الدافع فيختلف من شخصٍ إلى آخر: حمايةٌ من الضجيج، أو استراحةٌ قصيرة، أو عودةٌ إلى النفس. غير أنّ الخلاصة واحدة: النومُ ملاذٌ، ولكلٍّ أن يرسم حدوده. وسواء أكان الباب مغلقًا أم مواربًا، يبقى الأهمّ أن يجد المرءُ مساحةً يطمئنّ فيها من دون أن يُطالَب بتبرير. ولعلّ أبسط العادات أشدُّها تعبيرًا عنّا.