ميريام ريزا الرويسي: المرأة الخارقة التونسية
تستحقّ ميريام ريزا الرويسي احتفاءً أكثر انتظامًا. فهذه المرأة المتعدّدة المواهب تنتقل بين تصميم الأزياء والمقاولة والمالية بيُسرٍ لافت. مصمّمةُ أزياء، ومؤسِّسةُ شركة Miss Anaïs ومديرتُها، تشغّل سبعة أشخاص: مطرّزات، ومصمّمات نماذج، وخيّاطات.
وفي الوقت نفسه، تقدّم برنامج MODE FM على إذاعة RTCI وتنتجه، وتشغل منصب المديرة المالية لمجموعةٍ تشرف فيها على فريقٍ من ستّة أشخاص. أما وهي أمٌّ لطفلتين، فتجسّد حقًّا المرأة الخارقة في نسختها الحديثة.
معالم مسارٍ متعدّد
| المحطّة | المعالم |
|---|---|
| التكوين | شهادة الدراسات الجامعية العامّة (DEUG) في الاقتصاد والتصرّف بتولوز (الأولى على دفعتها)، ماجستير في علوم التصرّف اختصاص المالية بجامعة Paris-Dauphine، سلك ثالث في المالية الدولية بمدينة ريمس |
| البدايات في المالية | Société Générale (مراقبة التصرّف)، KPMG (مدقّقة في القطاع البنكي، خمس سنوات)، Ricol Lasteyrie et Associés (محلّلة مالية في الاندماج والاستحواذ، سنتان) |
| الخارج | سنتان لدى Alstom في الكويت، داخل الإدارة المالية |
| العودة إلى تونس | ماي 2014 — الإدارة المالية لمجموعةٍ عائلية للتوريد والتصدير |
| Miss Anaïs | الشرارة سنة 2017، سبعة أشخاص (مطرّزات، ومصمّمات نماذج، وخيّاطات)، أسلوب رياضيّ أنيق بنزعة بوب روك، وتطريزٌ مخصّص |
| MODE FM | برنامجٌ على إذاعة RTCI، تقدّمه مع روضة ريزا وفيليب كسيري |
| حياة العائلة | أمٌّ لطفلتين؛ والأحد كلّه للعائلة |
فنّ التوازن بين المهنة والحياة الخاصّة
تنظيمٌ محسوبٌ بالمليمتر
كيف توفّقين بين كل هذه الأنشطة ودوركِ أمًّا؟
«كلّ شيء مسألة تنظيمٍ وتركيز!» تجيب ميريام بحماسة. ويكشف جدولها تخطيطًا دقيقًا؛ إذ تعمل بدوامٍ كامل مديرةً مالية أيام الاثنين والثلاثاء والخميس والجمعة.
أما صباح الأربعاء فتفرغ فيه لتسجيل MODE FM على إذاعة RTCI. وبعد الظهر ويوم السبت، تنزل إلى ورشة Miss Anaïs للتصميم. وترافقها ابنتاها في هذين اليومين، فتجمع بين النافع والممتع.
«أستطيع التركيز على التصميم مع الاستمتاع بهما في كل استراحة. بل إنّي نقلتُ إليهما شغفي: لهما عدّة خياطةٍ للأطفال وتعشقانها!»
أحد العائلة المقدّس
يبقى الأحد كلّه للعائلة ولواجبات الأطفال المدرسية. فهذه المرأة النشطة تعرف كيف تجد لأحبّائها وقتًا ذا قيمة.
«حين يؤنّبنا الضمير لأنّنا تركناهم طوال النهار، نكون معهم بنسبة 100%. وحتى إن بدا الاستحمام والواجبات وطهي العشاء وقراءة حكاية أمرًا متعبًا أحيانًا، فإنّ المتعة التي تُقرأ في عيون الأولاد تمنح كل الطاقة اللازمة!»
وقد نسجت العائلة طقوسها الخاصّة. فإعداد العشاء معًا لحظةٌ مميّزة ولعبةٌ مشتركة في آنٍ واحد.
مسارُ تميّزٍ دوليّ
تكوينٌ وبداياتٌ واعدة
بعد البكالوريا، نالت ميريام شهادة الدراسات الجامعية العامّة في الاقتصاد والتصرّف بتولوز، وتخرّجت الأولى على دفعتها. فهذا التميّز فتح لها أبواب جامعة Paris-Dauphine، إحدى أعرق الجامعات الفرنسية.
وهناك ظفرت بماجستير في علوم التصرّف اختصاص المالية، ثمّ أتمّت تكوينها بسلكٍ ثالث في المالية الدولية بمدينة ريمس. وقد أتاح لها هذا التكوين المتين شغلَ مناصب مسؤولية في كبرى الشركات الفرنسية متعدّدة الجنسيات.
مسيرةٌ دولية لافتة
بدأت مسيرتها في Société Générale بمراقبة التصرّف. ثمّ التحقت بـKPMG مدقّقةً في القطاع البنكي خمس سنوات، فـRicol Lasteyrie et Associés محلّلةً مالية في الاندماج والاستحواذ سنتين.
وحملتها المغامرة الدولية إلى الكويت، حيث قضت سنتين لدى Alstom داخل الإدارة المالية. وبموازاة هذه المسيرة المالية، كان تصميم الأزياء والإبداع يشغلان أصلًا جزءًا كبيرًا من وقتها الحرّ.
ولادة Miss Anaïs
إرثٌ عائليّ أُعيدت صياغته
في ماي 2014، عادت ميريام نهائيًّا إلى تونس وتولّت الإدارة المالية لمجموعةٍ عائلية كبرى للتوريد والتصدير. أما Miss Anaïs فقد نشأت في عالمها منذ الطفولة، بفضل ورشة الأمّ.
«كنتُ دائمًا شغوفة بالموضة، أقضي وقتي الحرّ في الورشة. أمّي تشتغل الخياطة الراقية، وهو ما يختلف عن مقاربتي اليوم. فقد أنشأتُ خطًّا أقرب إلى صورتي: أسلوب رياضيّ أنيق بنزعة بوب روك، بتطريزٍ مخصّص.»
شرارة 2017
في 2017 بالضبط صار إنشاء علامتها الخاصّة أمرًا بديهيًّا. فداخل المجموعة المالية، كوّنت ميريام فريقًا متينًا وأرست مسارات مراقبة. ومن ثمّ صار بوسعها أن «ترخي الحبل قليلًا لتحقّق حلمها».
فقد مثّل برنامج MODE FM فرصةً جميلة اغتنمتها دون تردّد. «هذا من عالمي. أعشق مهنة التقديم، ونشكّل فريقًا متناغمًا جميلًا مع أمّي روضة ريزا، إحدى أوائل مذيعات التلفزة، ومع فيليب كسيري المولع بالموضة.»
وعند ميريام، فإنّ Miss Anaïs وMODE FM «شغفٌ أكثر منهما عملًا. ولهذا أستطيع تدبير كل شيء.»
منابع الإلهام والرؤية الإبداعية
التراث التونسي في قراءةٍ جديدة
تنهل منابع إلهام ميريام أوّلًا من التراث التونسي. فقميصها الشهير «تونسية» يلقى نجاحًا كبيرًا. كما طوّرت مجموعة «مفلفلة» المستوحاة من «فلفل برلعبيد» الشهير. وتحمل منتجاتها الأبرز العين والخمسة والسمكة.
أما عالمها البوب روك فيستلهم مصمّمين مثل Zadig et Voltaire لأسلوبها الروك الفاخر، وألكسندر ماكوين لخروجه على السائد. وتؤثّر فيها كيت موس بأسلوبها المائل عن المألوف، الموسوم ببصمةٍ روك قويّة.
حرفةٌ رفيعة
تبقى وتيرة الإنتاج حرفيّةً عن قصد. فالترتر يُطرَّز على الطريقة التقليدية بالصنّارة، باليد، ومن قفا القماش. وتلزم 48 ساعة لإنتاج نموذجٍ واحد، وفي ذلك ضمانُ جودةٍ استثنائية.
تحدّيات القطاع في تونس
نقصٌ في الهياكل
«قطاع الموضة في تونس ينقصه الهيكلة. فالمصمّمون لا يجدون دعمًا، خاصّةً إن لم ينسخوا الصناعة التقليدية حرفيًّا. لا نقابة ولا علامة جودة. وحدهم الحرفيون والصناعيون منظّمون جيّدًا.»
وبفضل MODE FM، تطلق ميريام نداءات منتظمة للتحسيس بهذه المسألة. وقد اختارتها الجامعة التونسية للنسيج والملابس عضوةً مؤسِّسة في تجمّع المصمّمين الجاري إنشاؤه.
«ما زال أمامنا الكثير، وسأحرص على أن تكون مساهمتي في مستوى انتظارات المصمّمين التونسيين.»
الموادّ المفضّلة ومشاريع الغد
عشقُ الموادّ الأصيلة
يشكّل القطن والجينز والدنيم موادَّ ميريام المفضّلة. كما تشتغل القديم المستعاد، فتنبش في محلّات الملابس المستعملة عن قطعها الفريدة المقبلة، كمجموعة الكيمونو أو أفرول الميكانيكي الشهير الذي لقي نجاحًا كبيرًا.
رؤيةٌ طموحة لسنة 2029
تزخر ميريام بالمشاريع. فهي تكتب كتابًا عن تونس مع صديقتها إيزابيل إينو (Isabelle Enault). «أجد الوقت ليلًا قبل النوم، وهو مزيلٌ ممتاز للتوتّر! ومن المفترض أن يصدر الكتاب في ديسمبر.»
وتعتزم توسيع الورشة، والانتقال إلى التصنيع مع الحفاظ على الجانب الحرفي، وفتح نقاط بيع في كامل التراب التونسي.
التآزر بين المالية والإبداع
كفاءاتٌ يكمّل بعضها بعضًا
وسُئلت عن تفضيلاتها، فباحت ميريام: «متعتي الكبرى في التصميم والإذاعة، غير أنّ المالية جزءٌ من حياتي ومن مساري. لا أقوى على التخلّي عنها! فهي متكاملة إلى حدٍّ بعيد.»
ويمنحها عالم المال تحليلًا دقيقًا للسوق. فهي تلاحظ أنّ النساء يزددن نشاطًا ويبحثن عن ربح الوقت. كما يبدين تطلّبًا أكبر: الأصالة والجودة قبل السعر.
«على هذه الأسس، ابتكرتُ مفهوم الملابس المخصّصة والمسلَّمة إلى المنزل. علّمتني المالية التفاوضَ لشراء موادّ أوّلية جيّدة بأفضل سعر، وتدبيرَ الشركة وأجرائها، وحسنَ الانتداب.»
التزاماتٌ وقيم
صون المهن التقليدية
ثمّة معركةٌ تعزّ على قلب ميريام: «أودّ كثيرًا أن أشارك في إنقاذ المهن التقليدية التي أستعملها، كالتطريز بالصنّارة، عبر المشاركة في تكوين مطرّزاتٍ جديدات ثمّ انتدابهنّ.»
لقاءٌ ترك أثره
ومن بين لقاءاتها الجميلة، واحدٌ ترك فيها أثرًا خاصًّا: «تحدّثتُ طويلًا مع جان بول غوتييه الذي أُكبره، وقد أدهشني ببساطته وتواضعه.»
وعند ميريام، «لا وجود للصدفة. فالناس يوضعون في طريقنا ليفتحوا لنا دروبًا، أو يرشدونا، أو يستفزّوا فينا ردّ فعل.»
فلسفة عيشٍ ورسالة إلهام
مفاتيح النجاح
«أخلص إلى أنّي متعدّدة الكفاءات وشغوفة، وأنّه لا ينبغي مخالفة الطبع، وأنّ كل شيء مسألة تنظيم.»
وتتردّد رسالتها إلى القرّاء تشجيعًا: «ينبغي المضيّ بالأحلام إلى آخرها، وعدمُ البقاء في منطقة الراحة، دون نسيان النفس ولا التفريط في العائلة.»
وتجسّد ميريام ريزا الرويسي خير تجسيد هذا الجيل من التونسيات اللواتي يُعِدْن ابتكار قواعد المهنة. فهي تثبت أنّ الجمع بين التميّز والشغف والتوازن العائلي ممكنٌ بالعزم والتنظيم. مصدرُ إلهامٍ حقيقيّ لكل امرأةٍ تحلم بالتوفيق بين طموحاتٍ متعدّدة وازدهارٍ شخصيّ.
ميريام ريزا — إنستغرام، فيسبوك، الموقع الإلكتروني. المصدر: السلطانة، العدد 49