هل ما زلتِ تخلطين بين الموضة والأسلوب؟ اطمئنّي، فلستِ وحدكِ في ذلك. فالفرق بينهما يختصره سطرٌ واحد: الموضة طريقةٌ عابرة وجماعية تُمليها اتجاهات اللحظة، أما الأسلوب فطريقةٌ شخصية دائمة في اللباس، تعكس ذوقكِ أنتِ. وبعد عامين قضيتُهما في قلب دار أزياءٍ إثنية بالقاهرة، أفصّل لكِ هذا التمييز الجوهري كي تُقبلي على خزانتكِ إقبالًا آخر.
ماذا تعني الموضة والأسلوب حقًّا؟ تعريفان يُضيئان الطريق
لنبدأ بوضع الأساس. فـالموضة، بحسب معجم لاروس، تعني «طريقةً عابرة في السلوك والتفكير، تُعدّ من حسن الذوق في وسطٍ ما وفي لحظةٍ بعينها». أما الأسلوب فيمثّل «طريقةً شخصية في اللباس وتصفيف الشعر والتصرّف»، تعكس ذوقكِ الخاصّ.
يكشف هذا التمييز، منذ البداية، عن مقاربتين متقابلتين. فالموضة تتّجه إلى الجمهور العريض وإلى القبول الاجتماعي، أما الأسلوب فيُقدّم التعبير الفردي والذاتي.
الموضة: ظاهرةٌ عالمية تُملي قواعدها
إيقاعٌ محموم لا يرحم
لا تعرف الموضة ثابتًا واحدًا. خذي مثلًا ذلك الفستان الذي حظي بالإجماع في أسبوع الموضة بباريس: ارتديه بعد شهرٍ واحد، فقد تبدين امرأةً «تجاوزها الزمن». ومن ثمّ يُكثر المصمّمون من تشكيلاتهم لمجاراة هذا الإيقاع الجهنّمي.
في عَقدٍ واحد، ارتدينا السراويل الواسعة ثم الضيّقة، وعالية الخصر ثم منخفضته، السادة منها والمنقوشة. بل إنّ بعضهنّ رسمن السروال على السيقان مباشرة! فهذا التقلّب طابعٌ أصيل في الموضة.
هوَسُ الجديد الذي يدفع إلى الاستهلاك
تؤكّد لكِ متابعات الموضة ذلك بأنفسهنّ. فهنّ يبحثن عن الجديد بلا انقطاع، ويشترين بدافعٍ لا يُقاوَم الثياب والأحذية والإكسسوارات التي نادرًا ما يرتدينها، بل لا يرتدينها قطّ. ولماذا؟ لأنّ طرازاتٍ جديدة تخرج كل يوم.
وتُغذّي هذه الحُمّى تجارةً رائجة: تجارة «النسخ الراقية». فبدل حقيبة هيرميس بـ3000 يورو، تدفع متابعة الموضة محدودة الميزانية 300 دينار في نسخةٍ منها. غير أنّ هذه المرأة نفسها ترفض أن تشتري حقيبةً حرفية من جلدٍ حقيقي بنصف الثمن، لأنها لا تحمل «علامة».
الأسلوب: بصمتُكِ الشخصية التي تعبُر الزمن
قراءةٌ خاصّة بكِ للموضة
يمثّل الأسلوب طريقتكِ الخاصّة في قراءة الموضة. فأنتِ تنتقين ما يعجبكِ وما يليق بكِ. ثمّ تمنحين نفسكِ وقتًا لتطويع القطع المختلفة لشخصيّتكِ، أو للصورة التي تريدين أن تعكسيها.
ويُصقَل الأسلوب ويُبنى حول عددٍ قليل من القطع الأساسية ذات الدلالة الهوياتية. غير أنّه ليس مسارًا جامدًا.
تطوّرٌ طبيعي يرافق حياتكِ
يغيّر كثيرون أسلوبهم مرّاتٍ عدّة في حياتهم. فهذه التحوّلات ترافق عادةً مراحل العمر وظروف العيش أو النموّ الشخصي. على أنّ هذا المسار يجري على مهلٍ، خلافًا لتقلّبات الموضة السريعة.
وليس امتلاك أسلوبٍ حصرَ نفسكِ في مجموعة ألوان بعينها أو في مصمّمٍ واحد. فهو خيطٌ ناظم تحفظينه في خزانتكِ وفي طريقة حضوركِ. وتُجسّد غريس كيلي هذا المعنى خير تجسيد؛ إذ يتجاوز أسلوبها الأزمنة والبلدان والموضات!
الموضة والأسلوب: جدلُ عصرنا الكبير
لماذا تختارين الموضة؟
يستجيب من يُقدّمون الموضة على ما عداها، في الغالب، لحاجةٍ عميقة إلى القبول. فهم يريدون الانتماء إلى جماعةٍ معروفة ونافذة تستقطب الجمهور. أما «المؤثّرون» في عالم الاستعراض أو على الشبكة، فيبدو أنّهم يُملون ما يُؤخذ به وما يُطرح.
ثمّ إنّ اتّباع الموضة يتيح عيش ما يشبه حلمًا مرصّعًا بالبريق، خاصّةً حين يضيّق الواقع الماديّ من إمكاناتنا. ومن هنا ينجح سوق نسخ الفخامة.
لماذا تُؤثرين الأسلوب؟
ترى صاحبات الأسلوب في الموضة فنًّا، وطريقةً للتعبير والتحرّر. فهنّ يحترمن عمل المصمّمين احترامًا عميقًا، غير أنّهنّ لا يُذعنّ لإملاءات الجمهور. وإنّما يعزفن لحنًا يعجبهنّ عزفًا خاصًّا بهنّ، مبدّلاتٍ في الآلات.
وتُقاوم هذه المقاربة كذلك ما في الخزانة سريعة التقادم من عبورٍ وتلويث. فمن هذا الوعي البيئي والاجتماعي وُلد أسلوب الفينتاج (vintage). غير أنّ المفارقة أنّ هذا الوعي نفسه صار… موضة!
الموضة والأسلوب: تكاملٌ غير متوقّع
يُجسّد مثال الفينتاج هذا التكامل بين الموضة والأسلوب خير تجسيد. فقد تبنّى المصمّمون وأئمّة الاتجاهات مقاربةً وُلدت من وعيٍ بيئيّ. وما يزال أسلوب الفينتاج اليوم على الموضة، وفي ذلك دليلٌ على أنّ المفهومين يتغذّى أحدهما بالآخر.
الموضة والأسلوب في لمحة
| المعيار | الموضة | الأسلوب |
|---|---|---|
| التعريف (لاروس) | طريقة عابرة في السلوك أو التفكير، تُعدّ من حسن الذوق في لحظةٍ بعينها | طريقة شخصية في اللباس وتصفيف الشعر والتصرّف |
| الوجهة | نحو الجمهور والقبول الاجتماعي | نحو التعبير الفردي والذاتي |
| الإيقاع | يتبدّل سريعًا: تشكيلات ومواسم واتجاهات صغيرة | يُبنى ويتطوّر على مهلٍ، مع الزمن |
| المحرّك | الجديد، والانتماء إلى جماعةٍ نافذة | بضع قطعٍ أساسية ذات دلالة هوياتية |
| المثال الوارد في المقال | فستانٌ حظي بالإجماع طوال أسبوع الموضة بباريس | غريس كيلي، التي يتجاوز أسلوبها الزمن |
وأنتِ، أين أنتِ من هذا؟
أما أنا فعلاقتي بثيابي ما تزال علاقة نزاع (فهي كثيرًا ما ترفض أن أدخل فيها!). غير أنّي أرجو أن يتغيّر ذلك قريبًا. فمن الأسف أن تفوت المرأةَ فرصةُ إمتاع نفسها، سواء بأن تصير «فتاة اللحظة» أو بأن تبني أسلوبها الخاصّ ببساطة.
والأهمّ؟ كوني أنتِ، ولا تُعيري قيل الناس أكثر ممّا يستحقّ، واحفظي ذهنًا منفتحًا. فنحن لا نحبّ أن يحكم علينا أحد؛ فلماذا نحكم على غيرنا؟
كلمةٌ أخيرة في تضامن الثياب
لا تنسَي أبدًا أنّ كثيرين لا يملكون ما نملكه من رفاهية. فالثياب التي لم تعودي تحبّينها قد تُعين مسنّةً على اجتياز شتاءٍ قاسٍ، أو تمنح طفلًا شجاعةَ قطع الكيلومترات إلى مدرسته. فاسألي عن الجمعيات المختلفة، وامنحي ابتسامةً لإنسان، ولو كان على بُعد آلاف الكيلومترات!
موضةٌ أم أسلوب؟ لعلّ السؤال الحقيقي ليس في الاختيار، وإنّما في إيجاد التوازن الذي يشبهكِ. فأجمل طريقةٍ لارتداء ثوبٍ تبقى ارتداؤه بثقةٍ وطيبِ خاطر.