تحتلّ صناعة النسيج اليوم المرتبة الثانية بين أشدّ القطاعات تلويثًا في العالم، وهو ما يدفع المبدعين والمستهلكين في أفريقيا إلى حلولٍ مستدامة. فتفرض ثلاثة أقمشة بيئية نفسها بدائل ملموسة: القرّاص، الذي يستهلك من الماء أقلّ بكثير من القطن؛ والرامي، «الحرير النباتي» المرغوب لمتانته؛ و«بيناتكس» (Piñatex)، الذي يحلّ محلّ الجلد بألياف أوراق الأناناس.
لماذا تلوّث صناعة النسيج إلى هذا الحدّ؟
تنتج صناعة الموضة اليوم 20% من المياه المستعملة في العالم. ثمّ إنّها مسؤولة عن 10% من انبعاثات الكربون على الكوكب، أي أكثر ممّا يطلقه الطيران الدولي. أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فيحذّر: بحلول 2050 سيلتهم هذا القطاع أكثر من ربع ميزانية الكربون العالمية.
وأمام هذا الاستعجال، تبرز الأقمشة البيئية حلولًا قابلة للحياة. فهذه البدائل الصديقة للبيئة تدخل الأسواق الأفريقية شيئًا فشيئًا، وتفتح فرصًا اقتصادية محلّية واعدة.
القرّاص: قماشٌ بيئيّ بخصائص استثنائية
ليفٌ نباتيّ يُكتشف من جديد
يقلب القرّاص اليوم صناعة الأقمشة البيئية رأسًا على عقب. فهذه النبتة تحتاج من الماء أقلّ بما لا يقاس ممّا يحتاجه القطن التقليدي. إذ يستهلك إنتاج كيلوغرامٍ واحد من القطن ما بين 5000 و17000 لتر من الماء.
ويبتلع صنع بنطال جينز واحد نحو 10000 لتر من الماء. فمع ملياري بنطالٍ تُباع كلّ سنة، يصير الأثر البيئي هائلًا. ومن ثمّ يقدّم القرّاص بديلًا مستدامًا يناسب المناطق الأفريقية على وجه الخصوص.
خصائص تقنية لافتة
لا تستدعي زراعة القرّاص أيّ مادّة كيميائية ملوّثة. فساقه الطبيعية تتحلّل حيويًّا تحلّلًا استثنائيًّا. ثمّ إنّ ليفه المجوّف يمنح عزلًا حراريًّا لافتًا، إذ يحبس الهواء في النسيج حبسًا طبيعيًّا.
وتتيح هذه الخاصّية صنع ثيابٍ عازلة لجبال أفريقيا، وأقمشةٍ منعشة في الوقت نفسه لمناطق الساحل.
الرامي: الحرير النباتي منذ آلاف السنين
إرثٌ نسيجيّ عمره ستّة آلاف سنة
يأسر الرامي بمتانته الخارقة وببريق مظهره. فهذا الليف، الملقّب بـ«الحرير النباتي»، يُستخرج من نبتة بوهميريا نيفيا (Boehmeria nivea) من فصيلة القرّاص. ومع أنّه يُزرع أساسًا في آسيا، فإنّه يتأقلم تمامًا مع مناخات أفريقيا المدارية.
خصائص ميكانيكية استثنائية
يملك خيط الرامي متانةً تثير الإعجاب: فقطعه باليد مستحيل. أما أليافه فيتراوح طولها بين 50 و250 مم، وهو طولٌ مثاليّ لأقمشةٍ بيئية عالية الجودة.
في الصين، يُصنع من الرامي أقمشةٌ راقية. وفي أوروبا، يُنسج منه قماشٌ رفيع وخيوطٌ صناعية. فهذا التعدّد في الاستعمال يفتح آفاقًا مثيرة أمام أصحاب مشاريع النسيج في أفريقيا.
«بيناتكس»: حين يحلّ الأناناس محلّ الجلد
ابتكارٌ وُلد من الحاجة
طوّرت المصمّمة الإسبانية كارمن إيخوسا (Carmen Hijosa) «بيناتكس» بعدما عاينت ما يخلّفه الجلد التقليدي من خرابٍ بيئي. فهذا القماش البيئي يستعمل ألياف أوراق الأناناس، ويحوّل فضلةً زراعية إلى مادّةٍ ثمينة.
أخطار الجلد التقليدي
يتطلّب الدباغ التقليدي 35 لترًا من الماء لكلّ كيلوغرام من الجلد المنتَج. ثمّ إنّ هذه العملية تستعمل موادّ كيميائية سامّة، كثيرًا ما تُصرف في الطبيعة. فتسبّب هذه الموادّ الحساسية وأخطار السرطان للعاملين.
من فضلةٍ زراعية إلى فخامةٍ مستدامة
يحوّل «بيناتكس» أوراق الأناناس إلى بديلٍ ثوريّ للجلد. فهذا الابتكار يستلهم تقاليد الفلبين، حيث تُستعمل هذه الألياف منذ زمنٍ بعيد في حياكة الثياب التقليدية. أما هذه المادّة، المتينة الليّنة المرنة، فتنافس الجلد الحيواني.
| القماش البيئي | أصل الليف | نقطة القوّة |
|---|---|---|
| القرّاص | ساق النبتة، وزراعةٌ بلا مادّة كيميائية | ماءٌ قليل؛ وليفٌ مجوّف بعزلٍ حراريّ طبيعي |
| الرامي | بوهميريا نيفيا (Boehmeria nivea) من فصيلة القرّاص، تُزرع في آسيا | متانةٌ استثنائية؛ أليافٌ من 50 إلى 250 مم، ويسمّى «الحرير النباتي» |
| «بيناتكس» | ألياف أوراق الأناناس (فضلة زراعية) | متينٌ ليّنٌ مرن؛ بديلٌ عن الجلد الحيواني |
أيّ مستقبلٍ للأقمشة البيئية في أفريقيا؟
تملك أفريقيا طاقةً هائلة لتطوير هذه الأقمشة البيئية المبتكرة. فالقارّة تزخر بنباتاتٍ ليفية تقليدية كثيرة لم تُستثمر صناعيًّا بعد. ومن ثمّ تمثّل هذه البدائل المستدامة فرصًا اقتصادية معتبَرة.
ينبت القرّاص طبيعيًّا في مناطق أفريقية عدّة. ويتأقلم الرامي مع مناخات القارّة المدارية. أما «بيناتكس» فقد يستفيد من فضلات الأناناس في مزارع غرب أفريقيا.
ترسم هذه الابتكارات النسيجية مستقبل موضةٍ تحترم البيئة. فهي تقدّم في آنٍ واحد حلولًا مستدامة وآفاقًا اقتصادية واعدة لصناعة القارّة.