هوبونوبونو (Ho’oponopono) كلمةٌ هاواييّة الأصل، معناها أن تُصلح وتُقوّم وتُعيد الأمر إلى استقامته. وتحيل الكلمة على تقليدٍ موروث يُلجأ إليه لفضّ النزاعات التي تنشب داخل الجماعة. فهي إذن تنزع التوتّر، وترأب ما تصدّع من صلات الأفراد في تلك الجماعة، وتعيد إلى المجموعة انسجامها.
كيف يُمارَس هوبونوبونو؟
يُعدّ هوبونوبونو «هونا» (Huna)، أي تقليدًا سرّيًّا. وقد كشفته للناس الشامانة الهاواييّة مورنا سيميونا (Morna Simeona)، فبسّطت ممارسته وجعلتها في متناول الجميع. وجوهرها ترديد كلماتٍ في حلقةٍ لا تنقطع، حتى تصير مانترا. فإذا وقفتِ أمام نزاع، وأخذ الغضب يدبّ فيكِ ونفد صبركِ واحتدّ طبعكِ، أوصى هوبونوبونو بترديد «آسفة، سامحيني، شكرًا، أحبّكِ» لتستعيدي انسجامكِ مع نفسكِ.
شفاء النزاعات الآتية من الخارج، في داخلكِ
ليس هوبونوبونو منهجًا وحسب. بل هو فنّ العيش، يُحرِّر من يسلك سبيله تحريرًا عظيمًا. وممارسته تفتح طريق ارتقاءٍ شخصيّ وروحيّ معًا. فهو يُمارَس في كلّ ساعة، وأوقات النزاع أدعى إليه من غيرها. رَدِّدي المانترا في سرّكِ — «آسفة، سامحيني، شكرًا، أحبّكِ» — كلّما نشأ توتّر، أو وقعت عليكِ نظرةٌ عاتبة، أو دارت مشادّة، أو أحسستِ بألمٍ نفسيّ أو ضيقٍ مفرط. فتهدأ بذلك المشاعر السلبية التي تهزّكِ.
لماذا هذه الكلمات بالذات؟ وما معنى هذه المانترا؟
لا تحيل كلمات صيغة هوبونوبونو على معنى الذنب الذي يُلصَق بها.
| كلمة المانترا | المعنى |
|---|---|
| آسفة | تُعين على إدراك أنّ ثمّة مشكلة. فمن عرف كيف يتعرّف إلى النزاع، أمكنه أن يأخذ مسافةً من الحدث الذي ولّده. وإنما تُستعمل كلمة «آسفة» لتفتح باب الوعي. |
| سامحيني | بالنطق بهذه الكلمة يُقَرّ بأنّ ردّ الفعل جاء تحت وطأة شعورٍ سلبيّ. وفيها رحمةٌ بالنفس، واعترافٌ بأنّ الاستجابة كانت لذاكرةٍ مُقيِّدة ولذكرى موجعة مدفونة، أكثر منها للموقف نفسه. فنحن في الحقيقة لا نستجيب للصعوبة في ذاتها، وإنما لحدثٍ بعيد جرحنا وترك فينا أثرًا سيّئًا. عندها يُدرَك الضعف، ويُقبَل. ثمّ تُغتفر هفوات الماضي، ويُغتفر تكرارها، وعدمُ تركها حيث هي… في الماضي. |
| شكرًا | تعبيرٌ عن الامتنان. فالحدث المزعج قد كشف للتوّ ذاكرةً مُقيِّدة وشعورًا سلبيًّا، وحقّه أن يخدمكِ في فهم هذا الألم المدفون والتخلّص منه. وهذا ما يقود إلى الكلمة الأخيرة من مانترا هوبونوبونو. |
| أحبّ نفسي | تُعبّرين عن محبّتكِ ورحمتكِ. فترسلين ذبذبة محبّة، وتُنظّفين الذاكرة المُقيِّدة التي منها تنبع المشاعر السلبية عند النزاع. |
هوبونوبونو منهج شفاءٍ داخليّ. وتُردَّد المانترا جهرًا أو همسًا في السرّ. فالمهمّ أن تجد هذه الكلمات الأربع صداها في صوتكِ الداخليّ.
لماذا تُردَّد هذه الصيغة والنزاع أشعله شخصٌ آخر؟
إذا وقعتِ في موقف نزاع، ساوركِ الحزن أو الغضب. ومع أنّ التوتّر يُشعله حدثٌ خارجيّ، فإنّ الشعور السلبيّ ردّ فعلٍ داخليّ ينبع منكِ أنتِ. فيُملي الغضبُ أو الحزنُ سلوككِ، ويعزّ أن تُحلّ المشكلة القائمة حلًّا عاقلًا. وتغييرُ ردّ الفعل في موقف النزاع يعني قبول نصيبكِ من المسؤولية فيه. قد لا تكونين أنتِ من أشعله، غير أنّكِ لم تُفلحي في إطفائه. فإذا بدأتِ باستعادة انسجامكِ الداخليّ، رفضتِ أن يكون لحدثٍ خارجيّ سطوةٌ عليكِ. وحين تهدئين وتصالحين نفسكِ، تتّضح أنجع الحلول من تلقائها.
هل أنا مسؤولةٌ عمّا يصيبني من مشكلات؟
هذه الفكرة أعسر ما يُقَرّ به، وأشدّ ما يُحرِّر حين يُعاش. فمتى قبلتِ أن تكوني مسؤولةً عن وجودكِ وعن الأحداث التي تتألّف منها، تبيّن لكِ أوضح ما في وسعكِ تغييره. ولا جدوى إذن من انتظار أن يبدّل الآخر موقفه. فكلّ المطلوب أن تُبدّلي سلوككِ أنتِ، بفضل هوبونوبونو.
ما الذي يُنتظر بعد ترديد المانترا؟
مع هوبونوبونو، يُبقى بلا انتظار، وتُترك الحياة تفعل فعلها. فغاية هذا المنهج وحدها أن يُستعاد الانسجام الداخليّ وسلام النفس. وإيّاكِ أن تترقّبي تغيّرًا خارج ذاتكِ، كأنّ الناس سيبدّلون سلوكهم بمعجزة ويسيرون على ما تشتهين. فأنتِ وحدكِ المسؤولة عن حياتكِ. ولأن تُغيّري نفسكِ وتُبدّلي ردّ فعلكِ أمام موقف، أهونُ من أن تُحوّلي إنسانًا آخر. فإذا رَدّدتِ مانتراكِ، تحرّكتِ بدافع ذبذبةٍ من المحبّة. فثقي إذن بما تفعلين، وامضي في حياتكِ. ثمّ إنّ لهذه الصيغة ميزة الاستقلال؛ إذ لا تحتاجين إلى من يرافقكِ لتمارسي هذا المنهج. ويمكنكِ ترديد مانتراكِ ما شئتِ من المرّات، وكلّما أحسستِ بشعورٍ سلبيّ يولد.
هل يلزم فهم أصل المشكلة قبل ممارسة هوبونوبونو؟
من مزايا هذا المنهج أنّه لا يقتضي تحليل الموقف ولا البحث عن أصل النزاع. ولا حاجة إلى تحديد الذكرى التي أنتجت ردّ الفعل غير المناسب في نزاعٍ بعينه. فما إن تُحسّي المشاعر السلبية تطلّ، رَدِّدي مانتراكِ «آسفة، سامحيني، شكرًا، أحبّكِ» حتى يعود إليكِ سلامكِ الداخليّ. وبذلك تمارسين تنظيف المعتقدات السلبية الذي ذكرناه آنفًا، وتتحرّرين من النمط السلوكيّ الذي كان يدفعكِ إلى إعادة السلوك نفسه أو إلى لقاء النوع نفسه من النزاع. فهوبونوبونو منهج تحرّرٍ وجدانيّ يتيح لكِ أن تُحسّني صحّتكِ الوجدانية وأن ترتقي في حياتكِ. ولكِ بالطبع أن تستكشفي ذكرياتكِ وتنبشي أصل الذاكرة المُقيِّدة بعد ذلك…
هل أنا مسؤولةٌ عن عنف الوسط الذي أعيش فيه؟
بمعتقداتكِ ومعارفكِ وتجربتكِ في الحياة، تصنعين وجودكِ. وتقع مسؤوليّتكِ في تشكيل تلك المعتقدات، وفي تبديل تلك المعارف، وفي تطوير تلك التجارب. فالعيش في بيئةٍ عنيفة يغرس عاداتٍ بعينها في الحياة اليومية. وإليكِ وحدكِ يعود تغيير هذه العادات. فلكِ أن تبقَي ضحيّة ماضيكِ، ولكِ أن تعزمي على تبديل سلوككِ بتنظيف معتقداتكِ السلبية واحدًا واحدًا. ولبلوغ ذلك يكفي أن تنطقي بكلمات هوبونوبونو الأربع كلّما أطلّ شعورٌ سلبيّ. ومرّةً أخرى، لا يلزم تحديد المنبع الدقيق للحزن أو الغضب، وإنما قبول أنّ هذه المشاعر تنحدر من حكايةٍ قديمة، مضت وانقضت.
هل يُغني هوبونوبونو عن العلاجات؟
يسهم هذا المنهج في بلوغ الانسجام الداخليّ، يومًا بعد يوم. فهو مكمّلٌ ممتاز لأيّ مسارٍ علاجيّ، ولا يحلّ محلّ العلاجات الطبّية.
وهوبونوبونو قريبٌ ممّا كان يقوله غاندي:
«كوني التغيير الذي تريدين أن ترينه في هذا العالم.» غاندي
تتغيّرين دون أن تنتظري شيئًا سوى سكينتكِ الداخلية. فيشعّ هذا الهدوء منكِ، ويحسّ به من حولكِ، فيتشرّبون بدورهم ذبذبات المحبّة التي تحملينها في صدركِ. وتتحسّن إدارتكِ للنزاعات، فيهبط الضغط وتطلّ الأُلفة. لعلّكِ تظنّين الأمر أبسط أو أجمل من أن يكون حقيقة؟ ليس إلى اليقين إلا سبيلٌ واحد، أليس كذلك؟