عيد الأمّ ليس اختراعًا إعلانيًّا بأيّ حال: فتاريخه يعود إلى العصور القديمة، بين تكريم ريا وسيبيل، أُمّي الآلهة عند الإغريق، و«أحد الأمومة» (Mothering Sunday) الإنجليزي في القرن السادس عشر. ففي فرنسا، لم يُصبح رسميًّا إلّا سنة 1950؛ أمّا في الولايات المتّحدة، فقد وُلد من نضال آنا جارفيس سنة 1908. واليوم، وقد بات يُحتفى به في العالم أجمع — من تونس إلى كندا، ومن إسبانيا إلى إثيوبيا — فإنّه يتّخذ أشكالًا مختلفة باختلاف البلدان.
في أصول عيد الأمّ
عيد الأمّ أبعد ما يكون عن مجرّد تقليد تجاري. فوراء باقات الزهور وعقود المعكرونة تختبئ حكاية عريقة بقدر ما هي مؤثّرة. الاحتفاء بالأمومة، وتكريم النساء اللواتي وهَبْننا الحياة، وشكرهنّ على حبّهنّ غير المشروط: لفتة كونية، تتنوّع بألف صورة وصورة بحسب العصور والبلدان.
من ربّات العصور القديمة إلى الكنائس المسيحية
تعود أولى مظاهر تكريم الأمّهات إلى العصور القديمة. فعند الإغريق، كانت ريا وسيبيل، أُمّا الآلهة، تحظيان بالتكريم. أمّا الرومان، فكانوا يحتفلون بماتر ماتوتا (Mater Matuta) خلال احتفالات الماتراليا (Matraliae)، وهو عيد يُقام في 11 جوان.
وفي وقت لاحق، في القرن السادس عشر، أرسى الإنجليز أحد الأمومة، الذي يُحتفى به في الأحد الرابع من الصوم الكبير. وكان هذا اليوم يتيح للخَدَم العودة إلى أبرشيّتهم الأصلية لقضاء يوم مع العائلة. ومع مرور الوقت، اكتسبت العادة طابعًا دنيويًّا. وفيه كان الأطفال يُهدون الزهور إلى أمّهاتهم، إلى أن اندمج مع النسخة الأمريكية في ثلاثينيات القرن العشرين.
عيد الأمّ في فرنسا: اعتراف متأخّر
مع أنّ نابليون بونابرت كان قد فكّر في عيد رسمي للأمّهات منذ سنة 1806، فإنّ الفكرة أخذت وقتًا لتنمو. وكان لا بدّ من انتظار سنة 1906 لتشهد أرتاس، بإقليم الإيزير (Isère)، أوّل احتفال. ثمّ تبلور العيد خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن يكتسب طابعًا مؤسّسيًّا في ظلّ نظام فيشي، مع الإعلان عن يوم وطني سنة 1941. ولم يكن إلّا في سنة 1950 أن حدّد القانون رسميًّا عيد الأمّ في فرنسا في آخر أحد من شهر ماي (أو أوّل أحد من جوان إذا تزامن مع عيد العنصرة).
عيد الأمّ في الولايات المتّحدة: نضال آنا جارفيس
يبدأ التاريخ الحديث لـعيد الأمّ في الولايات المتّحدة في القرن التاسع عشر. فقد أنشأت آن ريفز جارفيس نوادي عمل الأمّهات، ثمّ نظّمت يوم الصداقة لمصالحة العائلات بعد الحرب الأهلية الأمريكية. كما أطلقت جوليا وارد هاو، الناشطة النسوية، نداءً من أجل يوم سلام الأمّهات.
لكنّ آنا جارفيس، ابنة آن، هي من أطلقت أوّل احتفال رسمي سنة 1908. فإذ تأثّرت بوفاة أمّها، كرّست حياتها لإدراج هذا اليوم في التقويم الوطني. وفي سنة 1914، أصدر الرئيس ويلسون مرسومًا يجعل الأحد الثاني من شهر ماي يومًا مخصَّصًا للأمّهات.
ومن سخرية القدر أنّ آنا جارفيس، وقد راعها الاستغلال التجاري لعيدها، انتهت إلى التبرّؤ منه تمامًا، فرفعت دعاوى قضائية ضدّ العلامات التجارية ودعت إلى مقاطعة بائعي الزهور. نضال ذهب سُدًى، لكنّه كاشف عن التوتّر بين الصدق والاستهلاك.
عيد الأمّ حول العالم
اليوم، يعكس عيد الأمّ حول العالم تنوّع الثقافات:
| البلد | التقاليد والتاريخ |
|---|---|
| تونس | يُحتفى به في آخر أحد من شهر ماي. قصائد صغيرة، وهدايا مصنوعة يدويًّا في المدرسة، وعُلب تجميل أو حلويات: كلٌّ يُبدع بطريقته لإدخال السرور على أمّه. |
| كندا | كما في الولايات المتّحدة، في الأحد الثاني من شهر ماي. |
| إسبانيا | يُحتفل به في أوّل أحد من شهر ماي؛ وتُدعى الأمّهات إلى العشاء خارج البيت. |
| بلجيكا | يختلف التاريخ باختلاف المناطق: الأحد الثاني من شهر ماي أو 15 أوت. |
| إنجلترا | يُقام أحد الأمومة دائمًا في الربيع، في منتصف الصوم الكبير. |
| إثيوبيا | يدوم عيد أنتروشت (Antrosht) ثلاثة أيّام في الخريف. |
| إيطاليا وتركيا وروسيا والدنمارك وفنلندا | يُتَّبع النموذج الأمريكي. |
في تونس، تقليد مُتبنّى وراسخ
مع أنّ عيد الأمّ في تونس دخل في ظلّ الاحتلال الفرنسي، فإنّه فرض نفسه شيئًا فشيئًا في كلّ العائلات، أيًّا كانت ديانتها. وفيه يُحتفى بالأمّهات على الطريقة الأمريكية، لكن بنكهة تونسية: بالقلب، والشعر، وغالبًا بمائدة عائلية شهيّة.