أنوثة

حقوق المرأة في تونس: نضال تاريخي نحو المساواة

في تونس، تشكّلت حقوق المرأة عبر نضال طويل: من أولى المطالب الإصلاحية في القرن التاسع عشر إلى مجلة الأحوال الشخصية لسنة 1956، وصولًا إلى التحرّكات التي أعقبت ثورة 14 جانفي 2011. وقد ألغت هذه المجلة، الصادرة في عهد الحبيب بورقيبة، تعدّد الزوجات والطلاق بالإرادة المنفردة، وفتحت أمام التونسيات حقّ طلب الطلاق، ليتبعه قريبًا حقّ الاقتراع. وفي ما يلي عودة إلى تاريخ نسجته مكاسب انتُزعت بشقّ الأنفس، ولم تُعدّ يومًا نهائية.

كثيرًا ما يمتزج تاريخ تونس بمصير نسائها. فمن أليسا إلى أمازونات العصر الحديث، مرورًا بللا منوبية شفيعة ضواحي تونس، وفاطمة الفهري مؤسِّسة جامعة القيروان، أو الأميرة عزيزة عثمانة، حملت كل العائلات في كنفها نساءً استثنائيات. تسقط أسماؤهنّ في غياهب النسيان مع مرور الزمن، لكن حمضهنّ النووي يطبع النسيج الاجتماعي ويصوغه، رغم كل الصعاب.

أولى المطالب بحقوق المرأة التونسية

يعود نضال التونسيات من أجل حقوقهنّ إلى زمن بعيد. غير أن هذا النضال بدأ ينتظم ويتّخذ طابعًا مؤسّسيًا منذ القرن التاسع عشر، حين اهتمّ الإصلاحيون العرب، المتشبّعون ببعض مبادئ الحرية المستقاة من القرآن، بفكر الأنوار. وخطا الدفاع عن قضية المرأة خطواته الأولى في أوروبا وتركيا ومصر.

في تونس، طالب الوزير خير الدين، أحد أبرز وجوه الحركة الإصلاحية التونسية، منذ سنة 1856 بتعليم النساء، ودعا إلى التوفيق بين المكتسبات الغربية والإسلام. وكان السياق الدولي مؤاتيًا لتحرّر المرأة في البلدان العربية والإسلامية، وإن عارض المحافظون إصلاحات جذرية كتلك التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك. وحول هذا النَّسَب من النضالات، يمكن أن نعيد قراءة حكايتنا عن نضال التونسيات من أجل حقوقهنّ.

تطوّر حقوق المرأة في القرن العشرين

منذ سنة 1930، أثار النقابي والكاتب التونسي الطاهر الحدّاد في كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» مسألة الأحوال الشخصية للنساء أمام الرأي العام. ودافع عن مساواة تامة بين الرجال والنساء، حتى في الميراث، مثيرًا بذلك غضب المحافظين.

شأنه شأن الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية، الذي سيكون وراء إصدار م.أ.ش (مجلة الأحوال الشخصية) سنة 1956. فهذه المجلة الثورية تستبدل بالمحاكم الدينية هيئاتٍ مدنية، مانحةً النساء حقّ طلب الطلاق، ومُلغيةً الطلاق بالإرادة المنفردة وتعدّد الزوجات والإكراه على الزواج. وبعد سنة، تحظى المرأة بحقّ الاقتراع والترشّح للانتخابات البلدية.

بين سنتي 1930 و1955، نشرت الصحف المحلية، الواعية بمسؤوليتها التاريخية، مقالات عديدة حول المهر وتعدّد الزوجات وارتداء الحجاب وتعليم الفتيات وحقّ المرأة في الاقتراع.

معركة الحجاب: تطوّر النظرة

في مطلع القرن العشرين، كان الحجاب مرادفًا للخضوع. وكان يبلور كل معارك تلك الحقبة. إذ كان يُنظر إليه كعائق أمام تحرّر النساء اللواتي كنّ يسعين إلى الانعتاق من قبضة السلطة الأبوية. وكانت حبيبة منشاري ومنوبية الورتاني أول من نزع حجابه علنًا سنتَي 1924 و1929، مثيرتَين بذلك استياء المحافظين الذين ندبوا العلامات الواضحة على تعليم النساء وتأثير الغرب.

ومن المفارقات أن ارتداء الحجاب أصبح اليوم مطلبًا نسويًا، شأنه شأن نزعه تمامًا. فالأمر يتعلّق، قبل كل شيء، بحقّ المرأة في التصرّف بجسدها (وفي هذه الحالة بمظهرها اللباسي) دون أن تتحمّل ثقل رأي خارجي. وهذه المسألة، مسألة القناعات ومكانتها، تتخلّل أيضًا تأمّلنا في كيفية التوفيق بين الإسلام والنسوية.

ثورة 14 جانفي 2011 والنضال المستمرّ

بعد سقوط نظام نوفمبر والعودة الكثيفة للمنفيين السياسيين، المنتمين أساسًا إلى حركة الإخوان المسلمين، ضربت موجة محافِظة البلاد ضربة موجعة. فتنظّمت عدة منظمات غير حكومية نسوية وإنسانية، إلى جانب المجتمع المدني، لمقاومة كل تراجع ممكن.

ناضلت من أجل رفع تحفّظات الدولة على اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة. وناضلت من أجل دسترة حقوق المرأة، وطالبت بدستور جديد ديمقراطي وقائم على المساواة.

فهل يعني ذلك أن هناك ما يدعو إلى الاطمئنان؟ لا شيء أقلّ يقينًا من ذلك. فالنضال مستمرّ! تظلّ حقوق المرأة في تونس نضالًا يوميًا، ضاربًا بجذوره في التاريخ لكنه متّجهٌ نحو المستقبل. وهذا هو معنى ما نسمّيه واجب أن تكوني نسوية.

بعض المحطّات تعلّم هذا النضال الطويل:

التاريخمحطة بارزة
1856الوزير الإصلاحي خير الدين يطالب بتعليم النساء.
1924 و1929حبيبة منشاري ومنوبية الورتاني تنزعان حجابهما علنًا.
1930الطاهر الحدّاد ينشر «امرأتنا في الشريعة والمجتمع».
1930-1955الصحافة المحلية تناقش المهر وتعدّد الزوجات والحجاب وتعليم الفتيات وحقّ الاقتراع.
1956إصدار مجلة الأحوال الشخصية (م.أ.ش) في عهد الحبيب بورقيبة.
بعد سنةحقّ المرأة في الاقتراع والترشّح للانتخابات البلدية.
14 جانفي 2011ثورة؛ تعبئة المنظمات غير الحكومية النسوية ضدّ التراجعات.

أسئلة شائعة

ما هي مجلة الأحوال الشخصية (م.أ.ش) لسنة 1956؟
صدرت مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 في عهد الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية، وهي تستبدل بالمحاكم الدينية هيئاتٍ مدنية. وتمنح النساء حقّ طلب الطلاق، وتلغي الطلاق بالإرادة المنفردة وتعدّد الزوجات والإكراه على الزواج.
من هو الطاهر الحدّاد؟
نقابي وكاتب تونسي، نشر الطاهر الحدّاد سنة 1930 كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع». دافع فيه عن مساواة تامة بين الرجال والنساء، حتى في الميراث، ما جلب عليه غضب المحافظين.
متى حصلت التونسيات على حقّ الاقتراع؟
بعد سنة من إصدار مجلة الأحوال الشخصية لسنة 1956، حصلت التونسيات على حقّ الاقتراع وكذلك حقّ الترشّح للانتخابات البلدية.
من هنّ أول التونسيات اللواتي نزعن حجابهنّ علنًا؟
حبيبة منشاري ومنوبية الورتاني هما أول من نزع حجابه علنًا، سنتَي 1924 و1929 على التوالي، في زمن كان يُنظر فيه إلى الحجاب كعلامة على الخضوع.
ما الذي غيّرته ثورة 14 جانفي 2011 بالنسبة إلى حقوق المرأة؟
في مواجهة الموجة المحافظة التي أعقبت الثورة، تعبّأت المنظمات غير الحكومية النسوية والمجتمع المدني لمقاومة التراجعات: رفع تحفّظات الدولة على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التمييز ضدّ المرأة، ونيل دسترة حقوق المرأة في دستور ديمقراطي قائم على المساواة.
أنوثة

واجبُ أن نكون نسويّات

لا أدري ما الذي تثيره كلمة «نسوية» عند كلّ واحدة، غير أنّ نساءً كثيرات يرفضن فكرة وصف أنفسهنّ بها.

22 مارس 2026

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب