تتشابه الصحافة النسائية في جويلية. مختاراتٌ من ثياب البحر، وبرامج لبلوغ «جسد الصيف»، وبطاقات نصحٍ للاسمرار بلا خطر. غير أنّ الوجوه التي تزيّن هذه الصفحات تكاد تتقاسم لونًا واحدًا فاتحًا، وبنيةً واحدة، والقدرةَ نفسها على التكشّف. أما القارئات فأوسع من ذلك.
فمن نساء المغرب العربي من تقضي الصيف مستورةً باختيارها، ومنهنّ من تسبح بالبيكيني، وكثيراتٌ لهنّ بشرةٌ سمراء نادرًا ما تُظهرها إعلانات واقيات الشمس، وجُلّهنّ يدبّرن ميزانيةً لا تذكرها هذه المجلات أبدًا. وهذه المسافة بين نساء الصور ونساء الواقع ليست تفصيلًا جماليًّا. إنّها مسألة تمثيلٍ تستحقّ أكثر من صفحة موضة.
لماذا تغيب البشرة السمراء عن رفوفها هي
نبدأ بواقعةٍ بسيطة. ففي رفوف الصيدليات التونسية والمغربية، جُلّ واقيات الشمس عالية الحماية علاماتٌ أوروبية، تحمل عبواتها بشراتٍ فاتحة. أما المرأة التي يُباع لها المنتج فلا تتعرّف على نفسها في الصورة التي تبيعه: صناعةٌ ما تزال تعدّ البشرة الفاتحة القاعدةَ الافتراضية.
وأوخم من الغياب وجهُ هذه القاعدة الآخر. فسوق تفتيح البشرة قائمة، وهي مزدهرة. وتقرأ الباحثة ياسمين العكرمي (Yasmine Akrimi)، في مجلة Diogène (2024)، هذه الممارسة في تونس بوصفها تعبيرًا عن «بياضٍ تابع» (blanchité subalterne)، إرثًا لتراتبيات عنصرية استعمارية ما تزال تعيش في سوق الجمال. غير أنّ أشدّ ما في ملاحظتها وقعًا ليس رقمًا، بل غياب: فلا وجود، في رأيها، لدراسةٍ جادّة ولا لنسبة استعمالٍ في شمال أفريقيا. وتكتب أنّ هذه الممارسة «مُطبَّعة إلى حدّ أنّها لا تُطرح أصلًا للنقاش».
ما لا يُقاس لا يُناقَش، وما لا يُناقَش يدوم.
أما معطيات الصحّة فتقيس حجم الخطر. ففي المغرب، رصدت دراسةٌ لمركز مكافحة التسمّم شملت 95 حالة تسمّمٍ بكريمات التفتيح متوسّط عمرٍ بلغ العشرين، وموادّ متّهمة كالهيدروكينون والكورتيكوستيرويدات والزئبق (Bellaje et al.، European Scientific Journal، 2016). وتذكّر العكرمي بأنّ التفتيح غير المراقَب يُحدث، في 60 إلى 70% من الحالات، اعتلالاتٍ متفاوتة الخطورة. فالجمال الذي يُباع وعدًا يصير هنا مشكلةً جلدية، وأحيانًا أكثر.
الأمر الموجَّه إلى الفرد، فخٌّ
فأمام هذه الحصيلة، يقضي ردّ الفعل المعتاد في الإعلام النسائيّ بتحميل القارئة المسؤولية: أحسني اختيار منتجاتكِ، واطّلعي، وتقبّلي لون بشرتكِ. والنصيحة صادرة عن نيّة طيّبة، غير أنّها تنقل المشكلة إلى من تكابدها. فإن نقصت البشرة السمراء منتجاتٍ تناسبها وصورًا تُنصفها، فليست تلك مسألة إرادةٍ فردية. إنّها مسألة عرضٍ وتسويقٍ وتمثيل، وقراراتٍ تُتّخذ في مكانٍ آخر وعلى يد آخرين.
ويزيد السياق الاقتصاديّ لقارئات المغرب العربي هذا المنطق الفرديّ اختلالًا. فأنبوب واقٍ من الشمس عالي الحماية من علامةٍ أوروبية يكلّف في الصيدلية نحو 40 دينارًا في تونس، وبين 180 و330 درهمًا في المغرب. وقياسًا إلى الأجر الأدنى — نحو 528 دينارًا شهريًّا في تونس سنة 2025، ومرفوعًا إلى 3422 درهمًا في المغرب سنة 2026 — يمثّل أنبوبٌ واحد نقاطًا مئوية عدّة من أدنى دخلٍ شهريّ. فتصير حماية البشرة حمايةً صحيحة صيفًا كاملًا مفاضلةً في الميزانية، لا حركةً بديهية. أما أن يُطلب من امرأة أن «تعتني بنفسها» دون حسبان ما يكلّفها ذلك، فذلك خلطٌ بين الصحّة والامتياز.
والسوق نفسها تُظهر هذه التبعية. ففي تونس، وزن قطاع مستحضرات التجميل نحو 1,77 مليار دينار سنة 2024، أي قرابة 1,6% من الناتج المحلّي الإجمالي، غير أنّ نسبة تغطية الواردات لم تتجاوز 60% (Chroniques.tn، جوان 2025). وتراجعت حصّة المنتجات المحلّية من نحو 24% سنة 2015 إلى 15% اليوم (L'Économiste Maghrébin، ديسمبر 2025). ومن ثمّ تستهلك نساء المغرب العربي جمالًا مستوردًا أكثر فأكثر، مصمَّمًا لبشراتٍ أخرى ولميزانياتٍ أخرى. فالحلّ ليس أن تُحسن كل واحدة اختيارها، وإنما أن يوجد عرضٌ محلّيّ مناسب في المتناول.
المتستّرة والمتكشّفة
ويُظهر صيف المغرب العربي صدعًا آخر، لباسيًّا هذه المرّة. فعلى الشاطئ الواحد يتجاور البوركيني وثوب السباحة القطعة الواحدة والبيكيني. وطالما عالجت الصحافة النسائية هذا الطيف باختيار معسكر، تحتفي بتحرّر الجسد هنا وبالحياء هناك. والموقفان كلاهما يحكم. ولا واحد منهما يصف. غير أنّ اللباس، هنا كما في تاريخ الأزياء التقليدية التونسية، يروي حكايةً أغنى بكثير من معسكرٍ يُختار.
فالحجاب واللباس المحتشم اختيارٌ قبل كل شيء، وأبحاث الميدان تُظهر ذلك. وقد أجرت عالمة الاجتماع التونسية مريم بن سالم مقابلاتٍ ميدانية في تونس. فخلصت إلى أنّ ارتداء الحجاب عند هؤلاء النساء اختيارٌ فرديّ في المقام الأوّل، لا فعلَ خضوع (Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée، 2010). أما استطلاعٌ لمعهد سونيرجيا المغربي (Sunergia)، أُجري سنة 2022 على أكثر من ألف شخص، فيقيس الرأي في الإلزام لا الممارسة: 65% من المستجوَبين يؤيّدونه، منهم 67% من النساء المستجوَبات. وفي ذلك تذكيرٌ بألّا يُخلط بين التأييد المعلَن والارتداء الفعليّ. والفارق مهمّ؛ إذ يمنع الاختصار في الاتّجاهين.
وفي الطرف الآخر من الاختيار نفسه، تستحقّ حرّية التكشّف الاحترام نفسه. فقد سجّلت دراسةٌ لمركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، مستندةً إلى استطلاعٍ لمعهد البحوث الاجتماعية بجامعة ميشيغان، أنّ 56% من المستجوَبين في تونس يرون أنّ المرأة ينبغي أن تقرّر لباسها بنفسها. وتلك أعلى نسبة بين البلدان المدروسة (2014). ومن ثمّ يستطيع الجسم الاجتماعيّ نفسه، بلا تناقض، أن يُعلي الحياء ويدافع عن حرّية الاختيار. ويرصد عالم الاجتماع التونسي الهادي شريف (Hédi Cherif) هذا التجاور على شواطئ الحمّامات، حيث «الشاطئ فضاءٌ يغيّر العلاقة بالقاعدة» (Le Temps، جويلية 2025)، مستندًا إلى أعمال عالم الاجتماع رضا بوكراع. فالشاطئ ليس ساحة معركة بين التقليد والحداثة. وإنما موضعٌ يتجاوران فيه، في الأسرة الواحدة كثيرًا.
ويدين هذا التجاور أحيانًا لابتكارٍ بسيط. فالبوركيني، الذي ابتكرته سنة 2004 المصمّمة الأسترالية اللبنانية الأصل عهيدة زانيتي (Aheda Zanetti)، فتح لنساءٍ متستّرات باب الاستحمام والسباحة والرياضة. وهو، بعيدًا عن أن يكون قيدًا، قد وسّع دائرة الممكن. غير أنّ السؤال لم يكن يومًا أتتستّر المرأة أم تتكشّف، بل أيُترك لها في الحالتين المكان واللباس لتوجد على الشاطئ — وهي استمراريةٌ يرويها كذلك الإرث اللباسيّ التونسيّ من الشاشية والسفساري.
الجسد الواقعيّ في مواجهة الجسد الواحد
وتبقى البنية الجسدية، تلك النقطة العمياء في مجلات الصيف. فـ«جسد الصيف» الذي تروّج له نحيلٌ شابٌّ أملس، يتجاهل تاريخ القواعد المحلّية. وتُذكّر مراجعةٌ منهجية لمعهد البحث من أجل التنمية (IRD)، شملت واحدًا وعشرين بلدًا أفريقيًّا منها تونس والمغرب، بأنّ 74% من النساء المستجوَبات كنّ يربطن الامتلاء بالكرامة والصحّة (Holdsworth et Cohen، Public Health Nutrition، 2021). أما هذا التثمين فيتراجع خصوصًا لدى الشابّات في المدن، بتأثير نموذج نحافةٍ مستورد. ومن ثمّ لم يعد ضغط الجسد النحيل بداهةً كونية. فهو قاعدةٌ حديثة، تمحو أخرى أقدم منها ظلّت سائدةً زمنًا طويلًا.
ما تقوله الأرقام
- قطاع مستحضرات التجميل في تونس: نحو 1,77 مليار دينار سنة 2024، أي قرابة 1,6% من الناتج المحلّي الإجمالي (Chroniques.tn، 2025).
- حصّة المنتجات المحلّية في تونس: من نحو 24% سنة 2015 إلى 15% اليوم (L'Économiste Maghrébin، 2025).
- الامتلاء مقرونًا بالكرامة: 74% من النساء المستجوَبات (IRD، 2021).
- النساء المؤيّدات لحرّية اختيار اللباس في تونس: 56% (Pew، 2014).
الإعلام النسائيّ، ومنه هذه المجلة
ومن قلّة الأمانة أن يُشار إلى صناعة التجميل دون مساءلة الصحافة التي تنقلها، والسلطانة منها. فالمجلات النسائية لا تكتفي بعكس قواعد الجمال، وإنما تصنعها. وباختيارها أيّ الوجوه تزيّن الصيف، وأيّ البنى تُجسّد المرغوب، وأيّ الألوان تستحقّ إعلانًا، ترسم حدًّا بين النساء القابلات للتمثيل وسواهنّ. غير أنّ هذه المسؤولية التحريرية حقيقية، وقلّما تُحمَل — وتُصلَح بإفساح المكان أمام صور نساء تونسيات حقيقيات بدل ظلالٍ متبادَلة.
وتُظهر إشاراتٌ قليلة أنّ القاعدة تتحرّك متى صار الضغط جماعيًّا. ففي جوان 2020، في أعقاب التحرّكات المناهضة للعنصرية، أعلنت لوريال (L'Oréal) سحب كلمات «أبيض» و«مبيّض» و«فاتح» و«مفتِّح» من كل منتجاتها الموحِّدة للون البشرة، وأعادت يونيليفر (Unilever) تسمية خطّها «Fair & Lovely» ليصير «Glow & Lovely». أما هذه القرارات، وقد اتُّخذت تحت ضغط الرأي العامّ أكثر منها عن قناعةٍ تلقائية، فتبقى لفظيةً في جانبها الأكبر. غير أنّها تُثبت أنّ تمثيلًا كان يُحسب غير قابلٍ للمسّ يمكن أن يُراجَع.
ويؤكّد ذلك سوق الموضة المحتشمة على طريقته؛ فقد بلغ إنفاق المستهلكين المسلمين على الملابس 327 مليار دولار سنة 2023، بحسب تقرير State of the Global Islamic Economy (DinarStandard، 2024). فطلبٌ بهذا الحجم لم يعد ركنًا هامشيًّا يُتجاهل.
مسألةُ نظرة
وليس في أن تظهر النساء الحقيقيات أخيرًا في صفحات الصيف كرمٌ تحريريّ. وإنما كفٌّ عن الكذب في شأن من يقرأ. فالبشرة السمراء، والمتستّرة كالمتكشّفة، والبنى التي أخفتها القواعد الحديثة، كلّ ذلك قائمٌ فعلًا، خارج المجلات. أما الصعوبة فليست فردية: إذ لن تحلّ قارئةٌ وحدها، بمنتجاتٍ جيّدة ونيّةٍ طيّبة، نقصًا في العرض والتسويق والصور.
فهي صعوبةٌ بنيوية، تستدعي أجوبةً من جنسها: صناعةً محلّيةً أقرب متناولًا، وإعلاناتٍ تُشبه زبوناتها، وصحافةً تتحمّل ما تعرضه. والاعتراف بالقيود الاقتصادية لقارئات المغرب العربي إقرارٌ بأنّ الجمال الذي نتحدّث عنه لا يجوز أن يكلّف ثمن تنازل. أما الباقي فمسألة نظرة، والنظرة تُصحَّح.