طبيبةُ نساء وتوليد تونسية، تكوّنت في مونبلييه ثمّ في تونس. تروي ليليا البوراوي في هذا الحوار الدعوةَ التي ورثتها عن أبيها، الإطار الاستشفائيّ. ثمّ سنواتها في المستشفى العموميّ إلى جانب الدكتور محمد الشلّي، واستقالتها لتتفرّغ لابنتها، وعملها الجمعويّ — ومنه البعثة الإنسانية سنة 2011 لدى اللاجئين الليبيين في رأس جدير. فهي صورة امرأة طبيبة تحملها قناعة واحدة: «الحياة هي الحبّ».
| المحطّة | المَعْلَم |
|---|---|
| التكوين | مونبلييه، ثمّ تونس |
| الاختصاص | أمراض النساء والتوليد |
| البدايات الاستشفائية | المستشفى العموميّ، إلى جانب الدكتور محمد الشلّي |
| العمل الجمعويّ | جمعية «الطفل أوّلًا»؛ بعثة إنسانية في رأس جدير (2011) |
| الحياة العائلية | ابنة تعمل في المالية، وابنٌ طالب طبّ |
ليليا البوراوي: دعوةٌ في خدمة الحياة
كان الطبّ عند ليليا البوراوي أمرًا بديهيًّا. فأبوها، الطيّب البوراوي، كان يعمل في إدارة المستشفيات، وأدار خاصّةً المستشفى الجامعيّ شارل نيكول. وكان يخالط الأطبّاء كلّ يوم ويُعجَب بتفانيهم. فتمنّى لابنته الحبيبة أن تنضمّ إلى صفّهم، لتؤدّي بدورها رسالةً نبيلة.
ومنذ صغرها، كانت ليليا رهيفة الإحساس بآلام البشر. فاحتضنت أمنية أبيها احتضانًا طبيعيًّا، ومضت في هذا الدرب بعزم.
التكوين وأوائل الإلهام
سنوات مونبلييه
بعد الباكالوريا، سافرت ليليا إلى مونبلييه لمتابعة دراسة الطبّ. فكانت السنة الأولى عسيرة على من دلّلها والداها دائمًا. إذ كان عليها أن تتكيّف مع فراق الأهل، وأن تصرف طاقتها كلّها في الدراسة.
ولم تكن تجد متنفَّسًا إلا أيّام الأحد، حين يدعوها الأستاذ جان فوركاد إلى مائدة عائلته. فهذا الرئيس لقسمٍ في مستشفى مونبلييه، والصديق المقرّب لعمّها، ترك في الطالبة الشابّة أثرًا عميقًا.
«كان في غاية اللطف. رجلٌ متواضع وبسيط جدًّا، قلّ نظيره في أيّامنا»، تستعيد ليليا بمحبّة. فقد أراها جان فوركاد أنّ النجاح لا يقترن بالغرور. والرحمة واجبة دائمًا.
«كان صديقي، وأستاذي، ومعلّمي. إنسانٌ أحببته حبًّا عميقًا».
أثر الأستاذ غشّام
رسّخ جان فوركاد الصورة التي تحملها ليليا عن دور الطبيب. فقد كانت تلك الصورة متجسّدة أصلًا في الأستاذ عبد العزيز غشّام، الطبيب الشرعيّ وعميد كلّية الطبّ بتونس.
وصار من تسمّيه «عمّي» أشبه بأبٍ روحيّ: «كان الطبيب المثال، وصديق أبي الكبير. ترك فيّ أثرًا عظيمًا، وكنت أريد أن أشبهه».
التفوّق بالتضحية
لم تكن الطالبة الشابّة تنام غير ساعتين أو ثلاث في الليلة، وتدرس بلا انقطاع. فقد أبت أن تخيّب أباها الذي يؤمن بها إيمانًا راسخًا: «كان عليّ أن أنجح من أوّل مرّة. كنت مدينةً بذلك لأبي».
نجحت ليليا البوراوي نجاحًا باهرًا، فأنهت دراستها في مقدّمة دفعتها.
العودة إلى تونس وتأكيد الدعوة
بعد سنتين من الدراسة في مونبلييه، عادت إلى تونس لمتابعة تكوينها. فالتحقت بفريق من الأطبّاء البارعين، يحرصون على ديمومة منظومة صحّية عادلة، في متناول الجميع.
«كنّا نعطي من أنفسنا كثيرًا. كنّا نعمل تفانيًا، لأنّنا كنّا نحسّ أنّنا محمّلون برسالة»، توضّح.
اختيار أمراض النساء والتوليد
أسعدها تدريب الجراحة أيّما سعادة. فبعد تردّدٍ بين جراحة التجميل والجراحة العامّة، اختارت ليليا اختصاصًا نسائيًّا بامتياز. فصارت طبيبة نساء وتوليد، تعتني بالنساء وبأطفالهنّ في آن.
وقائع طبّية معاصرة
في مسألة ارتفاع الولادات القيصرية، تلطّف ليليا البوراوي الأفكار الجاهزة. فالأطبّاء لا يختارون هذه العملية لأسباب تجارية. وأحيانًا تطلبها الأمّهات المقبلات حفاظًا على العجان. أمّا الغالب فيبقى الولادة الطبيعية.
وتفسّر هذا الميل عواملُ عدّة: قلّة الحركة البدنية، وارتفاع وزن المولود، والرغبة في تفادي مضاعفات الولادة، وتزايد سكّري الحمل وارتفاع ضغط الحمل.
«نحن الأطبّاء علينا مسؤولية تقدير الحال واتّخاذ قراراتنا في أبكر وقت ممكن»، تُوضّح.
مسارٌ استشفائيّ مثاليّ
إلى جانب الدكتور الشلّي
بدأت ليليا البوراوي ممارستها في المستشفى العموميّ، وسرعان ما صارت ساعد رئيس قسمها، الدكتور محمد الشلّي. فهذا الطبيب الاستثنائيّ يملك طاقة عمل مذهلة. إذ يصل عند السادسة صباحًا ليبدأ جولته.
متواضعٌ، بصيرٌ، ذكيّ، لا يتردّد في مراجعة نفسه ولو أمام أصغر الأطبّاء. فقد عمل حتى آخر يوم في حياته.
«أدين له بالكثير. كنت تلميذته، وكنت ابنته. علّمني كثيرًا، وأحببته لذلك».
تحدّيات القطاع العموميّ
أمٌّ لطفلةٍ في الثالثة، وجدت ليليا البوراوي نفسها وحدها في موقع رئيسة القسم. فتكوّن الأطبّاء الأصغر سنًّا، وتعمل ليلًا ونهارًا، إذ يعاني القسم أصلًا نقصًا في الأعوان.
وأبلغت الوزارة بصعوباتها، وطلبت انتداب أطبّاء جدد. غير أنّ رسائلها ظلّت حبرًا على ورق، وذلك متوقَّع. فقدّمت ليليا البوراوي استقالتها.
«لم يعد لي وقت أعطيه لابنتي، بل كنت بالكاد أجد وقتًا للاستحمام، وكنت أعمل ليل نهار. وبعد مدّة، صرت منهكة تمامًا. حتى إنّني منحت نفسي ثلاثة أشهر للراحة قبل أن أفتح عيادتي».
العمل الإنسانيّ وأحلام الغد
جمعية «الطفل أوّلًا»
انخرطت ليليا البوراوي بقوّة في جمعية «الطفل أوّلًا» (L’enfant d’abord)، فحملتها إلى أربع جهات تونس. فمن أشدّ تجاربها وقعًا ما جرى في عين دراهم، حيث عاينت أكثر من 80 شخصًا في اليوم الأوّل.
«أعطيت كلّ واحد وصفته… غير أنّ ذلك لم ينفع في شيء. لم يكن لأحدهم ما يشتري به ما يحتاجه. وفي المرّة التالية، أحضرت الأدوية ووزّعتها على المرضى مباشرةً».
تضامنٌ في زمن الثورة
سنة 2011، نظّم الأطبّاء أنفسهم عفويًّا لإغاثة اللاجئين الليبيين في مخيّمات رأس جدير. فقضت ليليا البوراوي هناك ثلاثة أيّام حافلة، شاهدةً على التزام الممارسين التونسيين الإنسانيّ.
«لا يصحّ التشكيك في تفاني أطبّائنا ولا في التزامهم الإنسانيّ»، تُلحّ.
حلمٌ خيريّ
لو ملكت الوسائل، لحقّقت ليليا حلمها: دار للمسنّين. بل إنّها فكّرت في تحويل بيتها هي، مستلهمةً تجربة صديقة أعادت تهيئة مسكنها لاستقبال نزلاء مصابين بالزهايمر.
«إن كانت ثمّة قضية تسكن قلبي، فهي قضية المسنّين والأمّهات العازبات. فهاتان الفئتان كثيرًا ما تُساءان معاملتهما وتُنبذان. والفكرة أن نعينهم على إعادة بناء أنفسهم».
توازن العائلة والمهنة
اختيار الأمّ
أبعد من التعب البدنيّ، كان حبّها لابنتها هو ما حسم قرار مغادرة المستشفى العموميّ. فالأب يعمل كثيرًا، وحضوره قليل.
«كان لا بدّ أن يكون أحد الوالدين حاضرًا. فالمرء لا ينجب أطفالًا ليترك عاملة المنزل تتولّاهم. هم في حاجة إلينا، وإلى انتباهنا وحناننا. نحن مرجعهم، وعلينا أن نهيّئهم لتعلّم الحياة».
وتبدو فخورة بابنتها الكبرى التي تعمل في المالية، وبابنها طالب الطبّ. «أطفالنا كنز. هم أجمل ما نملك».
فلسفة حياة ورسالة أمل
الشغف والازدهار
«فعلت ما أحببت أن أفعله. عملت دائمًا بشغف، مستثمرةً ظروفي أحسن استثمار. كنت دائمًا مقتنعة باختياراتي، لأنّني أعشق مهنتي»، تبوح.
ولو غيّرت شيئًا في مسارها، لكان البقاء مدّةً أطول في القطاع العموميّ. «غير أنّ من يترك مستشفاه لا يعود إليه».
سحر الولادة
يشفّ شغف ليليا البوراوي من كلّ كلمة تقولها عن مهنتها:
«يبدأ السحر لحظة أُبلِّغ امرأةً أنّها حامل. وحين أرى فرحتها، أحسّ أنّني شاركت في هذه الحياة مشاركةً مباشرة. ومن أجمل ما أشهده تلك النظرة الأولى التي تُلقيها الأمّ على طفلها، بعدما حملته تسعة أشهر في بطنها».
رسالة إلى الجميع
«المرأة التونسية مناضلة… ولنا كذلك شبابٌ نشيط واعد. أشجّعهم على المضيّ قدمًا. فلا ازدهار إلا لمن يعشق ما يفعل».
وعند ليليا البوراوي، الحياة تستحقّ أن تُعاش. فأن تكون أوّل من يستقبل الحياة عند الولادة امتيازٌ لا تملّه أبدًا.
«إنّها لحظة مشحونة بالمشاعر، تذكّرنا بمعنى الحياة. الحياة هي الحبّ».