مَن منّا لم يُجلس طفلًا إلى الطاولة بين أقلام الألوان ورسومٍ تنتظر أن تُملأ؟ أما اليوم فقد انقلب الاتجاه. فالماندالا والزجاج المعشّق والزخارف النباتية والحدائق والوشوم تغري عددًا متزايدًا من الكبار، في المكتبات وعلى الإنترنت.
من أين جاء نجاح التلوين للكبار؟
تركب كتب التلوين للكبار موجةَ النشر حول العافية ومقاومة التوتّر والتأمّل. ويربطها أهل النشر عن طيب خاطر بـ«دول-تسون-كيل-خور» (dul-tson-kyil-khor)، أي «ماندالا المساحيق الملوّنة» التي يمارسها الرهبان التبتيّون؛ إذ يرسمون بالرمل على طاولةٍ مرتفعة، بقُمعٍ معدنيّ يُسمّى «تشانغ-بو» (chang-bu)، في مسعًى روحيّ يرافق التأمّل.
وقد يستجيب التلوين الحديث للكبار لحاجةٍ مماثلة إلى الهدوء والاسترخاء، في يوميّاتٍ أثقلها التواصل والتنقّل وسيلُ الأخبار. ولا يقتضي الأمر موهبةً خاصّة. فيكفيكِ علبةُ أقلامٍ ملوّنة وركنٌ هادئ، ثمّ يخلو الذهن شيئًا فشيئًا.
لمسةٌ من الحنين
للتلوين أيضًا وجهٌ ارتداديّ لا يُخفيه أحد. فاستعادةُ روح الطفولة تعين، في ما يُقال، على تخفيف ثقل مسؤوليات الكبار. وتُنسب إلى هذه الممارسة قدرةٌ على إفراغ الذهن، وشحذ التركيز، وضبط التنفّس، وتحسين تروية الدماغ بالأكسجين.
هل التلوين علاجٌ بالفنّ؟
يرفع الناشرون رايةَ العلاج بالفنّ لتسويق كتبهم. غير أنّ هذا الأخير اختصاصٌ قائم بذاته ومعترف به، يعين إنسانًا يتألّم على التعبير عن نفسه في مجالٍ فنّيّ — رقصًا أو فنونًا تشكيليّة أو مسرحًا أو موسيقى — بحضور معالج. أما التلوين فيُمارَس بلا مرافقة، ويظلّ خاليًا من العمق — ومن الألم — الذي يميّز علاجًا حقيقيًّا؛ فهو قد يبعث الاسترخاء في نفسٍ متوتّرة، دون أن يعالج توتّرًا مَرَضيًّا.
وجملة القول إنّ التلوين للكبار تسليةٌ قبل كلّ شيء، شأنه شأن الحياكة أو السودوكو أو الكلمات المتقاطعة، مهما ألصق به التسويق أحيانًا لافتةَ «العلاج». وإن أردتِ صنع أوراقكِ بنفسكِ، فثمّة مولّدات رسومٍ للتلوين على الإنترنت، منها مولّد «كانفا» (Canva).