صحة وسكينة

طنين الأذن: حين يصير الصمت ترفًا

صفيرٌ، وأزيزٌ، وفرقعةٌ خافتة… عند أكثر الناس تزول هذه الأصوات الطفيلية في لحظات. غير أنّ ثمّة عالمًا لا تتوقّف فيه هذه الأصوات أبدًا؛ عالمًا لا مكان فيه للهدوء، تتردّد في كلّ دقيقةٍ منه أصواتٌ شبحية تُثقل الأذن والذهن.

ذلك جحيم طنين الأذن، الواقع الموجع الذي يعيشه ملايين البشر في العالم. فكيف ينشأ؟ وهل له علاج؟ وهل تمكن الوقاية منه؟ قراءةٌ في ظاهرةٍ تُحيل اليوم العادي عذابًا حقيقيًّا.

طنين الأذن: وجهان لمعاناةٍ واحدة

الطنين الموضوعي: حين يكون للمشكلة سببٌ مادّي

يظلّ الطنين الموضوعي، لحسن الحظّ، أندرَ وقوعًا. فمنشؤه خللٌ ملموس في منطقة الأذن الداخلية. وهذا الأصل المادّي يتيح قياسه، ويفتح، وهو الأهمّ، بابَ الأمل؛ إذ كثيرًا ما ينجح تدخّلٌ جراحيّ في علاجه.

الطنين الذاتي: تعذيبٌ لا يُرى

يمثّل الطنين الذاتي أغلب الحالات، وهو التحدّي الطبّي الحقيقي. فهو أكثر شيوعًا وأشدّ إلحاحًا، ويستعصي على العلاجات التقليدية. أما الصوت نفسه فلا وجود خارجيًّا له يمكن قياسه؛ إذ يزداد بذلك التشخيص والعلاج تعقيدًا.

وغيابُ سببٍ مادّيّ يمكن تحديده يُحيل يوم المرضى معاناةً غير مرئية، كثيرًا ما لا يفهمها المحيطون.

الشيوعالسببالعلاج
الطنين الموضوعيأندر وقوعًاخللٌ مادّي قابل للقياس في الأذن الداخليةتدخّلٌ جراحي ناجع في كثير من الأحيان
الطنين الذاتيأغلب الحالاتلا سببَ مادّيًّا يمكن تحديدهلا علاجَ شافيًا مباشرًا؛ العلاج بالتعوّد

كيف تولد هذه الأصوات الشبحية؟

الآلية الغامضة للخلايا المشعرة

تُؤوي الأذن الداخلية خلايا مشعرة عجيبة تتموّج كلّما التقطت اهتزازًا صوتيًّا. ثم تنقل هذه الأهداب الدقيقة إشارةً دقيقة إلى العصب السمعي، فيتحقّق السمع.

أما في حالة الطنين فتتحرّك هذه الأهداب حركةً فوضوية دون أن يبلغ الأذنَ صوتٌ حقيقيّ. فيولّد هذا الخلل إشارةً خاطئة دائمة نحو العصب السمعي، ومنه ذلك الإحساس بسماع أصواتٍ لا وجود لها.

حين تخترع الأذن أصواتًا

يفسّر هذا الاضطراب في الجهاز السمعي استعصاءَ الطنين على علاجاتٍ كثيرة. فالمشكلة ليست في ضجيجٍ خارجيّ يُزال، وإنما في جهازٍ داخليّ مختلّ يصنع إشاراته الطفيلية بنفسه.

أسباب الطنين المتعدّدة

السنّ، أوّل عوامل الخطر

يصيب الطنين أكثر ما يصيب من تجاوزوا الخمسين أو الستّين. ويعود هذا الاستعداد إلى ضعف السمع الشيخوخي، ذلك التراجع الطبيعي في السمع مع تقدّم العمر؛ إذ تصير البِنى السمعية المُتعبة أشدَّ عرضةً للخلل.

الشباب لا يَقي أحدًا

من الخطأ الظنّ أنّ السنّ وحده عامل الخطر. فالشبّان يعانون هذا العذاب السمعي أيضًا، وغالبًا بسببٍ من هذه الأسباب:

  • التعرّض المتكرّر للضجيج الشديد: الحفلات، والملاهي الليلية، وسمّاعات الأذن على أقصى مستوى للصوت
  • الرضوح الصوتية العنيفة: انفجار، أو طلقة نارية، أو مفرقعة
  • إصابات الرأس: الحوادث، والسقوط، والضربات العنيفة

وفي مجتمعٍ مفرط الاتّصال، ترافق فيه السمّاعاتُ كلَّ تنقّل وتحطّم فيه الحفلات الموسيقية أرقام الديسيبل، تطال هذه الأسباب — للأسف — عددًا متزايدًا من الشبّان.

تصاعدٌ جهنّمي

كلّما طال بقاء الطنين اشتدّت حدّته. فيصنع هذا التصاعد حلقةً مفرغة خبيثةً على وجه الخصوص: تعلو الأصوات وتزداد إثقالًا، فيستحيل الانزعاجُ الأوّل شيئًا فشيئًا جحيمًا يوميًّا حقيقيًّا.

الخطر العصبي المجهول

حين يعاني الدماغ في صمت

تتجاوز المشكلة الأذن بكثير. فالمعلومة السمعية تمرّ بالدماغ، وعلى المدى الطويل تتعرّض منطقةُ القشرة التي تتلقّى هذه الرسائل الخاطئة لخطر الضمور. وهذا التدهور العصبي خطرٌ كثيرًا ما يُجهل من أخطار الطنين المزمن.

ومن هنا إلحاحُ التكفّل المبكّر، قبل أن يصير الضرر بلا رجعة.

الحلول العلاجية: بين الأمل والواقعية

غياب العلاج الشافي

لا يتيح أيُّ علاجٍ اليوم التصدّي مباشرةً لسبب الطنين الذاتي؛ فقد دفع هذا الواقع المُحبِط البحثَ الطبّي إلى ارتياد مسالك علاجية أخرى.

العلاج بالتعوّد: تعلّمُ العيش من جديد

يرمي العلاج الوحيد المعترف به إلى تعويد الدماغ على هذا الطنين شيئًا فشيئًا. وتحدّ هذه المقاربة من مخاطر ضمور القشرة الدماغية؛ إذ تخفّف الوقع النفسي للأصوات الطفيلية.

أجهزة التقنيع: حلٌّ واعد

حين لا يصحب الطنينَ ضعفٌ في السمع، يقترح الأطباء أحيانًا حملَ جهازٍ يولّد ضجيجًا خلفيًّا. فهذا الصوت الخافت يحجب الطنين حجبًا جزئيًّا، ويتيح للدماغ أن يتعوّد المنبّهين معًا شيئًا فشيئًا.

غير أنّ النتائج المشجّعة لهذه الطريقة تصحبها للأسف قيودٌ ثقيلة: حملٌ يوميّ إلزاميّ، وتكيّفٌ بطيء جدًّا يمتدّ في الغالب أشهرًا عدّة.

الوقاية: خيرُ سلاح

حمايةُ الأذنين في اليوم العادي

تبقى الوقاية خيرَ حليفٍ ضدّ الطنين؛ إذ تكفي في محيطنا الصوتي العدوانيّ حركاتٌ بسيطة لحفظ الرصيد السمعي:

  • ضبطُ مستوى الصوت في سمّاعات الأذن والرأس
  • منحُ الأذنين استراحات عند التعرّض الطويل للضجيج
  • حملُ واقياتٍ سمعية في الأماكن الصاخبة
  • تجنّبُ الرضوح الصوتية العنيفة

التربية السمعية، رهانُ صحّةٍ عمومية

في مجتمعاتنا المغاربية والإفريقية، حيث تحتلّ الموسيقى والأفراح العائلية مكانًا مركزيًّا، تصير التوعية بالمخاطر السمعية أمرًا حاسمًا. فالتوفيق بين تقليد الاحتفال وحفظ السمع تحدٍّ حديث يُرفع جماعةً.

العيش مع الطنين: استراتيجيات التكيّف

أهمّية المرافقة النفسية

يمسّ الطنين جودة الحياة مسًّا عميقًا، فيولّد التوتّر والأرق والاكتئاب أحيانًا. ومن ثمَّ تغدو المرافقة النفسية لا غنى عنها في الغالب لبناء استراتيجيات تكيّف ناجعة.

تقنيات الاسترخاء

التأمّل، والسوفرولوجيا، وتقنيات التنفّس: مقارباتٌ مكمّلة تعين على إدارة القلق الذي يولّده الطنين، وعلى استعادة قدرٍ من التوازن النفسي.

أملُ البحث العلمي

يتقدّم العلم باطّراد في فهم الطنين. فبين العلاجات الجينية والتنبيهات الكهربائية والجزيئات الجديدة، قد يخبّئ المستقبل حلولًا ثورية لملايين من يعانون في صمت.

وإلى أن تتحقّق هذه المكاسب، تبقى الوقاية والمرافقة العلاجية خيرَ سلاحٍ في وجه آفةٍ حديثة تُحيل الصمت ترفًا بعيد المنال.

السمعُ جديرٌ بكلّ عناية. وحفظُه اليوم يجنّب الندم غدًا.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين الطنين الموضوعي والطنين الذاتي؟
للطنين الموضوعي، وهو الأندر، سببٌ مادّي قابل للقياس في الأذن الداخلية، وكثيرًا ما يُعالَج بالجراحة. أما الطنين الذاتي، وهو الأغلب، فلا سببَ مادّيًّا يمكن تحديده له، وهو يستعصي على العلاجات التقليدية.
كيف ينشأ طنين الأذن؟
تأخذ الخلايا المشعرة في الأذن الداخلية بالتحرّك حركةً فوضوية دون أن يبلغ الأذنَ صوتٌ حقيقيّ؛ فترسل إشارةً خاطئة دائمة إلى العصب السمعي.
من يعنيه طنين الأذن؟
من تجاوزوا الخمسين والستّين، بسبب ضعف السمع الشيخوخي؛ والشبّان أيضًا متى تعرّضوا لضجيجٍ شديد أو لرضوحٍ صوتية عنيفة أو لإصاباتٍ في الرأس.
هل من علاجٍ شافٍ لطنين الأذن؟
لا. فما من علاجٍ يتصدّى اليوم مباشرةً لسبب الطنين الذاتي؛ والعلاج الوحيد المعترف به يبقى العلاج بالتعوّد، يكمّله أحيانًا جهاز تقنيع.
كيف تُتَّقى إصابة الأذن بالطنين؟
بضبط مستوى الصوت في السمّاعات، ومنحِ الأذنين استراحات عند التعرّض الطويل للضجيج، وحملِ واقياتٍ سمعية في الأماكن الصاخبة، وتجنّبِ الرضوح الصوتية العنيفة.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب