تخبّئ تونس نباتاتٍ طبّية ذاع صيت خصائصها منذ قرون. فالبابونج والشيح والزنجبيل تدخل اليوم في طقوس العافية، جامعةً بين المهارة الموروثة والمقاربة الطبيعية. وفي ما يلي اكتشافُ زراعتها واستعمالها من أجل صحّةٍ يومية، بين الإرث والحداثة.
أيّ النباتات الطبّية التونسية تُزرع في البيت من أجل عافيةٍ يومية؟
النبتة الواحدة قد تُهدّئ وقد تسمّم، بحسب الجرعة أو طريقة التحضير.
لا تطلب هذه النباتات عنايةً كبيرة، وتزدهر في حوض زرعٍ بسيط عرضه من 15 إلى 22 سم؛ إذ تُحوّل النباتات العطرية والطبّية المتوسّطية البيت إلى فضاءٍ جميل ونافع في آن. أما الأوعية فالمختار منها آنية الطين المشوي التي تنظّم الرطوبة، أو أوعية البلاستيك متى كانت الخفّة هي المطلوبة، مع الحرص على تجنّب فرط تسخّن الجذور تحت شمس تونس. وقد يُنشّط تقليمٌ في فيفري، ثم آخر بعد الإزهار، نموّها ويحفظ هيئتها المتراصّة، ويطيل حيويّتها.
ومنها الشيح، وهو أقلّ شهرةً، غير أنّ له خصائص هاضمة ومقوّية، فيدخل بدوره في طقوس العافية. وقد يُعين نقيع أوراقه، مساءً، على هضمٍ خفيف أو على تهيئة الجسم لليلةٍ مريحة. أما هذه النباتات، السهلة الزرع، فتصير حليفةً في اليوميّ: يعطّر عبيرها الهواء، بينما تدخل خصائصها الطبيعية في العناية أو في الأعشاب المنقوعة، لتضع لمسةً من الخضرة والسكينة في متناول اليد.
التداوي بالأعشاب: كيف تنخرط التقاليد التونسية في مقاربةٍ حديثة للصحّة؟
يمتدّ التداوي بالأعشاب إلى معارفَ عمرها آلاف السنين، كانت النباتات الطبّية فيها تُستعمل للوقاية من علل اليوميّ ولتخفيفها. وفي تونس، تقوم هذه الممارسة على أنواعٍ محلّية معروفة الخصائص، كالبابونج لأثره المهدّئ أو الزنجبيل لتيسير الهضم. أما هذه الاستعمالات، المتوارثة جيلًا عن جيل، فتجد اليوم صداها في المقاربات الطبيعية للصحّة، دون أن تحلّ محلّ رأي الطبيب.
والأخذ بالتداوي بالأعشاب اختيارٌ لعلاجٍ لطيف يراهن على المواد الفاعلة في النبات. فسواء تعلّق الأمر بالأعشاب المنقوعة أو بالزيوت العطرية أو بالمستخلصات المركّزة، تندرج هذه العلاجات في نمط عيشٍ حديث، شريطة التقيّد باحتياطات الاستعمال. أما الشاي الأخضر، مثلًا، فيُقبَل عليه لما فيه من مضادات الأكسدة، بينما يشكّل النعناع والزنجبيل ثنائيًّا ناجعًا لراحة الهضم.
النعناع والبابونج والزنجبيل… كيف تعمل هذه النباتات على الهضم وعلى الطاقة؟
يُهدّئ النعناع، نجم الحدائق التونسية، المعدة المتعبة. وقد تُخفّف أوراقه الطازجة، منقوعةً في ماءٍ ساخن، الانتفاخ والغثيان. فكوبٌ بعد الطعام تعود معه تلك الخفّة التي كثيرًا ما تغيب. أما الزنجبيل فيُنشّط إفراز العصارة المعدية؛ إذ تُبشَر منه قطعةٌ في مشروبٍ ساخن تعجيلًا لهضمٍ متكاسل. وهاتان النبتتان، وكثيرًا ما تُجمعان، ثنائيٌّ طبيعيٌّ لراحةٍ هضمية في اليوميّ.
أما البابونج فيُسكّن تهيّج الأمعاء، وقد يُعين على نومٍ مريح. فنقيعٌ مساءً يُنزلق معه إلى الليل في سكينة. وهذه النباتات، المستعملة منذ قرون في تونس كما في أوروبا، تقدّم حلولًا بسيطة لموازنة الطاقة. وإدراجها في طقوس العافية لا يستدعي ترددًا.
النباتات الطبّية: أيّ احتياطاتٍ تُتَّخذ لاستعمالها في أمان؟
النبتة الواحدة قد تُهدّئ وقد تسمّم، بحسب الجرعة أو طريقة التحضير. فأنواعٌ منها، كتلك المُحصاة في قوائم السمّية، تُستعمل في الطبّ التقليدي التونسي لخصائصها، غير أنّ استعمالها يقتضي يقظةً مطلقة. إذ قد يحوّل خطأٌ في الجرعة أو تفاعلٌ مع علاجٍ جارٍ الدواءَ إلى خطر. ومن ثمّ فالأولى الامتناع عن التطبيب الذاتي دون رأيٍ مستنير.
وتبقى استشارة مختصٍّ في الصحّة القاعدةَ الذهبية، حتى عند اللجوء إلى الحلول الطبيعية. فالنباتات العلاجية، على نفاستها في الوقاية من بعض العلل أو في تخفيفها، لا تحلّ محلّ التشخيص الطبّي. أما نجاعتها فرهينة حسن استعمالها، وسلامتها ليست مضمونةً أبدًا. وعند الشكّ، تبقى خبرة الطبيب أو العشّاب المؤهَّل هي المقدَّمة دائمًا.
وليست هذه النباتات، التي كانت جدّاتنا يزرعنها بعناية، مجرّد بقايا من الماضي. فهي تجسّد حكمةً حيّة، تحمل فيها كلّ ورقةٍ وكلّ جذرٍ عبيرَ الأرض التونسية ووعدَ توازنٍ مستعاد. وإدراجها في اليوميّ ليس اختيارًا لصحّةٍ أكثر طبيعيةً فحسب؛ إنما هو نسجُ صلةٍ بتقليدٍ عبر القرون، مع تطويعه لإيقاع العيش اليوم. فحين يُحتسى في المرّة القادمة نقيعُ بابونج، أو يُشمّ عبير النعناع الطازج المُسكِر، يحسن التذكّر أنّ هذه الأفعال البسيطة تحيّةٌ أيضًا لمن أحسنوا، قبلنا، الإصغاء إلى همس الطبيعة.