فلسطين 2025: كيف يكشف الاعتراف العالمي صدوع الجيوسياسة
كُتب في 22 سبتمبر 2025، الساعة الحادية عشرة ليلًا
في سبتمبر 2025، يعترف أكثر من 150 بلدًا رسميًّا بالدولة الفلسطينية. غير أنّ وراء هذه الخطوة الدبلوماسية توازنَ العالم كلَّه وقد اهتزّ: تنافسُ القوى الكبرى، وصعودُ الجنوب العالمي، وأزمةُ تعدّدية الأطراف الغربية.
تكشف موجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر 2025 ما هو أبعد كثيرًا من تطوّرٍ دبلوماسي؛ إذ تُظهر الصدوع العميقة في نظامٍ عالميّ يعيد تشكيل نفسه، بين صعود الجنوب العالمي، والتنافس الصيني الأمريكي، ومساءلة البنية الدولية الموروثة عن 1945.
وتطرح هذه الدينامية سؤالًا جوهريًّا: هل ما يزال تصوّر نظامٍ عالميّ موحّد ممكنًا، أم لا بدّ من القبول بتعايش أنظمةٍ متوازية عدّة؟
اعترافٌ تاريخيّ يعيد تعريف التوازن العالمي
تتجاوز هذه المتوالية الدبلوماسية — الافتراضية، الوجيهة جيوسياسيًّا مع ذلك — إطارَ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني تجاوزًا واسعًا. فهي تغدو أداةَ تحليلٍ قويّة لتحوّلات البنية الدولية المعاصرة. ومن ثمّ يتيح تحليل هذا الاعتراف استكشاف البديل الذي سيرسم بنية العالم غدًا.
بنية الاعتراف: انقلابٌ في موازين القوى
جغرافيا السلطة وهي تتبدّل
نحو 155 دولة في 22 سبتمبر 2025، مع اعترافاتٍ رسمية جديدة. المملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، والبرتغال في 21 سبتمبر؛ وفرنسا ولوكسمبورغ في 22 سبتمبر. وأخرى أُعلنت في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مالطا مثلًا). فهذه الخريطة تكشف مفارقةً لافتة: الأغلبية العددية في العالم تقف في وجه الأقلّية المهيمنة اقتصاديًّا.
دوافع متعدّدة: بين المبدأ القانوني والحساب الجيوسياسي والضغط المجتمعي
- عوامل معيارية: عند كثيرٍ من البلدان الأوروبية، ينبع الاعتراف أوّلًا من منطق اتّساقٍ قانونيّ مع حلّ الدولتين والقانون الدولي.
- عوامل جيوسياسية: وعند بلدانٍ أخرى، في أمريكا اللاتينية خاصّةً، يتيح ذلك — بحسب عالمة السياسة البرازيلية سيسيليا بايزا — إظهار استقلالها الدبلوماسي في مواجهة واشنطن.
- عوامل مجتمعية: يمارس حراك المجتمع المدني وحركات BDS والرأي العامّ ضغطًا حاسمًا من القاعدة إلى القمّة. وكثيرًا ما يُهمَل هذا البُعد في التحليلات المتمركزة حول الدولة وحدها.
العزلة الاستراتيجية للمحور الغربي
لم تخطُ الخطوةَ كبرى القوى الاقتصادية والسياسية في العالم، كالولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا واليابان. فهذه المعارضة تعكس منطق الحفاظ على النظام القائم؛ أي حيث يُنظر إلى الاعتراف بفلسطين بوصفه مساءلةً للبنية الجيوسياسية لما بعد 1945.
فلسطين أداةً لتحليل تعدّدٍ قطبيّ مشظّى
مصالح متباعدة تحت إجماعٍ ظاهر
تنازع قوى أخرى النظامَ الغربي، غير أنّ دوافعها وأهدافها تختلف اختلافًا جوهريًّا. فالصين من جهةٍ تؤثر التوسّع الاقتصادي عبر طرق الحرير. أما روسيا فتسعى إلى إعادة بناء دائرة نفوذ. وتبحر الهند أخيرًا بين عدم الانحياز وشراكاتٍ استراتيجية متعدّدة.
تضمّ BRICS 10 أعضاء. وهي اختصارٌ للبرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، مجموعةٌ أُنشئت سنة 2009 ووُسّعت إلى 10 أعضاء سنة 2024 بانضمام مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. على أنّ هذا التوسّع يكشف حدود الكتلة بقدر ما يكشف طموحها. فللهند علاقات استراتيجية وثيقة بإسرائيل، في المجالين التكنولوجي والأمني خاصّةً، وفي ذلك ما يُظهر التناقضات الداخلية لهذا التحالف المفترض أنّه مناهض للغرب.
الخصوصية الرمزية للقضية الفلسطينية
تنفرد فلسطين بخصائص لا تتكرّر:
- تجذّرٌ في التاريخ ما بعد الاستعماري،
- صدًى في العالم الإسلامي،
- إدراكٌ لصراعٍ من طراز داود في مواجهة جالوت.
وخلافًا لقضايا أخرى (الصحراء الغربية، التبت)، تحظى بدعمٍ شعبيّ عابر للحدود واسع، تغذّيه شبكات التواصل الاجتماعي.
شقوق النظام الوستفالي المعاصر
النظام الوستفالي، نسبةً إلى معاهدات وستفاليا لسنة 1648، يدلّ على النظام الدولي القائم على سيادة الدول القومية ومبدأ عدم التدخّل.
مفارقة الأمم المتحدة: المركزية والعجز
تكشف الأمم المتحدة مفارقةً مؤسِّسة للنظام الدولي المعاصر: فهي المكان الذي يتبدّى فيه إفلاس تعدّدية الأطراف، وهي في الوقت نفسه المؤسّسة التي لا غنى عنها لإضفاء الشرعية على أيّ فعلٍ دبلوماسي. ويجسّد الاعتراف بفلسطين هذا التناقض خير تجسيد: خطوةٌ رمزية قويّة، بلا قدرةٍ على تحويل موازين القوى تحويلًا ملموسًا.
بروز منطقين متنافسين
يتقابل معسكران في تصوّر العلاقات الدولية: من يتشبّث بالنظام التعدّدي القديم محاولًا إنقاذه، ومن يسعى — وهو منه — إلى الالتفاف عليه وبناء عالمٍ بديل.
التبعات الاستراتيجية: بين إعادة التشكّل والمواجهة
تشظّي الغرب من الداخل: منطقٌ وطنيّ متباعد
يشقّ الاعتراف المنسّق — دفعةً أولى (المملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، والبرتغال)، تلتها فرنسا وإعلاناتٌ إضافية (مالطا مثلًا) — صدعًا غير مسبوق داخل المعسكر الغربي.
غير أنّ هذا «التنسيق» يخفي في الواقع منطقًا وطنيًّا متباعدًا: ضغوط المجتمع المدني وحركات BDS، وحساباتٍ انتخابية مرتبطة بالجاليات، ورغبةً في التمايز عن واشنطن. أما في فرنسا فيندرج الاعتراف كذلك في استراتيجية تأكيدٍ دبلوماسيّ جديد، ردًّا على الانتقادات المتعلّقة بتراجع نفوذ البلاد.
تسارع الاستقطاب الاقتصادي الثنائي
تمنح مبادراتٌ مثل بنك التنمية الجديد (NDB) وBRICS Pay بلدانَ المجموعة بدائلَ عن الأنظمة المالية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة. فالأوّل مصرفٌ أنشأته BRICS سنة 2014 لتمويل مشاريع البنية التحتية دون المرور بالبنك الدولي، والثاني مشروع نظام دفعٍ بديل لشبكة SWIFT الأمريكية، ما يزال قيد التطوير. ومن ثمّ يرافق الاعتراف بفلسطين نزعٌ تدريجيّ للطابع الغربي عن الدوائر الاقتصادية والمالية في العالم.
مفارقات التعدّد القطبي الناشئ
الحدود البنيوية للمشروع المتعدّد الأقطاب
تعاين BRICS+ — وهي مجموعة BRICS الموسّعة بقوى أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط الجديدة — انحدارَ الهيمنة الأمريكية وأزمةَ النظام الموروث عن 1945. غير أنّ مصالحها تبقى متباعدة. فقد يعمل تحالف BRICS+ عمل تعاونيّةٍ للجنوب العالمي، مبتكِرةٍ في العون الذاتي، غير راغبةٍ مع ذلك في قلب نظامٍ عالميّ ما تزال تبتغي الإفادة منه.
تناقضاتٌ داخلية لا تزول
ومع مواقفها السياسية، أبقت بلدانٌ عدّة على مبادلاتٍ اقتصادية مفتاحية مع إسرائيل — فحمٌ كولومبي، وشحناتٌ روسية وجنوب أفريقية — وفي ذلك ما يُظهر أنّ المصالح التجارية كثيرًا ما تعلو على المواقف الدبلوماسية.
ولا تعرقل هذه التناقضات الدينامية المتعدّدة الأقطاب وحسب؛ إذ تفتح أمام النظام الدولي مساراتٍ ممكنة عدّة.
ثلاثة سيناريوهات استشرافية
السيناريو 1: التشظّي المضبوط (احتمالٌ مرتفع)
يندرج الاعتراف بفلسطين في منطق «إصلاحيّةٍ داخل النظام»، حيث تسعى القوى الصاعدة إلى إعادة توزيع السلطات دون مساءلةٍ جوهرية للبنية الدولية.
السيناريو 2: تعدّدٌ قطبيّ غير متماثل (احتمالٌ متوسّط)
بدلًا من استقطابٍ ثنائيّ صريح، بروزُ أقطابٍ إقليمية متعدّدة (الصين في آسيا، والولايات المتحدة في أمريكا، وأوروبا مشظّاة، وقوى متوسّطة). وتغدو فلسطين عندئذٍ ملفًّا من ملفّاتٍ كثيرة في جيوسياسةٍ متغيّرة الهندسة.
السيناريو 3: إعادة تشكّلٍ صينيّ أمريكيّ (احتمالٌ ضعيف، بالغ الأثر)
إذا بلغت بكين وواشنطن صيغةَ تعايشٍ حول مناطق نفوذ كلٍّ منهما، فقد يجد «الجنوب العالمي» نفسه على الهامش. وعندئذٍ تعود القضية الفلسطينية طرفيّةً أمام الرهانات التكنولوجية والطاقية.
خلاصة: فلسطين مرآةُ عالمٍ في انتقال
يكشف الاعتراف بفلسطين في سبتمبر 2025 أنّ العالم يمضي نحو نظامٍ تُخلي فيه المبادئ الكونية مكانها لجيوسياسةِ تحالفاتٍ متغيّرة.
وثمّة عنصرٌ كثيرًا ما يُهمَل ويستحقّ الانتباه: الاستراتيجية الإسرائيلية نفسها. فـاتفاقات أبراهام اتفاقات تطبيعٍ دبلوماسيّ وُقّعت سنة 2020 بين إسرائيل وعددٍ من البلدان العربية (الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والمغرب، والسودان) برعاية الولايات المتحدة. وهي، مع الروابط المتينة مع الهند، تُظهر أنّ إسرائيل تنسّب عزلتها الدبلوماسية وتفيد من إعادة تشكّل العالم.
وتجسّد هذه المتوالية الدبلوماسية الانتقالَ الهيمنيّ المعاصر خير تجسيد: فالنظام القديم يهن دون أن يفرض جديدٌ نفسه بعد، وفي ذلك فترةُ اضطرابٍ بنيويّ ليست فلسطين فيها إلا عرضًا من أعراضٍ أخرى.
يحلّل هذا المقال سيناريو جيوسياسيًّا افتراضيًّا غير أنّه معقول، مبنيًّا على اتّجاهاتٍ قابلة للملاحظة في العلاقات الدولية المعاصرة.