يشكّل صعود القوميات معلمًا كبيرًا في تاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر. فقد صاغ الحدود، وأثّر في السياسات، وبذر بذور نزاعات الغد. أما فهم هذا الصعود فيفتح الباب لاستكشاف ديناميات ذلك العصر المعقّدة، وهي ديناميات ما يزال صداها يُسمع اليوم.
صعود القوميات: الأصول والسياق التاريخي
نهاية الحروب النابليونية
بين 1803 و1815، طمح نابليون بونابرت إلى السيطرة على أوروبا. فحملت تلك النزاعات الأفكارَ الثورية إلى ما وراء الحدود الفرنسية. ومن ثمّ بذرت بذور الشعور بالانتماء والهوية الوطنية لدى الشعوب الأوروبية.
تعريف القومية
القومية مفهومٌ سياسيّ. فهي تقوم على وحدةٍ ثقافية أو لغوية أو تاريخية. وتدعو إلى استقلال الأمّة وسيادتها، وتقف في وجه الهيمنات الأجنبية. أما غايتها فإقامةُ دولٍ قومية مستقلّة.
انتشار الأفكار الثورية
تشحذ أفكار الحرّية والمساواة والإخاء الشعوبَ حول هويةٍ مشتركة. أما الدويلات الإيطالية والألمانية، وقد استلهمت هذه الأفكار، فتطمح إلى وحدةٍ واستقلالٍ سياسيّ.
محاولة إعادة النظام القديم
يجمع مؤتمر فيينا سنة 1815 القوى الأوروبية الكبرى. فيرمي إلى إعادة الملكيات المخلوعة ورسم خريطة أوروبا من جديد. أما الهدف فحفظُ توازن القوى وكبحُ النزعات الثورية.
صعود القوميات: رياح التغيير
ورغم هذه الجهود، كانت رياح التغيير تهبّ فعلًا. فروح القومية تستيقظ. وتشهد العقود التالية اندفاعةً للحركات القومية. فتتحدّى النظام القائم، وتقود إلى نشأة دولٍ قومية جديدة وإلى إعادة تعريف الحدود الأوروبية.
صعود القوميات والثورات الأوروبية
الثورة البلجيكية 1830: بواكير صعود القوميات
تؤدّي ثورتا 1830 و1848 دورًا حاسمًا في صعود القوميات بأوروبا، إذ تعكسان تطلّعًا قويًّا إلى تقرير المصير والحرّية الوطنية. أما الثورة البلجيكية سنة 1830 فمثالٌ مبكّر على هذا الصعود، تبعته عن قرب حركاتٌ أخرى عبر القارّة.
ففي 1830، شهدت بلجيكا، الخاضعة للسيطرة الهولندية، اندلاعَ ثورةٍ سببها استياءٌ متنامٍ من ويليام الأوّل ملك هولندا. فالتوتّرات اللغوية والدينية والسياسية عجّلت بصعود القوميات، وقادت إلى استقلال بلجيكا في أكتوبر من السنة نفسها. أما هذا النجاح البلجيكي فقد ألهم أممًا أوروبية أخرى، وبلور فكرةً مفادها أنّ الشعوب قادرةٌ على الالتفاف حول هويةٍ مشتركة للمطالبة باستقلالها.
ربيع الشعوب 1848: اتّساع صعود القوميات
تمثّل ثورات 1848، التي كثيرًا ما تُسمّى ربيع الشعوب، ذروةً أخرى في صعود القوميات. ففي تلك المرحلة، هزّت الثوراتُ دولًا أوروبية كثيرة، ولا سيّما فرنسا وإيطاليا والدويلات الألمانية. وتسعى هذه الحركات إلى إقامة دولٍ قومية ذات سيادة. فتُظهر إرادةً واضحة في الحكم الذاتي والحرّية الوطنية.
ففي فرنسا، أفضت الثورة إلى إقامة جمهوريةٍ مؤقّتة، وفي ذلك ما يوضّح أثر صعود القوميات في البُنى السياسية القائمة. أما في إيطاليا وألمانيا، فقد أطلقت ثورات 1848 حركاتٍ من أجل الوحدة الوطنية. غير أنّ النجاح تأخّر.
أثرٌ دائم لصعود القوميات
يبرز صعود القوميات خلال هذه الثورات منعطفًا في الوعي السياسي والاجتماعي لذلك العصر. فهو يُظهر أهمّية الهوية الوطنية والسيادة في تكوّن الدول الحديثة بأوروبا. أما التطلّعات التي عبّرت عنها تلك الثورات فما تزال تتردّد عبر التاريخ، شاهدةً على قوّة القومية محرّكًا للتغيير السياسي والاجتماعي.
تحوّل أوروبا سياسيًّا وترابيًّا
وحدة إيطاليا وألمانيا
يعجّل صعود القوميات بوحدة إيطاليا وألمانيا، فيُدخل تعديلاتٍ عميقة على خريطة أوروبا. ففي إيطاليا، صهرت الاندفاعةُ القومية الدويلاتِ المختلفة في أمّةٍ موحّدة سنة 1861، بقيادة وجوهٍ سياسية مفتاحية كـكاميلو دي كافور وجوزيبي غاريبالدي. أما هذه الوحدة فقد أعادت رسم الحدود الإيطالية، وعزّزت ثقلها السياسي في المشهد الأوروبي.
وكذلك في ألمانيا، يسّرت الحماسةُ القومية وحدةَ الدويلات الألمانية تحت راية بروسيا، بقيادة أوتو فون بسمارك، سنة 1871. فصاغت هذه الوحدة إمبراطوريةً ألمانية قويّة. كما غيّرت توازن القوى في أوروبا.
بروز التنافسات الدولية
ومن جهةٍ أخرى، تُشعل التطلّعات الوطنية العلاقاتِ بين القوى الكبرى. فتُرسي مناخًا من المنافسة والريبة. ومن ثمّ تضع أسس التحالفات والتنافسات التي ستطبع القرن العشرين. أما صعود القوميات فيولّد سباق تسلّحٍ وتنافسًا على المستعمرات، فينشئ أجواء توتّرٍ ستبلغ ذروتها باندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914.
أثرٌ ممتدّ في المشهد الأوروبي
لا يكتفي صعود القوميات بإعادة تعريف الحدود الجغرافية. فهو يعيد كذلك رسم التحالفات والعداوات بين الأمم الأوروبية. ومن ثمّ يمهّد الأرض لنزاعات القرن التالي الكبرى. أما حقبة الوحدة والتنافسات القومية هذه فترسي أسس الدينامية السياسية الأوروبية التي ستدوم طوال القرن العشرين.
بروز أممٍ جديدة
تبزغ أممٌ، وتأفل إمبراطوريات. فروح القومية تُلهم حركات التحرّر الوطني، وتسهم في تفكّك الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية-المجرية.
| التاريخ | الحدث |
|---|---|
| 1803-1815 | الحروب النابليونية: طمح نابليون بونابرت إلى السيطرة على أوروبا، ونشر الأفكار الثورية إلى ما وراء الحدود الفرنسية. |
| 1815 | مؤتمر فيينا: اجتمعت القوى الأوروبية الكبرى لإعادة الملكيات المخلوعة ورسم خريطة أوروبا من جديد. |
| 1830 | الثورة البلجيكية: استقلال بلجيكا عن هولندا، في أكتوبر. |
| 1848 | ربيع الشعوب: ثوراتٌ في فرنسا وإيطاليا والدويلات الألمانية؛ وفي فرنسا، إقامة جمهوريةٍ مؤقّتة. |
| 1861 | وحدة إيطاليا، بقيادة كاميلو دي كافور وجوزيبي غاريبالدي. |
| 1871 | وحدة ألمانيا، تحت راية بروسيا وأوتو فون بسمارك. |
| 1914 | اندلاع الحرب العالمية الأولى. |
خواطر ختامية
يمثّل صعود القوميات في القرن التاسع عشر منشورًا يُرى من خلاله تكوّنُ العالم الحديث. فهذه الظاهرة المعقّدة ما تزال تُنير العلاقات الدولية وفهمَ الهوية الوطنية، شاهدةً على عمق بصمة تلك الحقبة في أوروبا والعالم.