مشاهد اجتماعية

معاداة السامية في أوروبا في القرن التاسع عشر

«معاداة السامية» مصطلحٌ صار وحده كافيًا للدلالة على كلّ نقدٍ يُوجَّه إلى سياسة الدولة العبرية. غير أنّ هذه الكلمة، قبل أن تتحوّل إلى أداة رقابة، كانت تُعرّف واقعًا آخر. فمعاداة السامية هي الكراهية والعداء والإجحاف أو التمييز ضدّ اليهود بوصفهم جماعةً إثنية أو دينية أو عرقية. وهي صورةٌ من صور العنصرية أفضت إلى اضطهاداتٍ كثيرة عبر التاريخ، ومنها المحرقة إبّان الحرب العالمية الثانية. أما معاداة السامية في أوروبا في القرن التاسع عشر فلم تكن مجرّد أيديولوجيا سامّة في الخلفية؛ فقد كانت تقلب حياة الجماعات اليهودية رأسًا على عقب وتصوغ الديناميات الاجتماعية للمجتمع الأوروبي بأسره. وفي هذا المقال سعيٌ إلى استكشاف المظاهر الملموسة والقابلة للتحقّق من هذا العداء لليهود.

معاداة السامية: السياق التاريخي

منذ القرون الوسطى، طبعت معاداةُ السامية التاريخَ الأوروبي بطابعٍ مؤسٍ. فقد كانت الأحكام المسبقة الدينية هي السائدة في ذلك العهد، وأفضت إلى اتّهاماتٍ لا أساس لها من قبيل جرائم القتل الطقسي. ثمّ جاء عصر النهضة، وفيه ازدهرت الفنون والعلوم، على أنّ التعصّب ضدّ اليهود ظلّ قائمًا. وعلى مرّ القرون، امتزجت هذه الأحكام بنظرياتٍ عرقية وقومية بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر. ومثال ذلك المذابح (البوغروم) في روسيا. ففي سنوات 1880 و1900، أودت هذه الهجمات المنظّمة على الجماعات اليهودية، وكثيرًا ما كانت بدعمٍ من الحكومة، بحياة آلاف اليهود وشرّدتهم. وفي الوقت نفسه، ظهرت في البندقية أوّل تسميةٍ بـ«الغيتو»، دلالةً على حيٍّ مخصّص لليهود. ثمّ انتشرت هذه الممارسة في مناطق أخرى، كما في وارسو.

وقائع بارزة من معاداة السامية

شهدت أوروبا في القرن التاسع عشر مظاهر صارخة لمعاداة السامية، تركت ندوبًا لا تُمحى في التاريخ. ففي فرنسا، تظلّ قضية دريفوس أبلغ مثال؛ ولمزيدٍ من التفاصيل في هذا الموضوع مقالٌ مفصّل. أما في روسيا فقد أودت المذابح بحياة آلاف الأشخاص وشرّدتهم. والبوغروم، بحكم التعريف، هجماتٌ عنيفة منظّمة تُشنّ على الجماعات اليهودية، وكثيرًا ما تكون بدعمٍ من الحكومة. وفي ألمانيا، وإن لم تعرف البلاد مذابح بحجم مذابح روسيا، واجه اليهود قيودًا مهنية وسكنية. فقد كانت هذه المحظورات تمنعهم من مزاولة مهنٍ بعينها وتحصرهم في مناطق سكنية محدّدة. وتشهد هذه الوقائع مجتمعةً على استمرار معاداة السامية في أوروبا في ذلك العهد وعلى تحوّلها.

ردود الفعل وأشكال المقاومة في وجه معاداة السامية

في مواجهة التصاعد المقلق لمعاداة السامية في القرن التاسع عشر، أقدمت الجماعات اليهودية وحلفاؤها من غير اليهود على خطواتٍ جريئة لصدّ هذا العداء.

الهسكالاه: التنوير اليهودي

كان من أقوى هذه الحركات «الهسكالاه» (Haskalah)، أي التنوير اليهودي. فقد وُلدت في القرن الثامن عشر، غير أنّها بلغت أوجها في القرن التاسع عشر، وسعت إلى المزج بين قيم التنوير الأوروبي والفكر اليهودي. أما أنصارها، وهم المعروفون بـ«المسكيليم» (Maskilim)، فقد نادوا بالتعليم والانعتاق وبإدماجٍ أوسع لليهود في المجتمع الأوروبي. وكانوا يرون أنّ اليهود قادرون، بالتعليم والاندماج الثقافي، على كسر حواجز الأحكام المسبقة ونيل احترام مواطنيهم من غير اليهود.

نشأة الصهيونية

وفي غضون ذلك، وفي وجه العنف والتمييز المتواصلَين، ظهر ردٌّ آخر تجسّد في الصهيونية. فقد تأثّر تيودور هرتزل، أب الصهيونية الحديثة، تأثّرًا عميقًا بالمظالم، ومنها قضية دريفوس في فرنسا. وخلص إلى أنّ الحلّ الدائم الوحيد لمعاداة السامية هو إقامة دولة يهودية مستقلّة في فلسطين. أما هذه الحركة فقد كسبت أرضًا سريعًا في أوساط يهود أوروبا، إذ حملت رؤية أملٍ ونهضةٍ قومية.

خلاصة

يتميّز القرن التاسع عشر في أوروبا، على ما أحرزه من تقدّمٍ في العلم والفنّ والسياسة، بتصاعدٍ مقلق لمعاداة السامية. وفي العودة إلى هذا الفصل المظلم من التاريخ تذكيرٌ بضرورةٍ لا تنقطع: مقاومة الكراهية والتعصّب والأحكام المسبقة بكلّ صورها.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب