من الدار البيضاء إلى نيروبي، ومن تونس إلى أديس أبابا، تُبدّل الرافعات الصينية وجه المشهد الإفريقي. غير أنّ خلف هذه الأوراش الجبّارة معركةً على الروح التقنية للقارّة. وهذا تحقيقٌ في المبادرة الصينية BRI التي تقلب الجيوسياسة العالمية وتضع إفريقيا في قلب رهاناتٍ استراتيجية حاسمة.
بعد ثماني سنوات من انطلاقها، تجاوزت مبادرة BRI (Belt and Road Initiative) كل مشاريع التنمية في التاريخ الحديث. فهي أكثر من استراتيجية بنًى تحتية؛ إذ تعيد في العمق رسم الاقتصاد والتقنية، بل الثقافة، في ثلاث قارّات. أما إفريقيا فرهاناتها هائلة: فرصةُ تنميةٍ تاريخية أم استعمارٌ جديد متنكّر؟
في تونس، صار المبنى الجديد بمطار تونس قرطاج، المموَّل جزئيًّا برؤوس أموال صينية، يستقبل رحلاتٍ متكاثرة نحو الصين. أما في رادس، فيشهد الميناء المحدَّث، المجهَّز ببنًى مستوردة من بكين، عبورَ بضائع «صُنع في الصين» بأعدادٍ متزايدة. وبلا ضجيجٍ إعلامي، تندمج تونس شيئًا فشيئًا في منظومة «طريق الحرير الجديد» الصينية.
فكُّ رموز الاختصارات
| الاختصار | التعريف |
|---|---|
| BRI (Belt and Road Initiative) | «طرق الحرير الجديدة»، مبادرة صينية أُطلقت في 2013 |
| OBOR | الاسم القديم لـ BRI (One Belt, One Road) حتى 2016 |
| DSR | طريق الحرير الرقمي، الشقّ التقني من BRI |
| Global Gateway | الردّ الأوروبي على BRI (300 مليار يورو في أفق 2027) |
| PGII | مبادرة أمريكية منافسة (هدفها 600 مليار دولار) |
إرثُ الحرير: حين يُلهم التاريخُ الجيوسياسة
قبل ألفَي عام، كانت قوافلُ محمّلةٌ بالتوابل والحرير تصل تشانغآن بروما. فانطفأت هذه العولمة الأولى في القرن الخامس عشر، ضحيةَ الحروب بين الإمبراطوريات.
وفي سبتمبر 2013، بعث شي جين بينغ هذا الحلم الألفيّ من جديد، في جامعةٍ بمدينة نور سلطان في كازاخستان. فتحدّث الرئيس الصيني عن نهضة «طرق الحرير» لوصل أوراسيا وإفريقيا وأوقيانوسيا. وقد بدا الإعلان طموحًا يومها؛ أما اليوم فيعيد تعريف النظام العالمي.
الصين وأوروبا: طريقٌ كسرته الحرب
قطارُ الأشباح في حرب أوكرانيا
جانفي 2017: أوّل قطار بضائع مباشر بين الصين ولندن يقطع 12 000 كلم في ثمانية عشر يومًا. إنجازٌ لوجستيّ بدا كأنّه يُبشّر بعهدٍ جديد للتجارة الأوراسية. غير أنّ حرب أوكرانيا كسرت هذا الحلم.
فقد أُغلق فجأةً الخطُّ الحديدي العابر لروسيا وبيلاروسيا، وكان ينقل نحو 90% من شحن الصين إلى أوروبا. وأوقفت DHL وMaersk عملياتهما الروسية. وتراجعت الحركة على السكك بأكثر من الثلث، ممّا أرغم الصين على تحويل تدفّقاتها نحو مساراتٍ أقلّ نجاعة عبر آسيا الوسطى وإيران.
استدارةٌ قسرية نحو الجنوب
من المفارقة أنّ هذا الاضطراب الجيوسياسي قوّى مكانة البحر الأبيض المتوسّط وإفريقيا في الاستراتيجية الصينية. فهل يستحيل الاعتماد على الطريق الأوروبي وحده؟ وتعيد الصين اكتشاف فضائل المسار البحري الذي يمرّ بالسويس وبمرافئ المغرب العربي.
أما تونس، فأمامها فرصةٌ تاريخية لتعود إلى ما كانته في العصور القديمة: ملتقى تجاريًّا كبيرًا بين الشرق والغرب.
إفريقيا في عين الإعصار التقني
ثورةُ الهواتف الذكية الصامتة
في أسواق تونس كما في شوارع لاغوس، تكسب الهواتف الذكية الصينية أرضًا. فتتأقلم Transsion، بعلامتَيها Tecno وInfinix، مع الأسواق المحلّية: هواتف مضبوطة على البشرة السوداء في إفريقيا جنوب الصحراء، وطرزٌ تقاوم الرمل في المغرب العربي، وأسعارٌ لا تُنافَس في كل مكان.
وفي تونس، تُجهّز Huawei فعلًا جزءًا من شبكة الجيل الرابع 4G لدى اتّصالات تونس. ويكتشف الشبّان التونسيون TikTok على هواتف Xiaomi، غير عالمين بأنّ بياناتهم تعبر خوادم صينية.
غير أنّ هذا النفاذ التقني يُخفي واقعًا أشدّ إقلاقًا: فهذه الأجهزة تجمع البيانات جمعًا مكثّفًا، خارج الأُطر الصارمة للحماية التي تفرضها القوانين الأوروبية. ومن ثمّ تصير إفريقيا ميدان تطويرٍ للذكاء الاصطناعي الصيني.
حين ترقب بكين إفريقيا
الاتّفاق المُقلِق
مارس 2018: يوقّع زيمبابوي اتّفاقًا صادمًا مع CloudWalk، وهي شركة صينية ناشئة في الذكاء الاصطناعي. فمقابل تقنيات المراقبة، تقبل هراري أن تتقاسم مع الصين البيانات البيومترية لملايين المواطنين.
والهدف الصيني: تحسين خوارزميات التعرّف على الوجوه على سكّانٍ من غير الآسيويين. فـإفريقيا تُتيح ميدان التدريب غير المسبوق هذا.
«المدن الآمنة» التي تُثير القلق
نشرت Huawei أنظمة «المدن الذكية» في 16 بلدًا إفريقيًّا. ففي نيروبي، تُراقب آلاف الكاميرات عالية الدقّة حركة السير. وفي أوغندا، يسّر التعرّفُ على الوجوه ما لا يقلّ عن 836 اعتقالًا لمعارضين سياسيين، وثّقتها Amnesty International (2022) وAccess Now (2023).
أما في المغرب العربي، فالتقدّم أهدأ لكنّه حقيقي. فقد وقّع المغرب اتّفاقات مع Huawei لتحديث بناه الرقمية. وتستكشف الجزائر «المدن الذكية» الصينية. أما تونس فتُبحر بحذرٍ بين الفرص التقنية وصون مكاسب الديمقراطية بعد الثورة.
إضاءة: هامبانتوتا، حكايةُ «فخٍّ» مثير للجدل
في 2010، دشّنت سريلانكا ميناء هامبانتوتا، المموَّل من الصين. وبعد سبع سنوات، عجزت عن السداد، فتنازلت كولومبو عن الميناء لبكين مدّة 99 عامًا.
الرواية الغربية: مثالٌ نموذجي على «فخّ الديون» الصيني.
الواقع: أعقدُ من ذلك. فالأمر كان عقد إيجارٍ بـ 1,12 مليار دولار، أنقذ المالية السريلانكية. أما الدَّين الصيني فظلّ مستحقًّا على حدة.
الردّ الغربي: Global Gateway في مواجهة طريق الحرير
أوروبا تردّ الهجوم
2021: تُطلق أورسولا فون دير لاين «Global Gateway»، وهي خطّة أوروبية بـ 300 مليار يورو على ستّ سنوات. أما الفارق الكبير فيكمن في أنّ الصين تُفضّل القروض التجارية، بينما يراهن الاتّحاد الأوروبي على مزيجٍ من المِنَح والتمويلات الميسَّرة.
الولايات المتّحدة تستيقظ
وتُطلق واشنطن «Partnership for Global Infrastructure»، بهدفٍ قدره 600 مليار في أفق 2027. غير أنّ سرعة التفاعل الصينية تبقى بلا نظير.
تونس أمام معضلة طرق الحرير
قطبٌ متوسّطي أم تبعيةٌ تقنية؟ تحاول تونس اجتذاب الاستثمارات دون التنازل عن استقلال قرارها. فمرافئ، واتّصالات، وجامعات: كلّ مشروعٍ صيني يرافقه تفاوضٌ محكم.
وتبقى اليقظة حاسمة: فالبنى التي تموّلها بكين تستتبع في الغالب تبعيةً تقنية (الصيانة، وقطع الغيار، وتحديثات البرمجيات) قد توقع بلدًا في الفخّ على المدى الطويل.
بدائل إفريقية: بين الواقعية والابتكار
أمام هذه التحدّيات، تجرّب بلدانٌ سبلًا أخرى.
- رواندا تراهن على اتّفاقات متوازنة، تتضمّن بنود نقل الكفاءات ورقابةً صارمة على الدَّين.
- السنغال تستند إلى تنويع شركائها، فتجمع تمويلاتٍ صينية وأوروبية وتركية اتّقاءَ تبعيةٍ مفرطة.
- جنوب إفريقيا تستنفر مؤسّساتها العمومية القويّة لتأطير عقود البنى التحتية.
وتُظهر هذه التجارب أنّ إفريقيا قادرةٌ على ابتكار استراتيجيات متمايزة، وعلى رفض دور المتفرّجة.
سيناريوهات المستقبل: ماذا بعد شي؟
- استمراريةٌ نسبية: إبقاء BRI مع تعديلات.
- أزمةٌ داخلية: تعليق المشاريع إن نشب صراع سلطةٍ داخل الحزب.
- انهيارٌ بنيوي: تفتّت السلطة الصينية، وصدمةٌ عنيفة لإفريقيا.
الآثار الإفريقية:
- على المدى القصير: مواطن شغل، وبنًى تُسلَّم.
- على المدى الطويل: تبعيةٌ رقمية، ومخاطر مالية مرتبطة بالقروض.
- إقليميًّا: غرب إفريقيا متّجهٌ إلى أوروبا، وشرقها مرتبطٌ بالصين، والمغرب العربي في توازنٍ هشّ.
بالأرقام (المصادر: GSMA 2024، AIE 2024، AidData 2025، Amnesty 2022)
- ≈ 1 300 مليار دولار: الاستثمارات المتراكمة في BRI منذ 2013
- 150 بلدًا: منخرطة في المبادرة
- بين 68% و72%: حصّة بنى الجيل الرابع 4G الإفريقية التي جهّزتها شركات صينية
- 85%: حصّة الصين من الطاقة العالمية لمعالجة المعادن الحرجة
- 836 على الأقلّ: اعتقالات في أوغندا يسّرتها تقنيات المراقبة من Huawei
خلاصة القول
في شوارع تونس كما في أديس أبابا، تستقرّ الصين في قلب اليومي الإفريقي. فطرقٌ ومرافئ وهواتف ذكية وأقمار صناعية: كلّ شيءٍ يتّجه نحو تبعيةٍ متزايدة.
أما السؤال العاجل حقًّا، فهو ما إذا كانت إفريقيا — عبر مبادرات مثل منطقة التجارة الحرّة القارّية الإفريقية (ZLECAf) والدور المتنامي للاتّحاد الإفريقي — ستُحسن رسم طريقها الخاصّ قبل أن يفلت منها القرار.