نموّ شخصي

التضامن والتعاطف: لماذا نحن أكثر إنسانيةً ممّا نظنّ

«Homo homini lupus est» — «الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان». فهل ما تزال هذه العبارة اللاتينية، عبارةُ بلاوتوس (Plaute)، تطنّ في أذنيكِ أمام تحدّيات اليوم؟ أما في زمنٍ يبدو أنّ الاستهزاء والفردانية يحكمانه، فتبرز حقيقةٌ علمية لافتة: الإنسان متعاطفٌ متضامنٌ في جوهره.

وبعيدًا عن خطاب التشاؤم، اكتشفي كيف يشكّل التضامن والتعاطف المحرّك الحقيقي للتغيير الاجتماعي. فهاتان القوّتان الخفيّتان تغيّران مجتمعاتنا في صمت، وتقدّمان حلولًا ملموسة لتحدّيات عصرنا.

نظرية النافذة المكسورة: حين يصوغ المحيط سلوكنا

ملاحظةٌ مقلقة لكنّها كاشفة

وُضعت نظرية النافذة المكسورة في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، وهي تقيم صلةً مباشرة بين تدهور الفضاء العامّ والسلوك العامّ لجماعةٍ ما. فهذه الفرضية، وقد لوحظت في الواقع، تثبت أنّ محيطًا متداعيًا يؤثّر سلبًا في السلوك الاجتماعي.

ويتأكّد هذا الواقع، للأسف، في مناطق كثيرة من المغرب الكبير وأفريقيا: تراكم النفايات، وتدهور البنى التحتية، وغياب خدماتٍ عامّة ناجعة. فتصنع هذه العوامل حلقةً مفرغة، يولّد فيها الإهمالُ مزيدًا من الإهمال.

المسؤولية الفردية نقطةَ انطلاق

بدلًا من انتظار تدخّل السلطات، يستطيع كلٌّ منّا أن يبدأ تغييرًا إيجابيًّا. فالتجربة تثبت أنّ فعلًا فرديًّا كثيرًا ما يُلهم المحيط أن يحذو حذوه. ثمّ إنّ هذه الدينامية الجماعية تنشأ في الحال.

أفعالٌ ملموسة:

  • التقاط النفايات في حيّكِ
  • اعتماد ممارساتٍ صديقة للبيئة (الحدّ من استهلاك الماء)
  • المحافظة على النظافة أمام بيتكِ
  • توعية من حولكِ بالقدوة

فهذه الحركات، على ما تبدو عليه من بساطة، تشكّل أساس تحوّلٍ اجتماعيّ دائم.

التعاطف: قدرةٌ فطرية أثبتها العلم

الاكتشاف الثوري للخلايا العصبية المرآتية

في 1996، كشف فريق الأستاذ جاكومو ريتزولاتي (Giacomo Rizzolatti) في بارما وجود «الخلايا العصبية المرآتية». فهذه الخلايا تنشط على النحو نفسه حين نشعر نحن بانفعال، وحين نرى غيرنا يشعر به.

ويثبت هذا الاكتشاف الكبير أنّ التعاطف آليةٌ عصبية بيولوجية أساسية. فنحن ندرك مشاعر الآخرين حرفيًّا كأنّها مشاعرنا.

الإيثار المبكّر عند الطفل

تكشف أبحاث فيليكس فارنيكن (Felix Warneken) ومايكل توماسيلو (Michael Tomasello) أنّ أطفالًا في عمر 18 شهرًا يبدون سلوك مساعدةٍ عفويًّا. فيقطعون لعبهم لإغاثة بالغٍ في ضائقة، بلا مكافأةٍ ولا تحريض.

وتؤكّد هذه الملاحظة أنّ التضامن والتعاطف سمتان طبيعيتان في النوع البشري، لا بناءان اجتماعيان مصطنعان.

لذّة التعاون في الدماغ

يكشف التصوير بالرنين المغناطيسي أنّ أفعال التعاون تنشّط في الدماغ مناطق اللذّة نفسها التي ينشّطها تذوّق طبقٍ شهيّ. أما المنافسة، في المقابل، فتثير المناطق المرتبطة بالاشمئزاز.

ومن ثمّ يكافئ دماغنا السلوك المتضامن طبيعيًّا، ويعاقب المواقف الفردانية.

فوائد الكرم كما يقولها العلم

الأثر في الصحّة والعافية

تُظهر دراساتٌ أمريكية أنّ المنخرطين في العمل التطوّعي يحرزون نتائج أعلى في:

فهؤلاء أقلّ معاناةً من الاكتئاب عمومًا، وأقدر على مقاومة داء الزهايمر، وأطول عمرًا، وأوفر صحّةً في أبدانهم.

معادلةٌ لافتة: العطاء أخذ

يؤكّد العلم ما تعلّمه التقاليد الروحية منذ آلاف السنين: الكرم ينفع المعطي بقدر ما ينفع الآخذ. فممارسة التضامن والتعاطف تحسّن عافيتكِ الشخصية تحسينًا ملموسًا.

الكرم التونسي والمغاربي: رصيدٌ ينتظر أن يُستثمر

خصلةٌ ثقافية لا تُنكَر

تملك شعوب المغرب الكبير وأفريقيا تقليدًا عريقًا في الكرم وحسن الضيافة. فهذه الخصلة قاعدةٌ صلبة لبناء مجتمعٍ أشدّ تضامنًا.

غير أنّ هذا الكرم كثيرًا ما يقف عند الجانب المادّي: تقاسم الموارد، والعون المالي، وهبة الطعام. فهو يكسب لو امتدّ إلى الجانب الوجداني.

نحو كرمٍ وجداني

يقتضي التحوّل الاجتماعي الحقيقي ألّا نعطي من مالنا وحده، بل من أنفسنا أيضًا:

الامتنان: مفتاح السعادة في الظروف الصعبة

ترياقٌ للكآبة السائدة

تمثّل ممارسة الامتنان مفتاحًا من مفاتيح السعادة التي أثبتها العلم، حتى في أقسى السياقات. فهي تتيح:

  • الكفّ عن المقارنات السامّة بالآخرين
  • خفض العدوانية بتنمية الشعور بالحظّ
  • تقوية تقدير الذات والتعاطف
  • تغيير النظرة إلى الصعوبات

ممارسةٌ بسيطة بأثرٍ قويّ

أدخلي الامتنان في يومكِ كلّ يوم:

  • دوّني ثلاثة أشياء طيّبة في يومكِ
  • اشكري في سرّكِ من حولكِ
  • تذوّقي المسرّات الصغيرة التي كثيرًا ما تُهمَل
  • نمّي امتنانكِ لما بين يديكِ

أمثلةٌ ملهمة من التضامن في الفعل

اندفاعة ما بعد الثورة في تونس

تجسّد حركة التضامن العفوية بعد سقوط نظام بن علي خير تجسيدٍ قدرةَ الشعوب الطبيعية على أن تنتظم من أجل الصالح العامّ. فالقوافل الإنسانية، ومساندة اللاجئين الليبيين، وإغاثة منكوبي الفيضانات: كلّها مبادراتٌ تبرهن على قوّة التضامن الشعبي.

نجاحاتٌ لافتة لجمعياتٍ محلّية

جمعت جمعية «مرام للتضامن» (Maram Solidarité) 1,257,882 دينارًا في 2017 لبناء وحدةٍ متخصّصة في مركز زرع نخاع العظم بتونس العاصمة. أما مؤسسة رامبور (Rambourg) فقد افتتحت المركز الثقافي للفنون والحرف بجبل السمّامة في ولاية القصرين.

فهذه النجاحات تثبت أنّ التضامن المنظَّم قادرٌ على إنجازاتٍ لافتة بإمكاناتٍ محدودة.

الثورة الرقمية للتضامن

تكاثر منصّات التآزر

أتاحت الشبكة للجميع إمكانات التضامن وضاعفتها:

  • مواقع تبرّعٍ بين الأفراد
  • منصّات مشاركة السيارة والإيواء التضامني
  • شبكات تبادل الكفاءات
  • مشاريع تعاونية مثل ويكيبيديا

«الجيل G»: روّاد التضامن الرقمي

يعيد «جيل الألفية»، أو «الجيل G» (نسبةً إلى généreux، أي الكريم)، تعريف القيم الاجتماعية. فهو، خلافًا للأجيال السابقة، يُؤثر:

  • التبادل والتقاسم على الاستهلاك المجرّد
  • العلامات المسؤولة اجتماعيًّا
  • المقايضة وإعادة التدوير
  • الالتزام المواطني معيارًا للشراء

ويُنذر هذا التحوّل الجيلي بتبدّلٍ عميق في النماذج الاقتصادية والاجتماعية.

خططٌ ملموسة لتنمية التضامن والتعاطف

على مستوى الفرد

نمّي ذكاءَكِ الوجداني:

  • مارسي الإصغاء الفاعل
  • راقبي مشاعر الآخرين بلا حكم
  • عبّري عن امتنانكِ بانتظام
  • امنحي عونكِ دون انتظار مقابل

انخرطي في محيطكِ:

  • انضمّي إلى جمعيةٍ خيرية
  • شاركي في مبادرات حيّكِ
  • اعرضي كفاءاتكِ تطوّعًا
  • انسجي صلاتٍ مع جيرانكِ

على مستوى الجماعة

نظّمي أعمالًا جماعية:

  • أيام تنظيف الحيّ
  • حملات جمعٍ للعائلات المعوزة
  • ورشات تبادل الكفاءات
  • مواعيد تجمع الأجيال

وعّي من حولكِ:

  • شاركي قصص النجاح المحلّية
  • نظّمي لقاءات عن التضامن
  • استعملي الشبكات الاجتماعية استعمالًا إيجابيًّا
  • ثمّني مبادرات المواطنين

نحو مجتمعٍ أكثر إنسانية

ليس التضامن والتعاطف يوتوبيا ساذجة، بل حقيقتان موثّقتان علميًّا وراسختان في الثقافة. فهما تجدان في مجتمعاتنا المغاربية والأفريقية تربةً خصبةً على وجه الخصوص.

وأمام تحدّيات اليوم — أزمةٌ اقتصادية، وتدهورٌ بيئي، وتوتّراتٌ اجتماعية — تقدّم هاتان الخصلتان الإنسانيتان حلولًا دائمة في متناول الجميع.

ويثبت التاريخ أنّ كلّ الأجيال واجهت ظروفًا صعبة. فأجدادنا الصيّادون الجامعون لم ينتظروا زوال الأخطار: بل أبدوا حيلةً وتعاونًا ليتأقلموا ويبقوا.

وأنتِ أيضًا، ارفضي القدر المحتوم. فالتحوّل يبدأ بحركاتٍ بسيطة: ابتسامة، وعونٌ عفوي، وبادرة عرفان. ثمّ إنّ هذه الأفعال، على تواضعها الظاهر، تُحدث دوائر تتّسع فتغيّر المجتمع كلّه شيئًا فشيئًا.

وقد بدأت ثورة التضامن والتعاطف فعلًا. فيكفي أن تقرّري الانضمام إليها ليتسارع التغيير ويعمّ.

وكما تثبت علوم الأعصاب، فإنّ الإحسان يُحسن إلى صاحبه. فهذه المعادلة اللافتة تحوّل الإيثار إلى خطّةٍ رابحة للطرفين، نبني بها العالم الذي نريد أن نورّثه للأجيال القادمة.

أسئلة شائعة

ما نظرية النافذة المكسورة؟
وُضعت في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، وهي تقيم صلةً مباشرة بين تدهور الفضاء العامّ والسلوك العامّ لجماعةٍ ما: فمحيطٌ متداعٍ يؤثّر سلبًا في السلوك الاجتماعي.
ما الخلايا العصبية المرآتية؟
اكتشفها في 1996 فريق الأستاذ جاكومو ريتزولاتي في بارما، وهي خلايا تنشط على النحو نفسه حين نشعر نحن بانفعال وحين نرى غيرنا يشعر به.
هل الأطفال مؤثِرون بالفطرة؟
نعم. فبحسب أبحاث فيليكس فارنيكن ومايكل توماسيلو، يبدي أطفالٌ في عمر 18 شهرًا سلوك مساعدةٍ عفويًّا، بلا مكافأةٍ ولا تحريض.
ما فوائد العمل التطوّعي على الصحّة؟
يحرز المنخرطون في العمل التطوّعي نتائج أفضل في السعادة وتقدير الذات وجودة الحياة؛ فهم أقلّ معاناةً من الاكتئاب عمومًا، وأقدر على مقاومة داء الزهايمر، وأطول عمرًا.
كيف يُنمّى التضامن والتعاطف كلّ يوم؟
على مستوى الفرد: ممارسة الإصغاء الفاعل، والانخراط في المحيط، والانضمام إلى جمعيةٍ خيرية. أما على مستوى الجماعة: تنظيم أعمالٍ جماعية كأيام تنظيف الحيّ أو حملات الجمع للعائلات المعوزة.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب