نموّ شخصي

تعيد الصداقة برمجة دماغكِ: إليكِ كيف

تتجاوز الصداقة العلاقات الاجتماعية العادية لتصير قوّةً تبدّل مجرى حياتكِ. فهذه الأواصر الفريدة تنحت شخصيّتكِ، وتؤثّر في اختياراتكِ، وتخلّف ذكرياتٍ لا تُمحى. على أنّ سؤالًا يبقى: ما الذي يجعل هذه الأواصر بهذه الخصوصية؟ يكشف العلم آلياتٍ مذهلة تفسّر لماذا تسِم بعض الصداقات حياتكِ إلى الأبد.

الصداقة الكاملة: أبعد من المثال الذي نحلم به

تقلب الصديقة الحقّة أيّ موقف عاديّ إلى لحظة لا تُنسى. فلها تلك الموهبة النادرة التي تُطلق ضحككِ من القلب، ولو في أتفه اللحظات. وفي هذه القدرة على صنع فرحٍ عفويّ يتجلّى أثمن ما في الصداقة الصادقة.

ويظهر هذا الحضور غير المشروط في المحن خاصّة. فحين ينهار عالمكِ بعد فراقٍ موجع، تجدين صديقتكِ على بابكِ بلا موعد. تُصغي دون أن تحكم، وتمنحكِ ذلك الكتف الذي تحتاجينه حاجةً ماسّة.

يتميّز هذا الوصل العميق كذلك بكلامٍ ينساب من تلقائه. فتتقاسمان أحاديث لا تنتهي، وتخوضان في كلّ موضوع بيُسرٍ يُدهش. ومن هذا التواطؤ يولد إحساسٌ بأنّ كلًّا منكما تقرأ ما يدور في رأس الأخرى.

المراهقة: العصر الذهبيّ للصداقات الاستثنائية

لصداقات المراهقة، فعلًا، طعمٌ لا يشبه غيره. فتتميّز هذه المرحلة من العمر بتحوّلات كبرى في الدماغ تؤثّر تأثيرًا عميقًا في علاقاتكِ الاجتماعية.

تُعلن المراهقة انعطافةً اجتماعية جوهرية. فتبدئين بقضاء وقتٍ مع صديقاتكِ يوازي ما تقضينه مع أسرتكِ، بل يفوقه. ويُفسَّر ذلك بتبدّلاتٍ في مركز المكافأة في دماغكِ، أي الجسم المخطّط البطنيّ.

تشتعل هذه المنطقة حين تقضين الوقت مع أقرانكِ، فتصير تلك اللقاءات مُجزية على نحوٍ خاصّ. وتُظهر دراسات التصوير العصبيّ أنّ استجابة هذه المنطقة استثنائية في المراهقة؛ إذ يفسّر ذلك القيمة العالية التي تمنحينها حينها للتواصل الاجتماعيّ.

نظرية العقل: فهم الآخر لحبّه أكثر

تنمّي صداقات المراهقة كذلك حميميةً وجدانية أعمق ممّا تعرفه صداقات الطفولة. فيعود هذا التطوّر إلى تحسّنٍ ملحوظ فيما يسمّيه العلماء «نظرية العقل».

تتيح لكِ هذه القدرة المذهلة أن تفهمي مشاعر الآخرين وأفكارهم ودوافعهم ووجهات نظرهم، مع إدراككِ أنّها تختلف عن مشاعركِ وأفكاركِ. ومع أنّ هذه المَلَكة تبدو بديهية، فهي تقتضي تنسيقًا معقّدًا بين مناطق دماغية شتّى تؤلّف ما يسمّى «الدماغ الاجتماعيّ».

يبدأ الرُّضَّع في بناء هذه النظرية نحو الشهر الثامن عشر. فقبل هذه السنّ، يحسبون أنّ الناس جميعًا يرون ويعرفون ما يعرفونه هم بالضبط. وطويلًا ظُنَّ أنّ هذه القدرة تكتمل في الخامسة؛ غير أنّها في الحقيقة تظلّ تتحسّن وتنضج إلى ما بعد المراهقة بكثير.

وفي هذه المرحلة الحاسمة، ترتفع درجة الترابط بين مناطق الدماغ الاجتماعيّ مقارنةً بالطفولة. فتفهم المراهقات وجهات نظر صديقاتهنّ فهمًا أدقّ، وتزدهر بينهنّ أواصر أعمق.

التزامن بين الأشخاص: حين تخفق روحان على إيقاعٍ واحد

في أوثق الصداقات، تشعرين أحيانًا بوصلٍ يتجاوز المادّة، كأنّ جسدين وعقلين يسيران في انسجام تامّ. فلهذا الإحساس، فعلًا، أساسٌ علميّ!

تتوقّف قدرتكِ على الاتّصال بالآخرين، جزئيًّا، على تناسق الأفعال والمشاعر والعمليات الفيزيولوجية والأفكار. فيسمّي علماء النفس هذه الظاهرة «التزامن بين الأشخاص».

تظهر عليكِ أولى علامات هذا التزامن منذ الطفولة المبكّرة، حين تنسّقين حركاتكِ ومناغاتكِ مع والديكِ. ثمّ كلّما كبرتِ وقضيتِ وقتًا أطول خارج البيت، نما هذا التزامن شيئًا فشيئًا مع أقرانكِ.

ويتجلّى هذا التزامن في لفتاتٍ يومية تبدو بلا أهمّية. فحين تمشين مع صديقتكِ، تأخذان الإيقاع نفسه وتسلكان الطريق نفسه، دون أن تفكّرا في ذلك. وأنتما، بلغة العلم لا بلغة المجاز، «على الموجة نفسها».

الصداقة مختبرٌ للوجدان

تعمل هذه الأواصر المميّزة عمل المختبرات الحقيقية لبناء الذات. فتعلّمكِ التعاطف والوفاء والمشاركة وفضّ النزاعات. وهذه المهارات الاجتماعية، المكتسبة في المراهقة، تؤثّر تأثيرًا دائمًا في قدرتكِ على نسج علاقات سليمة في سنّ الرشد.

وتنمّي الصداقة كذلك ذكاءكِ الوجدانيّ إذ تضعكِ أمام وجهات نظر تخالف وجهتكِ. فهذا الانفتاح على تنوّع الأفكار يُثري فهمكِ للعالم، ويغذّي نموّكِ الشخصيّ.

خلاصة: آليات الدماغ في الصداقة

الآلية الدماغيةما تفسّره
الجسم المخطّط البطنيّ (مركز المكافأة)استجابة استثنائية في المراهقة، تجعل اللقاء بالأقران مُجزيًا على نحوٍ خاصّ
نظرية العقلالقدرة على فهم مشاعر الآخرين وأفكارهم ووجهات نظرهم؛ تنشأ منذ الشهر الثامن عشر وتظلّ تنضج إلى ما بعد المراهقة بكثير
الدماغ الاجتماعيّترابط أعلى في المراهقة، يتيح فهمًا أدقّ لوجهات نظر الصديقات
التزامن بين الأشخاصتناسق الحركات والإيقاع والمشاعر مع الآخر، منذ الطفولة المبكّرة مع الوالدين ثمّ مع الأقران

غرس صداقاتٍ تدوم

يعينكِ فهم هذه الآليات العلمية على غرس صداقات أكثر إثمارًا. فإدراككِ لقيمة الحضور والإصغاء الفاعل والتعاطف يتيح لكِ نسج أواصر صادقة تدوم.

فتدفعكِ هذه المعرفة كذلك إلى أن تستثمري في صداقاتكِ عن وعي، إدراكًا لقيمتها التي لا تُقدَّر في عافيتكِ الوجدانية ونموّكِ الشخصيّ.

ميراث الصداقة النفيس

تترك صداقات مراهقتكِ أثرًا لا يُمحى في مسار حياتكِ. فهي تصوغ هويّتكِ، وتؤثّر في قيمكِ، وتنسج حولكِ شبكة سندٍ وجدانيّ ترافقكِ إلى ما بعد تلك المرحلة المؤسِّسة بكثير.

ويكشف هذا الفهم العلميّ للصداقة كم تتجاوز هذه العلاقات مجرّد التسلية لتصير قوى تبديلٍ كبرى. فصديقاتكِ لسن رفيقات درب فحسب، وإنّما مهندسات حقيقيات لازدهاركِ الشخصيّ.

أسئلة شائعة

لماذا تُعدّ المراهقة مرحلة مفصلية في الصداقات؟
لأنّ المراهقة تُعلن انعطافةً اجتماعية: يزداد الوقت المقضيّ مع الصديقات، بدفعٍ من الجسم المخطّط البطنيّ، مركز المكافأة في الدماغ، الذي يصير شديد الاستجابة للقاء الأقران.
ما نظرية العقل، ولماذا تهمّ في الصداقة؟
هي القدرة على فهم مشاعر الآخرين وأفكارهم ووجهات نظرهم، مع العلم بأنّها تختلف عن مشاعر المرء وأفكاره. فتظهر منذ الشهر الثامن عشر وتظلّ تنضج إلى ما بعد المراهقة بكثير، فتعمّق أواصر الصداقة.
ما التزامن بين الأشخاص؟
هو تناسق الأفعال والمشاعر والعمليات الفيزيولوجية والأفكار بين شخصين. فيظهر منذ الطفولة المبكّرة مع الوالدين، ثمّ ينمو مع الأقران كلّما ازداد الوقت المقضيّ خارج البيت.
أيّ مهارات تنمّيها الصداقة؟
التعاطف والوفاء والمشاركة وفضّ النزاعات والذكاء الوجدانيّ، وهي مهارات اجتماعية تُكتسب في المراهقة وتؤثّر تأثيرًا دائمًا في العلاقات في سنّ الرشد.
ما أثر صداقات المراهقة على المدى البعيد؟
تترك أثرًا لا يُمحى: فتصوغ الهويّة، وتؤثّر في القيم، وتنسج شبكة سندٍ وجدانيّ ترافق صاحبتها إلى ما بعد مرحلة المراهقة المؤسِّسة بكثير.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب