صحة وسكينة

نقائل سرطان الثدي: كلّ ما ينبغي معرفته لمقاومةٍ أفضل

حين ينتشر سرطان الثدي إلى ما وراء الثدي، يسمّى الداء نقيليًّا — وهو واقعٌ يمسّ عددًا كبيرًا من النساء في المغرب الكبير وأفريقيا. ففي تونس، تحمل 29,5% من المريضات نقائل منذ التشخيص الأوّل، وتصيب هذه النقائل نحو 20 إلى 30% من المريضات اللواتي عولجن أوّلًا من سرطان ثديٍ موضعي. وتستقرّ، بحسب ترتيب التواتر، في العظام والكبد والرئتين والدماغ. أما التعرّف المبكّر إلى علامات الإنذار وبلوغ العلاجات المبتكرة — العلاج الهرموني، والعلاج الكيميائي الموجَّه، والعلاجات الموجَّهة — فيبقى حاسمًا في التكفّل بالمريضة.

سرطان الثدي النقيلي في أرقامٍ كاشفة

في تونس، يصيب سرطان الثدي النساء الشابّات أساسًا، بمعدّل سنٍّ يبلغ 51 عامًا، وتحمل 29,5% من المريضات نقائل منذ التشخيص الأوّل. أما الجزائر فتسجّل 15 ألف حالة جديدة سنويًّا و3500 وفاة، في حين يمثّل سرطان الثدي في المغرب 19,2% من مجموع السرطانات.

وتصيب هذه النقائل نحو 20 إلى 30% من المريضات اللواتي عولجن أوّلًا من سرطان ثديٍ موضعي. غير أنّ الواقع أشدّ إقلاقًا من ذلك: ففي أفريقيا، تُشخَّص ما بين 60% و70% من النساء في مرحلةٍ متقدّمة، ولا تنجو بعد خمس سنوات من التشخيص إلا واحدة من كلّ اثنتين.

كيف تدبّر الخلايا السرطانية هروبها

يبدأ المسار النقيلي حين تكتسب الخلايا السرطانية قدراتٍ لافتة على الإفلات. فهي، وقد استقرّت أوّل الأمر في القنوات اللبنية للثدي، تطوّر شيئًا فشيئًا إنزيماتٍ تهدم الغشاء القاعدي الفاصل بينها وبين الأنسجة المجاورة.

ويرافق هذا التحوّل عددٌ من الظواهر المقلقة. فأوّلًا، تصنع الخلايا الورمية أوعيتها الدموية الخاصّة، فتضمن لنفسها الأكسجين والمغذّيات. ثمّ إنّها تستغلّ الجهاز اللمفاوي استغلالًا بارعًا لتنتشر، وهو ما يفسّر بقاء فحص العقد اللمفية الإبطية أمرًا حاسمًا.

وثمّة معطًى مقلق: فالـ27HC، وهو أحد نواتج أيض الكوليسترول، يرفع قدرة الخلايا السرطانية على التنقّل، وهو ما يفسّر تسهيل ارتفاع الكوليسترول في الدم للانتشار.

نقائل سرطان الثدي: المواضع المفضّلة مكشوفة

لا تستوطن الخلايا السرطانية أيّ موضعٍ كان. فهي تتبع ترتيبًا تفضيليًّا معروفًا:

تأتي العظام في المرتبة الأولى، وتصيبها خصوصًا السرطانات الحسّاسة للهرمونات. ففي تونس، تمثّل النقائل العظمية 13,3% من الحالات المشخَّصة بالتصوير الومضاني، مع ميلٍ إلى الهيكل المحوري.

ويشكّل الكبد الوجهة المفضّلة الثانية، لا سيّما في السرطانات الخالية من المستقبلات الهرمونية.

وتتبعها الرئتان عن قرب، وكثيرًا ما ترتبطان بالأشكال العدوانية.

أما الدماغ فيبقى مهدَّدًا على وجه الخصوص بالسرطانات المفرطة التعبير عن HER2.

ويختلف هذا التوزيع باختلاف نوع سرطان الثدي. فالسرطانات الفصيصية تؤثر المعدة والمبيضين، في حين تقصد الأشكال المعتمدة على الهرمونات العظامَ أوّلًا.

موضع النقيلةالتواتر / المرتبةنمط السرطان المرتبط بها
العظامالمرتبة الأولىالسرطانات الحسّاسة للهرمونات؛ الهيكل المحوري؛ 13,3% من الحالات المشخَّصة بالتصوير الومضاني في تونس
الكبدالمرتبة الثانيةالسرطانات الخالية من المستقبلات الهرمونية
الرئتانالمرتبة الثالثةالأشكال العدوانية
الدماغتهديدٌ خاصّالسرطانات المفرطة التعبير عن HER2
المعدة والمبيضانتوزيعٌ خاصّالسرطانات الفصيصية

علامات الإنذار: حين يدقّ الجسد ناقوس الخطر

وتستدعي بعض الأعراض تنبّهًا فوريًّا، ومنها:

  • آلامٌ ظهرية مستمرّة، تقاوم المسكّنات المعتادة
  • ظهور كتلةٍ في الثدي المقابل أو في عقدةٍ لمفية
  • اضطراباتٌ هضمية بلا تفسير: فقدان الشهية، والغثيان، والنفور من الطعام
  • مشكلاتٌ تنفّسية مستجدّة: سعالٌ مزمن، وآلامٌ في الصدر، وضيق نفس
  • علاماتٌ عصبية: صداع، ودوار، واضطرابات في البصر

وتستوجب هذه المظاهر استشارةً عاجلة. فالواجب ألّا يغيب عن البال أنّ أغلب الوفيات في الجزائر مرتبطةٌ بالتشخيص المتأخّر؛ إذ تصل المريضات في المرحلتين 3 و4.

فحوص تأكيد نقائل سرطان الثدي

ويقوم التشخيص على جملةٍ من الفحوص التكميلية الأساسية:

  • تحليل الدم مع معايرة الواسمات الورمية
  • التصوير المقطعي للصدر والبطن لرؤية النقائل الحشوية
  • التصوير الومضاني للعظام، وهو الفحص المرجع للنقائل العظمية
  • التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (TEP-scan) حين يلزم تقييمٌ دقيق
  • الرنين المغناطيسي (IRM)، وهو نافعٌ خصوصًا في المواضع العظمية والدماغية

وفي المغرب، تتجاوز المدّة بين الاستشارة الأولى والتشخيص ثلاثة أشهر في 52% من الحالات، وهو ما يبرز أهمّية مسار علاجٍ محكم.

علاجاتٌ ثورية ضدّ النقائل

ولحسن الحظّ، يتطوّر التكفّل بالمريضة تطوّرًا سريعًا بفضل التقدّم العلاجي. فيصير سرطان الثدي النقيلي شيئًا فشيئًا داءً مزمنًا قابلًا للضبط.

العلاج الهرموني في الخطّ الأوّل

يبقى العلاج المختار لكلّ السرطانات النقيلية ذات المستقبلات الهرمونية الإيجابية.

العلاج الكيميائي الموجَّه

ويُؤثَر أمام السرطانات السريعة التطوّر القليلة المستقبلات الهرمونية.

العلاجات الموجَّهة المبتكرة

يقلب trastuzumab deruxtecan التكفّل بـالسرطانات الإيجابية لـHER2 رأسًا على عقب. فقد أظهرت الدراسات الحديثة نسبة استجابةٍ بلغت 53,5%، ووسيط بقاءٍ بلا تفاقم قدره 9,4 أشهر.

ويفتح Trodelvy (sacituzumab govitecan) آمالًا جديدة أمام السرطانات الثلاثية السلبية التي فشل علاجها.

أما Keytruda (pembrolizumab)، مقترنًا بالعلاج الكيميائي، فيرفع وسيط البقاء الإجمالي من 16 إلى 23 شهرًا في السرطانات الثلاثية السلبية.

الجراحة والعلاج بالأشعّة إسنادًا

أحيانًا تبقى جراحة النقائل الكبدية أو الرئوية واردةً بعد العلاج الدوائي. ثمّ إنّ الرأب الإسمنتي (cimentoplastie) يحتلّ بدوره مكانًا مهمًّا في التكفّل بالنقائل العظمية الحالّة للعظم.

المآل والأمل: أرقامٌ مشجّعة

في حين تسجّل البلدان المرتفعة الدخل نسب بقاءٍ تفوق 90% بعد خمس سنوات، ما تزال أفريقيا متأخّرةً تأخّرًا كبيرًا. على أنّ وسيط البقاء صار اليوم من سنتين إلى ثلاث سنوات في سرطان الثدي النقيلي، وبعض المريضات يعشن أكثر من 10 سنوات بعد التشخيص.

تحدّياتٌ خاصّة بالمغرب الكبير وأفريقيا

تبقى البنية التحتية قاصرة: فليس في الجزائر سوى ثلاثة مراكز لطبّ الأورام تخدم 48 ولاية، وفي المغرب ستّة مراكز حكومية، وفي تونس مركزٌ واحد لمكافحة السرطان هو معهد صالح عزيّز.

وهو ما يفسّر لجوء كثيرٍ من الجزائريين إلى العلاج في المغرب وتونس وفرنسا، بكلفةٍ تتراوح بين 3500 و5000 أورو.

هيئاتٌ مرجعية في المنطقة

  • تونس: معهد صالح عزيّز، والمعهد الوطني للصحّة العمومية (INSP)
  • الجزائر: مراكز بيار وماري كوري (الجزائر العاصمة، ووهران، والبليدة)، والجمعية الجزائرية لطبّ الأورام
  • المغرب: مركز محمد السادس لعلاج السرطان، ومؤسسة لالة سلمى

تقتضي مكافحة نقائل سرطان الثدي تعبئةً جماعية. فرغم تحدّيات البنية التحتية، تفتح المكاسب العلاجية آفاقًا مشجّعة. ويبقى الجوهريّ التشخيصَ المبكّر والوصولَ العادل إلى العلاجات المبتكرة لكلّ نساء أفريقيا.

أسئلة شائعة

ما أكثر مواضع نقائل سرطان الثدي شيوعًا؟
بحسب ترتيب التواتر: العظام، خصوصًا في السرطانات الحسّاسة للهرمونات؛ ثمّ الكبد، لا سيّما في السرطانات الخالية من المستقبلات الهرمونية؛ ثمّ الرئتان، وكثيرًا ما ترتبطان بالأشكال العدوانية؛ ثمّ الدماغ، وهو الأشدّ تهديدًا بالسرطانات المفرطة التعبير عن HER2.
ما الأعراض التي تنبّه إلى احتمال وجود نقائل؟
آلامٌ ظهرية مستمرّة تقاوم المسكّنات المعتادة، وكتلةٌ في الثدي المقابل أو في عقدةٍ لمفية، واضطراباتٌ هضمية بلا تفسير، ومشكلاتٌ تنفّسية مستجدّة (سعال مزمن، وآلام في الصدر، وضيق نفس)، وعلاماتٌ عصبية (صداع، ودوار، واضطرابات في البصر).
ما الفحوص التي تؤكّد تشخيص نقائل سرطان الثدي؟
تحليل الدم مع معايرة الواسمات الورمية، والتصوير المقطعي للصدر والبطن، والتصوير الومضاني للعظام (وهو الفحص المرجع للنقائل العظمية)، والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (TEP-scan)، والرنين المغناطيسي (IRM) النافع خصوصًا في المواضع العظمية والدماغية.
ما العلاجات المتوفّرة لسرطان الثدي النقيلي؟
العلاج الهرموني في الخطّ الأوّل للسرطانات ذات المستقبلات الهرمونية الإيجابية، والعلاج الكيميائي الموجَّه للأشكال السريعة التطوّر، وعلاجاتٌ موجَّهة مبتكرة مثل trastuzumab deruxtecan وTrodelvy (sacituzumab govitecan) وKeytruda (pembrolizumab). وتكمّل التكفّلَ جراحةُ النقائل الكبدية أو الرئوية والرأب الإسمنتي للنقائل العظمية الحالّة للعظم.
ما مآل سرطان الثدي النقيلي اليوم؟
صار وسيط البقاء من سنتين إلى ثلاث سنوات، وبعض المريضات يعشن أكثر من 10 سنوات بعد التشخيص. أما البلدان المرتفعة الدخل فتسجّل نسب بقاءٍ تفوق 90% بعد خمس سنوات، وهو مستوًى لم تبلغه أفريقيا بعد.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب