في 4 جويلية 2026، كان من المقرّر أن تنطلق خمسة مواكب من خمس مدن في ضواحي باريس — جنفيلييه وسان أوان وبانتان وسان دوني وأرجنتوي — لتلتقي عند القصر الكبير (Grand Palais): سياراتٌ مزيّنة، وحنّاء، وموسيقى تقليدية وإلكترونية، ومأدبةٌ كبرى. يُعلن البرنامج عن عرس. غير أنّ لا عروسَ فيه ولا عريس. فالحدث الذي تصوّره الفنّان محمد بورويسة وسمّاه Raconte-moi ton mariage — «احكِ لي عن عرسك» — لا يحتفي بأيّ قِران؛ إنما يضع العرس المغاربي نفسه في العرض: موضوعًا، وذاكرةً، ومادّةً لمعرض.
كُتبت هذه السطور قبل الموكب؛ فهي لا تقول شيئًا عن الإقبال ولا عن الأجواء، وتقف عند ما أُعلن. غير أنّ المقصد كان بيّنًا منذئذٍ، وهو يتجاوز بكثير نشاطًا صيفيًّا عابرًا. وحين تصير حفلةٌ خاصّة، حميمة، نسائية في جانبٍ كبير منها، فقرةً في برمجةٍ ثقافية بقلب باريس، فإنّ شيئًا يُقال عن المكانة التي يمنحها شتات المغاربة لنفسه، وعن صلته بإرثٍ لم يعد يسكنه تمامًا كما كان.
موسمٌ ومعرضٌ وموكب
وليس السياق تفصيلًا عابرًا. فمنذ 15 ماي 2026، ينشر «موسم المتوسّط» (Saison Méditerranée)، الذي ينسّقه المعهد الفرنسي، أكثر من مئتي حدث. ويحتلّ العرس فيه مكانةً مختارة. إذ يُعلن معهد العالم العربي، من 29 سبتمبر 2026 إلى 31 جانفي 2027، عن معرض «أعراس (الجزائر-المغرب-تونس)» مخصّصٍ للأزياء والحُليّ والطقوس، وقبل ذلك كلّه لتحوّل هذه الطقوس في سياق الهجرة. أما موكب 4 جويلية فصداه المتقدّم، في الفضاء العامّ هذه المرّة. (وعن إرثٍ مغاربيّ آخر صار تراثًا مؤسّسيًّا، يُقرأ النجمة الزهراء، الإرث الثقافي لرودولف ديرلانجي.)
والمنهج المُعلَن دقيق: حكايات أعراسٍ جُمعت من سكّان تلك المدن، ثم حُوّلت إلى موكب. فليست هذه أعراسًا أُعيد بناؤها كما كانت، وإنما عملٌ معاصر صُنع من الذكريات. والفارق حاسم. إذ لا يُعرَض العرس المغاربي «الأصيل». وإنما يُعرَض ما بقي منه في ذاكرة من غادروه، أو من غادره آباؤهم.
وليس اسم بورويسة اختيارًا عشوائيًّا لهذا العمل. فهو فنّانٌ فرنسيّ جزائري وُلد سنة 1978 بالبليدة، وقدم إلى فرنسا طفلًا، ونشأ في ضواحي باريس، وبنى عمله كلّه على تمثيل الهوامش كما تُرى من الداخل. وتصدر أعمال Périphérique وTemps mort ثم Horse Day، الذي أنجزه مع فرسانٍ أمريكيّين من أصلٍ أفريقي بفيلادلفيا، عن المنهج نفسه: أن يعمل مع جماعةٍ لا أن يعمل عليها. ثم نال جائزة Deutsche Börse سنة 2020، وعُرضت أعماله بقصر طوكيو (Palais de Tokyo) سنة 2024؛ فهو يقارب العرس كما قارب سواه، بالتعاون وبالصورة. غير أنّ الفنّان لم يُدلِ بتصريحٍ عن هذا المشروع بعينه إلى ساعة كتابة هذه السطور، ومن التهوّر أن تُنسب إليه مقاصد لم يُفصح عنها. ويبقى العمل المُعلَن، وهو وحده كافٍ لطرح السؤال. (وعن عملٍ معاصر آخر جاء من المغرب الكبير وبلغ شاشات العالم، يُقرأ «صوت هند رجب»، أجرأ أفلام كوثر بن هنية.)
ما يصنعه الشتات بطقوسه
وقد اشتغل علم الاجتماع على هذا السؤال قبل أن تستولي عليه مؤسّسةٌ باريسية بزمنٍ طويل. فالمرجع المركزي يبقى عبد المالك صياد، عالم الاجتماع الجزائري الذي رحل سنة 1998. إذ بيّن، في مقالٍ من 1985 بليغِ العنوان — «الزواج: لحظة حقيقةٍ في الهجرة العائلية المغاربية» (Revue européenne des migrations internationales) — أنّ العرس ليس قطّ مجرّد مراسم. فهو اللحظة التي تكشف فيها أسرةٌ مهاجرة عمّا صارت إليه: ما حفظته من البلد، وما تخلّت عنه، وما تفاوض عليه.
ولصياد أيضًا كتاب La double absence — «الغياب المزدوج» (Seuil، 1999) — يصف فيه المهاجر غائبًا مرّتين: عن البلد الذي غادره، وعن البلد الذي لا يستقبله كاملًا أبدًا. فإخراج عرسٍ في باريس هو، بالضبط، محاولةُ سدّ هذا الغياب المزدوج، ولو لمدّة حفلة.
إخراج عرسٍ في باريس محاولةٌ لسدّ هذا الغياب المزدوج، ولو لمدّة حفلة.
ويزداد هذا الصنيع وضوحًا إذا قُرن بمفهومٍ صيغ بعيدًا عن المغرب الكبير. فقد أثبت المؤرّخان إريك هوبزباوم وتيرنس رينجر، في The Invention of Tradition — «اختراع التقاليد» (Cambridge University Press، 1983) — أنّ كثيرًا من التقاليد التي تُقدَّم بوصفها سحيقة القدم إنما هي في الحقيقة عمليات بناءٍ حديثة، صُنعت استجابةً لحاجةٍ راهنة. وموكب القصر الكبير من هذه الآلية نفسها. فهو لا ينبش طقسًا سليمًا كما كان. وإنما يؤلّف طقسًا من شظايا، لجمهورٍ ومكانٍ لا صلة لهما بالعرس الأصلي. وليست تلك خيانةً للإرث. بل هي طريقته في البقاء حين يصير بلد الأصل بعيدًا عن متناول اليد.
ولم يُعِد أبناء المهاجرين المغاربة، من جهتهم، عرس آبائهم كما كان قطّ. فقد بيّنت عالمة الاجتماع إيمانويل سانتيلي (CNRS) كم يتفاوض تكوين الأزواج عندهم بين الوفاء للعائلة والاستقلال الفردي. أما العرس الذي يُعرض في القصر الكبير فليس عرس البليدة ولا عرس تونس. إنما هو شيءٌ ثالث، وُلد من الانتقال، لا هو من هنا تمامًا ولا هو من هناك.
النساء: حارساتٌ ووارثات
ويبقى بُعدٌ يميل هذا الضرب من الإخراج إلى تجميله، وحقُّه أن يُسمّى باسمه. فالعرس المغاربي، في جانبٍ عريض منه، شأنٌ نسائي. والنساء هنّ اللواتي يملكن علم الطقوس، ينتقل من أمٍّ إلى ابنة، ومن خالةٍ إلى ابنة أخت. أما حفل الحنّاء، المدرَج في برنامج الموكب، فأبينُ مثالٍ على ذلك: علمٌ يسري في خطّ الأمّهات، قوامه الحركة، قلّما يُدوَّن، ويدوم بالممارسة وبالحضور. وقد وثّقت عالمة الإناسة كامي لاكوست-دوجاردان، التي وقفت عملها على النساء القبائليات وطقوسهنّ، هذه المركزية النسائية قبل أن تصير حجّةً في معرضٍ بزمنٍ طويل.
أما بنات الشتات فرهانهنّ مزدوج. يرثن هذا العلم، غير أنّهنّ يرثنه في إطارٍ لم يعد فيه بديهيًّا. فهنّ يقرّرن ما يحتفظن به من الحنّاء والثوب والأهازيج، وما يطرحنه جانبًا. ويذكّر عالم الاجتماع المغربي موحى الناجي (جامعة فاس)، الذي يشتغل على الهجرة والنوع الاجتماعي، بأنّ نساء الهجرة المغاربية قلّما كنّ مجرّد أوعيةٍ سلبية لثقافة؛ إذ هنّ المفاوِضات الفاعلات فيها، وكثيرًا ما كنّ أوّل من يحكم بين ما يُورَّث وما يتحوّل. (وهذه الطريقة في الإرث دون الخضوع لتعريفٍ جاهز كثيرًا ما تمرّ بصفحاتنا: يُنظر بورتريه هدى الشريف، امرأة تونسية، امرأة ذات قيمة.)
وإخراج الحنّاء في موكبٍ بالقصر الكبير عرضٌ لعملٍ نسائيّ في النقل، إذن. على أنّ حفلةً، مهما احتُفي بها، تقوم أوّلًا على من يُعددنها. وثمّة هنا توتّرٌ حقيقي، من الغشّ تمليسه. فوضع الطقس في واجهةٍ زجاجية قد يُثمّنه تراثًا حيًّا. بل قد يُجمّده أيضًا، ويفصله عن العبء الملموس، البيتيّ والخفيّ في أغلبه، الذي تحمله النساء اللواتي يُبقينه قائمًا. وهذا الالتباس نفسه يشقّ معرض معهد العالم العربي: فعرض الأزياء والحُليّ تكريمٌ لمهارة، غير أنّه مجازفةٌ كذلك بردّ ما كان أوّلًا رابطةً اجتماعية إلى مجرّد أشياء.
حين يصير الإرث عرضًا
موكبٌ بلا عروسين، وحكاياتٌ استحالت مواكب، وطقسٌ أُعيد تأليفه من أجل متحف: ما يعرضه الموسم الثقافي الباريسي للقراءة ليس حفظ إرث، وإنما إعادة تأليفه، معلنةً بلا مواربة. فشتات المغاربة في 2026 لا يضع عرسه في واجهةٍ زجاجية ليحميه من الزمن. إنما يستعمله ليقول، من فرنسا، ما الذي صار إليه.
وهو استعمالٌ مشروع للذاكرة، بل ضروري. غير أنّه يستدعي يقظةً واحدة، تصلح من باريس إلى تونس: طقسٌ يُخرَج على مشهدٍ عامّ يبقى، خلف الديكور، عملَ الصبر الذي تقوم به من يُبقينه حيًّا سائر أيّام السنة. أما قارئات المغرب الكبير فليس هذا الانتقال عندهنّ شأنًا بعيدًا. فهو يطرح سؤالًا يعنيهنّ هنّ أيضًا، حيث يعشن: حين يصير إرثٌ عرضًا، من يقرّر ما يُحفَظ منه، ومن يظلّ، في صمت، يحمله؟