نموّ شخصي

معنى الحياة الحقّ لا يأتي من نجاحاتكِ الشخصية

يمنح النجاح الشخصيّ نشوةً وفخرًا، غير أنّه كثيرًا ما يخلّف فراغًا وجوديًّا. فهذا السعي المحموم وراء الإنجاز الفرديّ يحجب حاجةً أعمق: أن تمنحي وجودكِ معنًى صادقًا. وستكتشفين هنا لماذا تكشف المشاركةُ في حكايات الآخرين المعنى الحقيقيّ لمسار حياتكِ.

وهمُ النجاح غايةً في ذاته

تفتح الحياة أمام الإنجاز الشخصيّ أبوابًا غير عادية. فبإمكانكِ أن تتسلّقي إفرست، وأن تُنشئي مؤسسةً مزدهرة، وأن تُلقي محاضرة TED. وتمنح هذه النجاحات نشوةً عارمة: احتفالات وتهانٍ ومنشورات على شبكات التواصل. أما هذا الاعتراف الاجتماعيّ فيغذّي الأنا لديكِ ويصدّق على جهدكِ.

غير أنّ هذه النشوة إذا خفتت، على مهلٍ أو دفعةً واحدة، برز سؤالٌ مُلحّ: «أهذا كلّ شيء؟ أهذا حقًّا كلّ ما في الأمر؟» فهذا السؤال يكشف أنّ الإنجازات الشخصية، مهما تألّقت، لا تروي ظمأنا الوجوديّ كلَّه.

المسار الجامعيّ إلى الفراغ الوجوديّ

وتجربةُ أستاذٍ في جامعة ستانفورد تُجسّد هذه الحركة خير تجسيد. فالظفر بمنصبٍ جامعيّ مرموق يخلط الابتهاج بالرعب. أما احتمالُ التقييم من أجل التثبيت، بعد سبع سنوات، فيولّد ضغطًا شديدًا: النجاح يعني عملًا مدى الحياة، والإخفاق يعني الطرد.

ويستدعي هذا الوضع فيلم «Glengarry Glen Ross» حيث يعلن أليك بالدوين: «الجائزة الأولى: كاديلاك إلدورادو. الجائزة الثانية: سكاكين شرائح اللحم. الجائزة الثالثة: أنتم مطرودون.» غير أنّ الجامعة لا تعرف جائزةً ثانية. فهذا الضغط الذي يجمع الانتباه يدفع إلى التفوّق: بحوثٌ رصينة، ومنشورات، وتدريسٌ لا تشوبه شائبة.

وبعد سبع سنواتٍ من الكدّ، يأتي التثبيت أخيرًا. راحةٌ عظيمة، وحماسٌ ملموس. ثمّ يعود السؤال نفسه: «أهذا كلّ شيء؟» غير أنّ عقودًا من الدراسة والدموع والتضحيات لم تُثمر الازدهار الذي كان يُرجى من هذا الإنجاز.

أركان المعنى الثلاثة في علم النفس

يُحدّد علماء النفس ثلاثة مكوّنات جوهرية لمعنى الوجود. أوّلها الاتّساق: أن يبدو العالم منطقيًّا يمكن توقّعه. فبعد الشتاء يأتي الربيع، ثمّ الصيف. أما عاداتُ اليوم المتكرّرة فتصنع هذا الاتّساق المطمئن.

وثانيها الغاية: تصوّرٌ لما يمكن أن تصير إليه حياتكِ وما ينبغي أن تصير إليه. فهذا الإسقاط على المستقبل يوجّه أفعالكِ ويجلّي أولوياتكِ منذ الصباح. أما الإنجاز الشخصيّ فيبرع في هذا الباب، إذ يقدّم أهدافًا دقيقة ومراحل قابلة للقياس.

وثالثها المغزى: شعوركِ بأنّكِ تتجاوزين ذاتكِ الراهنة، وأنّ لكِ وزنًا يمتدّ إلى ما بعد هذه اللحظة. غير أنّ الإنجاز الشخصيّ يكشف هنا بالضبط عن حدوده. فهو بحكم تعريفه منشغلٌ بكِ أنتِ، ومن ثمّ يعسر معه هذا التجاوز اللازم.

مفارقة ليوناردو دا فينشي

وتُضيء هذه المسألةَ مقولةٌ تُنسب إلى ليوناردو دا فينشي. فعلى فراش الموت، يُروى أنّ العبقريّ قال: «أسأتُ إلى الله وإلى البشرية، لأنّ عملي لم يبلغ ما كان ينبغي أن يبلغه من جودة.» أما هذا الاعتراف فيكشف أنّ أشدّ الإنجازات مجدًا قد تخلّف إحساسًا بالنقص.

فلهذه الحكاية صدًى عميق، إذ تنطق بحقيقةٍ كونية. وقد تدركين أنّ الإنجازات الاستثنائية نفسها تثير أحيانًا هذا السؤال المُوجع: «أيكفي هذا؟ أهذا كلّ ما أختزل فيه؟»

علاقة المرشد بالطالب: منبعٌ صادق للمعنى

كثيرًا ما تنبثق أثمنُ لحظات المسار الجامعيّ من العلاقة بطلبة الدكتوراه. فهذه الشراكات تمتدّ خمس سنوات أو ستًّا، وتنسج روابط كثيفة عميقة. أما مثال ميغيل أونسويتا (Miguel Unzueta) فيُجسّد هذه الحركة المُحوِّلة خير تجسيد.

وُلد ميغيل في إل باسو لأسرةٍ متواضعة، نابهًا لكن ينقصه الرأسمال الثقافيّ، ووصل إلى ستانفورد قبل مرشده المقبل. فمرّ بصعوبات تأقلم، إذ لم تكن شفرات هذه المؤسسة النخبوية المضمرة مفهومةً لديه. غير أنّ قدوم الأستاذ الجديد قلب الموازين: اعترافٌ متبادل، واهتماماتٌ مشتركة، وتعاونٌ ناشئ.

وتلت ذلك أربع سنوات من العمل المكثّف: لقاءاتٌ يومية، وجلساتٌ من عشر ساعاتٍ إلى اثنتي عشرة. أما قلقه المهنيّ الخاصّ فلم يمنعه من أن يضع نجاح طالبه في المقام الأول. فهذا الانقلاب في الأولويات يكشف أمرًا جوهريًّا في طبيعة المعنى الحقّ.

المشاركة في حكايات الآخرين: مفتاح المعنى

ونال ميغيل في النهاية منصبًا في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس (UCLA)، وصار أستاذًا منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، ونهض بمسؤولياتٍ كبيرة. فيغمر مرشدَه فخرٌ عظيم بأنّه أسهم، ولو إسهامًا متواضعًا، في هذا المسار اللافت. أما هذه التجربة فتكشف حقيقةً جوهرية في معنى الحياة.

وتغذّي العلاقاتُ المعنى الوجوديّ حقًّا، غير أنّ الكشف يمضي أبعد من ذلك: فـالمشاركة في حكايةٍ ليست حكايتكِ تولّد مغزًى عميقًا. أما هذه المشاركة النزيهة في سِيَر الآخرين فتتجاوز الإنجاز الشخصيّ وتلامس جوهر الوجود الإنسانيّ نفسه.

حدودُ الإنجاز الشخصيّ

يحمل الإنجاز الشخصيّ مزايا لا تُنكر: فهو سهل القياس، ويمنح سعادةً فورية، ويورث رضًى ملموسًا. فأنتِ تعرفين على وجه الدقّة هل نلتِ ذلك المنصب، وهل اشتريتِ ذلك البيت، وهل بلغتِ ذلك الأجر. أما هذا الوضوح فيريح ويحفّز.

غير أنّنا نخلط أحيانًا بين هذا السعي وحاجتنا العميقة إلى المعنى. ويُفسَّر هذا الخلط بسهولة قياس الإنجازات وبأثرها الوجدانيّ الإيجابيّ. فالإنجاز الشخصيّ يصنع ذُرى من السعادة، على خلاف البحث عن المعنى الذي قد يأتي غير مريح.

الفرق بين السعادة والمعنى

تكشف الدراسات فرقًا حاسمًا: فالآباء والأمهات الذين يمنحون تربية أبنائهم وقتًا أطول يذكرون معنًى أوفر في حياتهم، لا سعادةً أوفر بالضرورة. أما هذا الفارق الدقيق فيضيء الطبيعة المركّبة للازدهار الإنسانيّ.

فالمعنى كثيرًا ما يقتضي بذل الذات للآخرين، دون مردودٍ فوريّ من السعادة. بل قد يولّد هذا المسلك ضيقًا، إذ يطلب استثمار الطاقة الوجدانية والجهد فيما لا يعود عليكِ بنفعٍ مباشر.

كيف تُنمّين المعنى في حياتكِ

كي تُثري حياتكِ بمعنًى صادق، ابحثي بجدٍّ عن فرص المشاركة في حكايات الآخرين. واعتمدي «طاقة الممثّلة الثانية» بدل طاقة البطلة. فهذا الموقف المتواضع القويّ في آنٍ يغيّر أثركِ في العالم.

واقبلي كذلك أنّ السعي إلى المعنى لا يولّد بالضرورة سعادةً فورية. فهذا القبول يحرّر من انتظار المكافأة الآنية، ويتيح الاستثمار في علاقاتٍ وقضايا تتجاوز مصلحتكِ الشخصية.

الدائرة الفاضلة للمعنى المشترك

يصنع البحث عن المعنى دائرةً بديعة من الكرم والامتنان. فحين يكون لحياتكِ معنًى، فذلك أنّ أحدًا آخر منحكِ فرصة المشاركة في حكايته. أما إدراك ذلك فيبعث امتنانًا عميقًا لمن منحوكِ هذه الثقة.

في المقابل، إذنُكِ لغيركِ بالمشاركة في حياتكِ يمنحهم فرصة صنع معناهم الخاصّ. فهذا التكافل يكشف الجمال العميق في الصلات الإنسانية ودورها المركزيّ في ازدهارنا الجماعيّ.

الإرثُ الحقّ لمرورِكِ

تبهت إنجازاتُكِ الشخصية، مهما بلغت، أمام أثركِ في الآخرين. فحين تعبرين العالم بضيائكِ — بالمعنى الحرفيّ للنور — يُنير لقاؤكِ بالناس دروبهم ويعينهم على أن يسطعوا أكثر.

وهكذا يستنير العالم شيئًا فشيئًا. فإذا غبتِ، هانت كلّ إنجازاتكِ. ولن يبقى إلا مشاركتُكِ في حكايات الآخرين، وما أورثتِهم إيّاه، وكيف يتردّد صداه عبر الزمن. أما هذه النظرة فتقلب مقاربتكِ للوجود قلبًا جذريًّا، وتكشف المقياس الحقيقيّ لحياةٍ مكتملة.

أسئلة شائعة

لماذا لا يكفي النجاح الشخصيّ لمنح الحياة معنًى؟
يمنح النجاح الشخصيّ نشوةً عارمة، غير أنّها عابرة. فإذا خفتت، عاد السؤال: «أهذا كلّ شيء؟» فالإنجازات، مهما تألّقت، لا تسدّ الحاجة الوجودية إلى المعنى سدًّا كاملًا.
ما أركان معنى الحياة الثلاثة في علم النفس؟
الاتّساق (عالمٌ منطقيّ يمكن توقّعه)، والغاية (تصوّرٌ لما يمكن أن تصير إليه الحياة)، والمغزى (الشعور بتجاوز الذات الراهنة وبأنّ للمرء وزنًا يمتدّ إلى ما بعد اللحظة).
لماذا يعجز الإنجاز الشخصيّ عن منح معنًى دائم؟
لأنّه بحكم تعريفه منشغلٌ بالذات، ومن ثمّ يعسر معه التجاوز الذي يقتضيه المغزى؛ فهو يبرع في الاتّساق والغاية، ويخفق في هذا الركن الثالث.
ما الفرق بين السعادة والمعنى؟
يصنع الإنجاز الشخصيّ ذُرى من السعادة يسهل قياسها. أما المعنى فكثيرًا ما يقتضي بذل الذات للآخرين دون مردودٍ فوريّ من السعادة، بل قد يأتي غير مريح.
كيف تُنمّين معنًى أوفر في حياتكِ؟
بالبحث الجادّ عن فرص المشاركة في حكايات الآخرين، وباعتماد «طاقة الممثّلة الثانية»، وبقبول أنّ السعي إلى المعنى لا يمنح دائمًا سعادةً فورية.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب