تخطّي بعض الوجبات طوعًا لتناول الطعام على نحو أفضل في بقية الوقت: هذا هو جوهر الصيام المتقطع، وهو ممارسة عريقة عادت إلى الواجهة خارج شهر رمضان وحده. وعمليًا، يقوم على المناوبة بين فترات دون طعام ونافذة محدّدة لتناول الأكل — كأن تأكلي مثلًا بين الساعة 13 و21 فقط. تستهوي هذه الطريقة البسيطة اليوم الرياضيين ورجال الأعمال والفنانين والناس من مختلف الأعمار لما لها من فوائد على حساسية الإنسولين والطاقة وفقدان الوزن الدائم.
ما هو الصيام المتقطع؟
يشكّل الصيام والحمية ممارستين عريقتين. فمن أفلاطون إلى غاندي، مرورًا بفيثاغورس وأبقراط، ذكر كثير من الشخصيات المؤثرة وبعض الأديان هذه الممارسات بأشكال مختلفة عبر التاريخ. وقد تلاشى هذا النهج نوعًا ما مع مرور الوقت في بقية العالم، خارج شهر رمضان المبارك. لكن منذ فترة قريبة عادت فوائده ومزاياه إلى الظهور بفضل ما يُعرف بالصيام المتقطع (أو بالإنجليزية intermittent fasting).
في الواقع، يمثّل الصيام المتقطع نسخة مبسّطة من الصيام الذي نعرفه. لذا لا ينبغي ربطه بأي ممارسة روحية أو دينية. فالنتائج والدراسات العلمية، شأنها شأن شهادات كثيرة، تثبت فعاليته وتؤكد أن النتائج كثيرًا ما تكون لافتة!
استهوت هذه الطريقة الغذائية بالفعل كثيرًا من الرياضيين ورجال الأعمال والفنانين والمواطنين من مختلف الأعمار والمهن. إنها عادة غذائية بسيطة وفعّالة يمكن للجميع اتباعها. فهي تتيح تحسين الصحة الجسدية والنفسية مع الإسهام في فقدان الوزن لدى كثير من الناس.
لماذا نتبنّى الصيام المتقطع اليوم؟
كثيرات منا نرغب في التخلّص من زياداتنا في الوزن. وكلنا نودّ، قدر الإمكان، أن نعيش بصحة جيدة، متجنّبات أمراض الحضارة مثل السكري والسرطانات وأمراض القلب أو الأمراض التنكّسية العصبية كالزهايمر.
لقد أدمج نمط حياتنا الذي يحاول محاكاة أنماط المجتمعات الاستهلاكية الأكلَ غير الصحي في يومياتنا. فقد أخلّت وفرة الأطعمة المسبِّبة للإدمان الغنية بالنكهات الاصطناعية والسكريات المضافة بالعادات الغذائية السليمة. فنحن اليوم نقضم الوجبات الخفيفة على مدار اليوم. وأعضاؤنا كالكبد والبنكرياس وأعضاء جهازنا الهضمي في حالة استنفار دائم. ولا يؤثّر هذا النمط من العيش في وزننا وأعضائنا الحيوية فحسب، بل في دماغنا أيضًا.
كيف يعمل الصيام المتقطع؟
يقوم الصيام المتقطع على تخطّي بعض الوجبات طوعًا وتناول الطعام خلال مدة زمنية محدّدة تُسمّى نافذة الأكل. ومبدؤه بسيط جدًا: يكفي المناوبة عمدًا بين فترات لا نأكل فيها شيئًا وبين ما يُسمّى نوافذ الأكل التي يمكن أن نأكل فيها.
أمثلة عملية:
| العادة الغذائية | الوجبات المتخطّاة |
|---|---|
| تناول الطعام يوميًا بين الساعة 13 و21 | الفطور |
| عدم تناول الطعام قبل الساعة 20، خلال يوم أو يومين في الأسبوع | الفطور والغداء في الأيام المعنية |
فوائد الصيام المتقطع لصحتك
باتباع هذه الطريقة، ستحصلين على فوائد عديدة:
- حساسية أفضل للإنسولين
- مستوى طاقة أكثر استقرارًا
- اختفاء نوبات الجوع
- ارتفاع في هرمون النمو
- تحسّن في المزاج
- فقدان وزن دائم
- تباطؤ في الشيخوخة
- ارتفاع في جودة الحياة
الأثر في السعرات الحرارية وفقدان الوزن
بتخطّي الوجبات، يصبح تحقيق عجز حراري إجمالي أيسر. أي أن فقدان الوزن وخفض كتلة الجسم يصيران أسهل. فحين نأكل، يخصّص الجسم بضع ساعات لتفكيك الأطعمة إلى عناصر مغذّية أثناء عملية الهضم. ثم عليه أن يوجّه مختلف المواد الناتجة إلى حيث ينبغي أن تذهب، حريصًا على تخزين الفائض أو التخلّص منه.
وهكذا يغدو الطعام المستهلَك مصدر طاقتنا الأول. غير أنه خلال فترة الصيام المتقطع لم يعد متاحًا. فجسمنا، إذ عليه أن يجد الطاقة ليعمل على نحو سليم، يتّجه إلى الدهون المخزّنة في الخلايا الشحمية لتلبية حاجاته. ولهذا السبب تكون ممارسة الرياضة على الريق فعّالة لفقدان الوزن. فبعد ليلة دون طعام، يكون مستوى الغلوكوز في الدم منخفضًا نسبيًا عند الاستيقاظ، فيجد الجسم نفسه مضطرًّا إلى السحب من مخزونه.
تحسين الإنسولين بفضل الصيام المتقطع
ما إن نأكل حتى يفرز الجسم هرمونًا يُسمّى الإنسولين. ودوره أن يدير على أفضل وجه ما نتناوله كي ينقله ويخزّنه في خلايانا عند الحاجة. وهكذا، كلما أنتج الجسم مزيدًا من الإنسولين، صعُب فقدان الوزن (بسبب دوره في التخزين).
بالصيام، يصبح الجسم أكثر حساسية للإنسولين. فلم يعد بحاجة إلى إفراز الكثير منه لأيض الأطعمة، ما يسهّل فقدان الوزن وبناء العضلات. فالتمرين الرياضي مثلًا يزيد حساسية الإنسولين، محسّنًا بذلك كفاءة الجسم. وستُنقل العناصر المغذّية المبتلَعة إلى العضلات تسهيلًا للتعافي.
في المقابل، على الأشخاص الذين يعانون مقاومة الإنسولين أن يفرزوا الكثير منه مع كل وجبة، حتى حين تتكوّن من حصص صغيرة. وهؤلاء أكثر عرضة للإصابة بالسكري أو لزيادة الوزن. وباختصار، كلما ازدادت حساسيتنا للإنسولين، كنا أنحف وأوفر صحة.
هرمون النمو وفوائده
يعيق الإنسولين أيضًا إنتاج هرمون النمو المسمّى somatotrophine أو somatotropine بل somatropine أو حتى GH اختصارًا لـ growth hormone. لذا يتيح الصيام زيادة إنتاجه. وهذا الهرمون يحفّز نمو الخلايا وتكاثرها. فهو يمكّن الجسم من التجدّد، ومن حرق الدهون أيضًا، وبناء العضلات، واكتساب القوة، ومقاومة الشيخوخة. ويسهم في حسن عمل جهاز المناعة، ويتيح نومًا أفضل، ويحسّن الوظائف الإدراكية.
الآثار في تجديد الخلايا
يتيح اجتماع هذه العوامل الثلاثة للجسم بلوغ توازن جديد ينتج فيه مزيدًا من مضادات الأكسدة ويشرع فيه في الالتهام الذاتي. فيتخلّص الجسم بسهولة أكبر من الخلايا التالفة ويصبح قادرًا على تكوين خلايا جديدة. وتكبح هذه العملية ظهور الأورام السرطانية وتطوّرها. كما ستكون لها فوائد مضادّة للشيخوخة وتجنّب مخاطر الالتهاب.
وبذلك نحصل على مردود أمثل لغذائنا. فالصيام المتقطع يساعد الجسم على الاستفادة على نحو أفضل من الطعام الذي يستهلكه. وهو يعزّز في آن واحد فقدان الوزن وتقوية العضلات (متى مورس على نحو صحيح).
خاتمة
يهدف الصيام المتقطع إلى إرساء عادات غذائية جديدة صحية ودائمة. وتتيح هذه الطريقة البسيطة والفعّالة تحسين صحتك الجسدية والنفسية مع مساعدتك على بلوغ أهدافك في فقدان الوزن. وباتباع هذا النهج، تمنحين جسمك إمكانية التجدّد والعمل على النحو الأمثل.