هل يتوافق الإسلام والنسوية؟ سؤالٌ مأخوذ من فيلم وثائقيّ شُوهد أثناء الحجر الصحّي، ولا محلّ له. فلا أحد يتساءل إن كانت اليهودية أو المسيحية تتوافق مع النسوية. أمّا وضع المرأة فيتوقّف، كما في العالم كلّه، على إرادة سياسية أوّلًا، وعلى رؤية للمجتمع أكثر أو أقلّ مساواةً، لا على الدين نفسه. والواقع أنّ ثمّة نسويّاتٍ إسلامية، متعدّدة، خاصّة بكلّ مجتمع، يصطدم فيها الفكر النسويّ بالنزعة المحافظة وبالنموذج الأبويّ المحلّيين.
هل يتوافق الإسلام والنسوية؟ في حجرنا الصحّيّ الطويل، تلطّف صديق أوروبيّ فمرّر إليّ عنوان فيلم وثائقيّ قائلًا: «هذا البرنامج جعلني أفكّر فيكِ. قد يهمّكِ.» فإذ قدّرت الالتفاتة وحسن النيّة، تساءلت عن وجاهة السؤال. ثمّ ازداد شكّي بعد مشاهدة الفيلم المذكور، ولم تزدد حيرتي إلا اتّساعًا: «هل يتوافق الإسلام والنسوية؟» فلم يبدُ الفيلم في أيّ لحظة عازمًا على الإجابة عن السؤال المعلن في عنوانه. أفكان الموضوع أطمح ممّا يحتمله القالب الذي اعتمدته هيئة التحرير؟
تعقيد المقارنة
تألّف الفيلم من سلسلة شهادات جُمعت من نساء مختلفات، من مناطق مختلفة. وكانت الشهادات عربية في أغلبها، تتناول تجارب شخصية لا تكاد تقترب من التجربة الكونية. فبدا لي الكلام عن الإسلام أو عن النسوية ادّعاءً ومباهاةً، بمثل هذه المقاربة وفي مثل هذه الظروف.
الإسلام والنسوية: حكمٌ مسبق شائع
يختصر العنوان المختار، وحده، بناءً ذهنيًّا شديد الشيوع. فأوضّح. هل رأى أحدٌ أو قرأ أو سمع، في العشر أو العشرين سنة الأخيرة، شيئًا يشبه: «هل تتوافق اليهودية والنسوية؟» أو «هل تتوافق المسيحية والنسوية؟» فمن البيّن أنّ ذلك لا يعود إلى طبيعة النصوص المقدّسة لهاتين الديانتين التوحيديتين، ولا إلى ظروف عيش النساء المسيحيات أو اليهوديات. وهي ظروفٌ تختلف من قارّة إلى أخرى.
للقراءة أيضًا: الحركات النسوية: رحلة في الزمن
خلاصة الأحكام المسبقة
ومع ذلك، لا يزعج أحدًا كثيرًا أن يُجعل «العالم الإسلاميّ» كتلةً متجانسة، وأن تُجعل المسلمات كائناتٍ ذوات وضعٍ واحد. غير أنّ هذا بعينه خلاصةُ الأحكام المسبقة على الإسلام والأفكار الجاهزة عن المسلمات.
السياسة والمجتمع والدين
كما في العالم كلّه، يتوقّف وضع المرأة أوّلًا على إرادة سياسية، وعلى رؤية للمجتمع أكثر أو أقلّ مساواةً. أمّا الدين فليس إلا ذريعةً إضافية، تخدم أساسًا حجّةَ السلطة عند من تعوزهم الحجج، ومن تعوزهم سلطةٌ سليمة تمنعهم من الانزلاق إلى التسلّط.
نسويّاتٌ إسلامية، حركاتٌ متعدّدة
ألم يكن الأجدى أن يُتساءل، ببساطة أكبر، عن وجود نسوية إسلامية من عدمه؟ فالجواب عن هذا السؤال الأخير ليس بالإيجاب فحسب، بل هو أدعى إلى الاهتمام ممّا قد يُظنّ. ولا ينبغي الكلام عن نسوية إسلامية واحدة، كأنّها تأتي في صورة وحيدة، وإنّما عن نسويّات إسلامية، متعدّدة، نابعة من كلّ مجتمع، يصطدم فيها الفكر النسويّ بالفكر المحافظ وبالنموذج الأبويّ الخاصّ بكلّ بلد.
خاتمة: أبعد من التوافق
هل يتوافق الإسلام والنسوية إذن؟ لا محلّ للسؤال. فلنتساءل بالأحرى عن نزعة سياساتنا المحافظة، وعن ضغوط الامتثال في مجتمعاتنا.